صوتت 128 دولة من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة لصالح قرار يرفض إعلان الولايات المتحدة اعترافها بالقدس عاصمة لإسرائيل الخميس الماضي. لم تفلح تهديدات ترامب، ولم تنجح الدبلوماسية الأمريكية في إقناع حلفائها في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط بالتصويت ضد هذا القرار.

لماذا إذًا صوتت 7 دول ضد القرار؟ تكمن الإجابة في الدبلوماسية الإسرائيلية، وتشرح «ذي أتلانتك» أساليبها التي تتركز بشكل أساسي على الدعم المادي، في تقرير عن الأصدقاء الجدد للولايات المتحدة، ومندوبتها في المجلس الأممي، نيكي هالي، دعت المندوبة الأمريكية هذه الدول لحفل شكر بعد التصويت على القرار، دعي فيه من امتنع عن التصويت، ومن صوتوا ضد القرار، وهي أربع جزر من جزر المحيط الهادي: جزر مارشال، وميكرونيزيا، وناورو، وبالاو. والهندوراس، وجواتيمالا من أمريكا الوسطى، ودولة إفريقية أخيرة هي توجو.

اقرأ أيضًا: روبرت فيسك: اعتراف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل سيحرق المنطقة!

يبدأ التقرير بجزر المحيط الهادي، والتي كانت ستدعى ثلاث جزر منها لهذا الحفل في كل الأحوال، حيث تحظى جزر مارشال وميكرونيزيا وبالاو بعلاقات تاريخية مع الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حينما كانت جميعها تحت السيطرة الأمريكية. أصبحت هذه الدول مستقلة الآن، لكنها لم تزل تربطها بالولايات المتحدة باتفاق «الارتباط الحر»، كما أنها تحصل على المساعدات، ومنافع أخرى من الولايات المتحدة، وذلك في مقابل أن تكون أصواتها في الأمم المتحدة على وفاق مع سياسات الولايات المتحدة. دامت هذه الاتفاقات لسنين، ولا تزال سارية لسنين أخرى، لذا فلم يكن من المفاجئ أن تصوت هذه الدول ضد رفض القرار الأمريكي.

سفيرة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة نيكي هالي أثناء جلسة التصويت الخميس الماضي

لكن المفاجأة أن هذه الدول تحظى بدعم تنموي من إسرائيل، بالرغم من أن مواطنيها ليس فيهم يهودي واحد، وذلك مقابل أصواتها في الأمم المتحدة أيضًا. ويؤكد التقرير نجاح هذه السياسة مستشهدًا بما قاله رئيس وكالة التنمية الإسرائيلية (مشاف) هذا العام: «نحتاج دول المحيط الهادي بشدة؛ فقد أثبتت الإجراءات التنموية نفعها في قرارات الأمم المتحدة».

تبقى جزيرة رابعة من جزر المحيط الهادي، وهي جزيرة ناورو. لا توجد أية علاقات رسمية بينها وبين الولايات المتحدة، على عكس جيرانها. يصل تعدادها 10 آلاف نسمة، وتملك القليل من الموارد؛ إذ يعد مقعدها في مجلس الأمم المتحدة – الذي تقايض استقلال قراره بالدعم التنموي – أغلى ما تملك استراتيجيًا.

اعترفت بتايوان مقابل المساعدات، وتستضيف مخيمًا لاحتجاز اللاجئين الذين لا تريدهم أستراليا داخل حدودها مقابل المساعدات أيضًا. كما تتلقى الأموال الروسية نظير اعترافها باستقلال مناطق احتلتها روسيا في شرق أوروبا، وهو ما أثار الولايات المتحدة ضدها، خاصة بعد قرار بمنع المساعدات عن الدول التي تعترف بهذه المناطق. وبحسب التقرير، كانت إسرائيل تتقرب من ناورو في هذه الأثناء، حيث استضاف نتنياهو رئيسها في شهر يونيو (حزيران)، وهو ما جعل تصويتها ضد القرار غير مفاجئ.

يوضح التقرير أن هذا لا يعني أن الدبلوماسية الإسرائيلية تركز فقط على هذه الدول، بل يشير هذا للنجاح الكبير لهذا الأسلوب الدبلوماسي. منحت إسرائيل أيضًا مساعدات لعدة دول إفريقية، امتنع بعضها عن التصويت. كما دعمت علاقاتها مع السعودية ودول أخرى في الخليج العربي، لكن لم تصوت أيٌّ منها لصالحها.

أما بخصوص توجو، فيقول التقرير: إنه من الواضح أيضًا أن تصويتها كان بسبب إسرائيل أكثر مما كان بسبب الولايات المتحدة. سبق وأن أعلن رئيسها السلطوي، فور نياسنجبيه، أنه «يحلم بعودة إسرائيل إلى إفريقيا، وعودة إفريقيا إلى إسرائيل»، وهي الجملة التي كتبها في دفتر ملاحظات الضيوف أثناء زيارته إسرائيل في أغسطس (آب) الماضي، والتي نشرها نتنياهو بفخر على موقع تويتر. دعمه نتنياهو خلال فترة الاضطراب السياسي، وهو القرار الذي لتعرض خلاله مشهد محرج، عندما ألغت إسرائيل قمة مع زعماء إفريقيين في توجو، بعدما خرجت مظاهرات معارضة لنياسنجبيه عن السيطرة.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع نظيره لدولة توجو جيلبرت هونجبو-القدس

وبالرغم من المساعدات التي تقدمها الولايات المتحدة لتوجو، إلا أن التهديدات الأمريكية بـ«تسجيل اسم» كل من صوت ضدها، جعلتها غاضبة. صوتت توجو بلا دعمًا لإسرائيل، لكنها أصدرت بيانًا تقول فيه إنها فعلت هذا «بالرغم من تهديدات» واشنطن.

تبقى جواتيمالا والهندوراس، ويشير التقرير لتشابههما مع توجو في أن كليهما يعاني من أزمة سياسية محلية تجعل حكامها يبحثون عن حلفاء في الخارج. تورط رئيس جاوتيمالا جيمي مورالس في فضيحة فساد، وفشل في التخلص من رئيس الجهاز التابع للأمم المتحدة، الذي يحقق في الفساد في البلاد.

جعله الصراع مع لجنة التحقيق – وتسمى اختصارًا (CICIG) – في عداوة مع الأمم المتحدة، وكان التصويت فرصة ليلقن «حمائم سلام الأمم المتحدة» درسًا. وبينما كانت الولايات المتحدة تصطف بجانب الأمم المتحدة، كانت علاقة مورالس ونتنياهو بأحسن حال، كما أن نتنياهو كان أول رئيس إسرائيلي يزور أمريكا اللاتينية خلال هذا العام.

اقرأ أيضًا: «بيت النار» يخيف إسرائيل! الأفران الشعبية تقاوم التهويد بالقدس

يختم التقرير بالهندوراس، وهي الدولة التي كان للولايات المتحدة وإسرائيل دور معقد في سياساتها الداخلية. ففي الشهر الماضي، أجريت انتخابات رئاسية لم يعرف من فاز بها. تقول منظمة الدول الأمريكية إن على البلاد أن تعيد الانتخابات، وأشارت لأدلة على التزوير. أما أبرز المعارضين مانويل زلايا، فقد كان رئيسًا سابقًا رحل بانقلاب دعمته الولايات المتحدة عام 2009، وزعم بعد رحيله أن «مرتزقة إسرائيليين» يحاولون قتله، لكنه لم يقدم دليلًا على ذلك.

كانت إسرائيل قد قدمت دعمًا أمنيًا مثيرًا للجدل إلى الرئيس الحالي خوان أورلاندو هرناندز، وهو خصم زلايا. كما أثار التدريب الأمني الأمريكي للقوات الهندوراسية مخاوف حقوقية. وأيما كان الدافع وراء قرار الحكومة الهندوراسية بالتصويت لصالح الولايات المتحدة وإسرائيل، فقد قررت الولايات المتحدة بالفعل حكمها تجاه الانتخابات المتنازع عليها، وأعلنت وزارة الخارجية الأمريكية أنها اعتبرت هرناندز هو الفائز يوم الجمعة، في حركة كان من المتوقع أن تقوم بها قبل جلسة التصويت يوم الخميس.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد