يُطالع حزبُ الله اللبناني وسائل الإعلام الإسرائيلية ووسائل الإعلام التابعة له حتى يقتبس من التقارير الإسرائيلية ما يُعزز به تصوره الخاص للأحداث. 

كتب سيث جي فرانتزمان، محرر صفحة الرأي، ومحلل شؤون الشرق الأوسط في صحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية، تحليلًا رصد فيه الدور الذي تؤديه وسائل الإعلام على جبهة التوترات بين حزب الله وإسرائيل، وكيف أصبحت ساحات وسائل التواصل الاجتماعي بمثابة الذراع الطولى في هذه التوترات الجارية، وصار بمقدورها تحديد مستقبل العلاقات بين الدول والمنظمات.

استهل الكاتبُ تحليله قائلًا: إن الحروب في الوقت الراهن لا تتعلق بتحقيق النصر في ميادين القتال فحسب، بل ترتبط أيضًا بفرض الهيمنة على جبهة وسائل الإعلام إلى جانب السيطرة على ساحات وسائل التواصل الاجتماعي.

نشر الجيش الإسرائيلي، الثلاثاء الماضي، تفاصيل سرية عن بعض المواقع في بيروت التي يُصنِّع فيها حزب الله اللبناني مكونات القذائف الدقيقة التوجيه. وبدوره، هرع حزب الله إلى جلب وسائل الإعلام إلى هذه المواقع لإظهار أنه ليس هناك شيء. وفي يوم الجمعة نشر الجيش الإسرائيلي معلومات إضافية حول هذه المواقع.

شَرَكٌ إعلامي

في الوقت الحاضر، تحول الفيديو الذي يُوثِّق كشْف هذه المواقع التابعة لحزب الله إلى صراع في ساحات وسائل التواصل الاجتماعي وإلى حرب إعلامية؛ لأن حزب الله على ما يبدو ابتلع الطعم فتجول في هذه المواقع التي حُدَّدت للنظر فيما أثير حولها، وبذلك كشف حزب الله عن عناصره وممتلكاته.

وتُظهر مقاطع الفيديو والصور أن المناطق التي ادَّعى حزب الله أنها مجرد مبانٍ مدنية عشوائية تحتوي بالفعل على آلات لتصنيع الأسلحة. حتى الأفراد الذين تحدثوا إلى كاميرات وسائل الإعلام، التي أتى بها حزب الله، كانوا من المنتمين إلى الحزب. وبذلك يكون حزب الله سقط في شَرَك إعلامي، ولم يتعرض لفخ عسكري.

Embed from Getty Images

وبحسب الكاتب، يُذكرنا هذا الأمر بواحد من الأفلام القديمة التي تعتمد أحداثه على قصص الجواسيس والعملاء المزدوجين، والأساليب المعقدة المُستقاة من بعض روايات جون لو كاريه (مؤلف بريطاني لعديد من روايات التجسس)، وتُستخدَم لكي يكشف بعض الأعداء عن أنفسهم.

إن تقارير وسائل الإعلام الموالية لحزب الله تريد طمأنة قُرَّائها أن المنظمة لم تتعرض لموقف محرج. كما تسعى هذه المنابر الإعلامية إلى إقناع قُرَّائها أن حزب الله لديه القدرة والإمكانية للوصول إلى مواقع أخرى عديدة لإخفاء ذخائره، مثل محافظة البقاع ومناطق أخرى في لبنان، فلماذا تحتاج المنظمة إلى إخفاء أسلحتها في العاصمة بيروت؟ 

وفي هذا الصدد، أوضح إليجا ماجنير، مُراسل الحرب والمتابع المخضرم لشؤون السياسة اللبنانية والمنطقة، أن الحرب الإعلامية، سواء كانت للاستهلاك باللغة العربية المحلية أو الأجنبية، هي «في واقع الأمر نوع من أنواع الحروب»، موضحًا أن الطرف المنتصر فيها هو الذي يكتسب مزيدًا من المصداقية.

التوترات جيئة وذهابًا

ونوَّه الكاتب إلى أن التوترات بين إسرائيل وحزب الله تصاعدت في شهر يوليو (تمُّوز)، بعد أن اتهمت المنظمة إسرائيل بقتل أحد عناصرها في سوريا. فيما أعلن الجيش الإسرائيلي، في 27 يوليو، أنه أحبط محاولة تسلل قامت بها خلية إرهابية تابعة لحزب الله في منطقة جبل دوف في شمال إسرائيل، وهذا ما دفع حزب الله وأنصاره إلى السخرية من إسرائيل، مُدَّعين أنه لم تقع أي محاولة تسلل، وأن إسرائيل مصابة بالذعر، مصورين أن إسرائيل تعيش دائمًا في حالة استنفار وقلق.

ولفت الكاتب إلى أن حزب الله يُطالع وسائل الإعلام الإسرائيلية ووسائل الإعلام التابعة له حتى يقتبس من التقارير الإسرائيلية ما يُعزَّز به تصوره الخاص للأحداث. والحزب على دراية بأن وسائل الإعلام الإسرائيلية أعربت عن قلقها إزاء حادثة منطقة جبل دوف. كما يعلم أن صحيفة «يديعوت أحرونوت» رأت أن إسرائيل أضاعت فرصة الرد على هذه الحادثة.

سيلٌ من الأحداث

كان هذا هو التراقص الإعلامي الذي جرى خلال الأشهر الماضية في ظل التوترات الجارية بين حزب الله وإسرائيل، ومنها توترات يوليو ومحاولات التسلل المزعومة، إلى جانب التوترات الواقعة على حدود الجولان.

Embed from Getty Images

وبعد ذلك، وقع انفجار مرفأ بيروت في أغسطس (آب)، وأصبح حزب الله منصرف الانتباه ومُشتت الذهن. لكن في سبتمبر (أيلول) أبرزت الإشارة الإعلامية إلى أن حزب الله يحتفظ بذخائر في مناطق مدنية، الطبيعة القاسية لمنظمة حزب الله، ويأتي هذا في أوقات حرجة يشعر فيها الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، بالإحباط من حزب الله خلال محاولاته لتشكيل حكومة للإصلاح في لبنان.

واستطرد الكاتب قائلًا: بالإضافة إلى ذلك، أعلنت الولايات المتحدة أن لبنان وإسرائيل ربما يُرسمان حدودهما في البحر وفي مواقع أخرى من منطقة النزاع الحدودي بين البلدين. وفشلت لبنان، في 26 سبتمبر، في تشكيل حكومة جديدة، واستقال رئيس الوزراء المكلف.

وفي27 سبتمبر، قدمت إسرائيل بعض التفاصيل السرية حول مواقع مصانع الصواريخ، وبعد ثلاثة أيام أعلنت مزيدًا من المعلومات حول المواقع نفسها، بعد ما سمح حزب الله لوسائل الإعلام بالقيام بجولة في هذه المواقع. وفي اليوم التالي، أي في الأول من أكتوبر (تشرين الأول)، ناقشت وزارة الخارجية الأمريكية قضية الحدود اللبنانية الإسرائيلية.

ما الذي يُمكن أن تفعله المنابر الإعلامية؟

إن السياق العام لصراع العلاقات العامة بين حزب الله وإسرائيل، والذي شهد احتدامًا في المدة بين شهري يوليو وأكتوبر بالتزامن مع التطورات الجارية على أرض الواقع، مهم لأنه يتماشى مع الأزمة السياسية اللبنانية بوجه عام. وعلى نحو غير مفاجئ كتبتْ قناة الميادين، المتعاطفة مع حزب الله، يوم السبت عن الأزمة السياسية في إسرائيل، مدَّعية أن الحكومة الإسرائيلية ستسقط. وسخرت «الأخبار» من فرنسا بسبب «فشلها» في إبرام صفقة في لبنان.

وخلُص الكاتب في ختام تحليله إلى نتيجة مفادها أن جبهة وسائل التواصل الاجتماعي والمنابر الإعلامية بمقدورها تحديد مستقبل العلاقات بين الدول، ووتيرة التوترات مع المنظمات الإرهابية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد