يبدو أن التقرير الذي نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال» قبل أسبوع لم يكشف سوى غيض من فيض الحرب الاقتصادية التي تشنها إسرائيل ضد إيران منذ عامين ونصف العام، كما يؤكد عاموس هاريل، محلل الشؤون الدفاعية والعسكرية، في تحليل نشرته صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية. 

وفقًا للصحيفة الأمريكية قصفت إسرائيل ما لا يقل عن 12 سفينة، في إطار عملية منهجية تهدف إلى إحباط عمليات تهريب النفط بحرًا من إيران إلى سوريا. تهدف هذه العمليات، بحسب مصادر أمريكية، إلى منع وصول الأموال المدفوعة مقابل النفط المهرّب إلى حزب الله، وبالتالي عرقلة شراء عتاد قتالي.

أفادت «وول ستريت جورنال» إلى أنها استندت أيضًا إلى مصادر إضافية، بما في ذلك مصادر استخباراتية من الشرق الأوسط. ويشير الكاتب الإسرائيلي إلى أن إدارة بايدن قد تكون هي التي أطلقت التسريب الأول؛ بهدف تهدئة التوترات التي يعتقد الأمريكيون أنها قد تعرقل استئناف المفاوضات الوشيكة مع إيران حول عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي.

دولي

منذ أسبوعين
«بوليتيكو» تحاور وزير الخارجية الإيراني.. هل يمكن كسر الجمود بين أمريكا وإيران؟

يكشف تحقيق أجرته صحيفة هآرتس الإسرائيلية أن التقرير الذي نشرته «وول ستريت جورنال» الأسبوع الماضي لا يعكس سوى جزء من الصورة العامة؛ فعلى أرض الواقع، يلفت الكاتب أن إسرائيل شنت عشرات الهجمات التي ألحقت بالإيرانيين خسائر تبلغ قيمتها الإجمالية مليارات الدولارات، وأحرزت نجاحًا كبيرًا في تعطيل نشاطها الملاحي.

ولا غروَ فكل شحنة يمكن أن تحمل مليون برميل أو أكثر من النفط، تصل قيمتها إلى نحو 50 مليون دولار، تبعًا لتقلبات أسعار السوق. تنطلق هذه السفن من موانئ في جنوب إيران، وتعبر البحر الأحمر، وتبحر عبر قناة السويس وصولًا إلى البحر المتوسط. 

في بعض الحالات سلكت السفن طريقًا أطول، إذ طافت حول إفريقيا عبر مضيق جبل طارق وصولًا إلى البحر الأبيض المتوسط​​، من أجل تجنب الهجمات التي تستهدفها في البحر الأحمر. وعادة ما يكون الميناء الذي تقصده تلك السفن هو: مرفأ بانياس في شمال سوريا، الذي يقع بين أكبر ميناءين على الساحل السوري، طرطوس واللاذقية.

تعاون استخباراتي غربي – إسرائيلي

كانت أجهزة المخابرات الغربية هي التي كشفت طريق التهريب في عام 2018. ويقول الكاتب الإسرائيلي إن هذه التجارة النفطية تهدف إلى تجاوز قيود التجارة الدولية المفروضة على كل من إيران، على خلفية مشروعها النووي، وعلى سوريا، ردًا على الفظائع التي ارتكبها نظام بشار الأسد خلال الحرب الأهلية التي اجتاحت البلاد. 

Embed from Getty Images

أدركت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، إلى جانب أجهزة المخابرات الغربية أن الإيرانيين وجدوا طريقة لمواصلة تمرير الأسلحة إلى حزب الله. كانت الأموال تُحَوَّل إلى التنظيم اللبناني في الغالب من خلال وساطة رجال أعمال سوريين، مقابل إيصال النفط الإيراني إلى النظام في دمشق.

يذكر المقال أن السفن تعرضت للقصف في عدة نقاط مختلفة على طول مسارها، من البحر الأحمر في الجنوب إلى الساحل السوري في الشمال. في إحدى المرات، اتهم الإيرانيون إسرائيل والولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية بالترتيب بعد تدمير سفينة تحمل شحنة نفط إثر انفجار في البحر الأحمر، قبالة الساحل اليمني، في أكتوبر (تشرين الأول) 2019. 

بعيدًا عن الأعين

يشير المقال إلى عدد كبير من الحوادث الأخرى، يحتمل أن تكون قد شهدت هجمات تخريبية أقل صخبًا، أضرت بالوظائف الحيوية للسفن دون أن يتطلب ذلك تفجير قنبلة أو إطلاق صاروخ. في بعض الحالات دُمِّرت السفن تدميرًا كبيرًا يتعذر إصلاحه؛ ما اضطر الإيرانيون إلى سحبها إلى الميناء الرئيس. 

تفيد التقارير بأن هذه الهجمات لم تستهدف إيذاء من كانوا على متن السفن، أو إغراق السفن، ولم تتسبب في أضرار بيئية. ولأن مدبري هذه العمليات كانوا حريصين بشدة على العمل بعيدًا عن الأعين، وعدم التباهي بالضربات، لم يشنوا هجمات علنية للاستيلاء على السفن، كما حدث في عمليات الكوماندوز السابقة التي شنتها البحرية الإسرائيلية.

Embed from Getty Images

في تلك العمليات، شنت إسرائيل عمليات بهدف الاستيلاء على سفن تحمل أسلحة كانت في طريقها من إيران لتفريغ حمولتها قبالة ساحل قطاع غزة أو لبنان (كارين إيه في عام 2001، وفرانكوب في عام 2009، وكلوس سي في عام 2014)، أو في سياق منع حملات التضامن التي أطلقتها المنظمات اليسارية الدولية مع الفلسطينيين، وكان أبرزها تلك العملية الفاشلة الدموية التي شنتها إسرائيل على سفينة مافي مرمرة التركية في عام 2010.

التبرير القانوني للعمليات الإسرائيلية

يوضح الكاتب الإسرائيلي أن المسوغ القانوني لعرقلة عمليات تهريب النفط يمكن أن يستند إلى الحجة القائلة بأن إيران تستخدم الأرباح لضمان شراء الأسلحة للمنظمات الإرهابية. لكن حتى الآن لم يُطلب من إسرائيل تقديم مثل هذا الدليل. 

ويسترجع المقال ما حدث في يوليو (تموز) 2018، حين أوقفت بريطانيا ناقلة نفط إيرانية كانت في طريقها إلى سوريا، عند إبحارها عبر مضيق جبل طارق. بعد أسبوع، ردت إيران بعملية تهديدية استهدفت ناقلة بريطانية في الخليج، وسرعان ما أطلق البريطانيون سراح السفينة الإيرانية التي احتجزوها.

وفي نهاية فبراير (شباط) من العام الجاري، تضررت سفينة شحن في خليج عمان، إثر انفجار ألغام على ما يبدو. كانت السفينة مملوكة جزئيًا لشركة مملوكة لرجل الأعمال الإسرائيلي رامي أونجر. ويشير الكاتب إلى أن تلك العملية كانت أول إشارة تبعث بها إيران لتأكيد قدرتها على الرد على العمليات المنسوبة إلى إسرائيل. ومع ذلك كان الضرر الناجم عن العملية طفيفًا؛ إذ لم يكن هناك مواطنون إسرائيليون على متن الطائرة، وكانت حمولة السفينة مجرد شحنة سيارات تبحر ما بين السعودية والشرق الأقصى.

«ثورة تدريجية» في البحرية الإسرائيلية

إلى جانب جمع المعلومات الاستخبارية الشاملة والدقيقة، تتطلب مثل هذه العملية المكثفة المنسوبة إلى إسرائيل، والتي تهدف إلى ضرب سفن النفط، جهودًا شاملة من البحرية، بأسطولها من الغواصات وقوارب الصواريخ وقوات الكوماندوز البحرية. ويستشهد الكاتب بشهادات الاستحقاق والتميز التي سلمها الجيش الإسرائيلي خلال السنوات الأخيرة لوحدات البحرية، باعتبارها شاهدًا على اتساع نطاق العمليات.

يذهب الكاتب إلى أن كل هذه الإجراءات، بالإضافة إلى التقارير التي تكشف عن العمليات البحرية الإسرائيلية لعرقلة تهريب الأسلحة إلى حزب الله وإلى قطاع غزة، في إطار «الحملات التي تنفذها إسرائيل خلال الفترة التي تفصل بين حربين»، تعكس زيادة كبيرة في العمليات الهجومية على مدى السنوات القليلة الماضية. ومع ذلك على عكس الهجمات الجوية نادرًا ما تبلغ الحكومة السورية ووسائل الإعلام العربية عن الحوادث البحرية، ويرجح أيضًا أن الأنسب بالنسبة لإسرائيل هو أن تبقى هذه الحوادث في الغالب بعيدًا عن الأضواء.

يوضح المقال أن هذا النشاط الهجومي الواسع يكمل ثورة مفاهيمية تدريجية خضعت لها البحرية تحت قيادة قائدها الحالي، الأدميرال إيلي شارفيت، الذي سيكمل خمس سنوات في منصبه هذا العام. بدأت الرؤى الجديدة تتبلور في صيف عام 2006، عقب الهجوم الذي استهدف زورق الصواريخ حانيت في اليوم الثالث من حرب لبنان الثانية. لكن الأمر استغرق سنوات عديدة قبل أن تؤدي الاستنتاجات إلى إطلاق ثورة في بناء القوة البحرية الإسرائيلية.

Embed from Getty Images

أصيب زورق حانيت بصاروخ أطلقه حزب الله من البر إلى البحر قبالة ساحل بيروت، بينما كانت إسرائيل تفرض حصارًا بحريًا استعراضيًا، وغير ضروري. قُتل أربعة جنود إسرائيليين بصاروخ سي -802 صيني الصنع، حسبما أشار الكاتب.

كشف الهجوم أن الجهود الإسرائيلية لتحقيق التفوق البحري، بالاعتماد على قدرات الرصد والذخائر المتطورة التي تطلق من البحر إلى البحر، لم تكن مفيدة إلى حد كبير في مواجهة حماس وحزب الله. إذ لا يمتلك أي من الخصمين أسطولًا بحريًا، وبالتالي ينبع التهديد الرئيس من الأسلحة التي يطلقانها من الشاطئ. 

أصيب زورق حانيت؛ لأن البحرية الإسرائيلية لم تكن قادرة على تحديد التهديد الذي يواجهها من الشاطئ، وشن هجوم استباقي لتدميره. وعلى الرغم من قوة البحرية الإسرائيلية وتعقيدها، يعترف الكاتب بأنها كانت في مهب ضربات أعدائها المباشرين، في حين أن أنظمة إطلاق النار كانت شبه محصنة ضد الضربات.

دولي

منذ شهر
«فورين بوليسي»: الصراع القادم في الشرق الأوسط لن يكون بين الدول العربية وإيران

كان التغيير المطلوب، والذي طبقته إسرائيل على مدى السنوات الأخيرة، يشمل تدشين نظام بحري لإطلاق النار قادر على ضرب أهداف على الشاطئ، وتوفير جزء من موارد الاستخبارات لجمع المزيد من المعلومات حول الأهداف الموجودة على الشاطئ. في الوقت نفسه أصبحت إسرائيل منشغلة بحماية مياهها الاقتصادية، بما في ذلك الدفاع عن أصول الغاز الطبيعي ضد الهجمات القادمة من شواطئ قطاع غزة ولبنان.

يتوقع المقال أن يكون لهذه التغييرات أيضًا تداعيات في حالة الحرب؛ إذ سيتعين على البحرية تعطيل قدرة العدو الهجومية من الشاطئ، كأحد أهدافها الأولى في الصراع. في غضون ذلك في فترة المعركة التي تفصل بين حربين يبدو أن البحرية تكتسب خبرة نتيجة شن عمليات أكثر شمولًا خلال السنوات القليلة الماضية، كجزء من حملة شاملة تهدف إلى عرقلة تهريب النفط الإيراني إلى سوريا، ووقف تهريب الأسلحة إلى لبنان، وتجفيف مصادر الدعم لجهود حماس في تطوير قدرات الكوماندوز البحرية في قطاع غزة، على حد وصف الكاتب الإسرائيلي.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد