يتساءل شادي حامد، وهو زميل بمركز سياسات الشرق الأوسط بمعهد بروكنجز، في بداية مقاله الذي نشر في مجلة «ذي أتلانتك»، عما إذا كان صراع إسرائيل وفلسطين هو صراع أراضٍ ومناطق بشكل كلّي، ليجيب أن لا شك أن الأرض جزء من ذلك الصراع، ولكن عندما تسمع اعتراضات وتظلمات الجانبين، فإن مسألة من لديه أي جزء من أي منطقة لا تمثل بالضرورة لب القضية.

يذكر شادي أنه شارك مؤخرًا في جولة دراسية حول الدين والقومية في إسرائيل والضفة الغربية نظمها مشروع Philos. وقال لهم أحد المسؤولين الفلسطينيين الذين قابلهم: «لن أتنازل عن كرامتي». ومشكلة ما نعرفه عن «خطة السلام» لإدارة ترامب هي أنها تطلب من الفلسطينيين القيام بذلك بالضبط، أي التنازل عن كرامتهم.

يبدو أن مقاربة دونالد ترامب بأكملها مبنية على الدعوة إلى الاستسلام من جانب واحد. إنها تقوم على تدمير إرادة الشعب، وعلى أمل أن يتحول اليأس في يوم من الأيام إلى الرضا. هذه هي الطريقة الوحيدة لتفسير إصرار كبير مستشاري ترامب وصهره جاريد كوشنر على إعطاء الأولوية للحوافز الاقتصادية على التقدم السياسي، لكن هذا يسيء فهم معظم ما نعرفه عن الدوافع الإنسانية.

يتابع الكاتب قائلًا: لديّ تحيز: إذ لا يميل إلى الاعتقاد بأن الناس تحفزهم أشياء قابلة للقياس بالدرجة الأولى. إلى الحد الذي تصبح فيه الأرض عقبة لا يمكن التغلب عليها على ما يبدو، وهي مهمة، لكنها مهمة كبديل للقضايا الأعمق الأخرى. كما قال زميل الكاتب في معهد بروكينجز، شبلي تلحمي: «إن افتراض أن الوعد بالتحسين الاقتصادي سوف يفوق التطلعات الإنسانية العادية لشعب ناضل وتألّم لعقود من الزمن هو تفويت لطبيعة الحالة الإنسانية».

تاريخ مليء بالصراعات.. لكن هذا الصراع مختلف

رَفضُ المحاور الفلسطيني التنازل عن كرامته لم يكن أداءً تمثيليًا؛ كان صورة لليأس. مرت علينا صراعات قدم فيها القادة تنازلات ربما بدت وكأنها خيانة حينها، لكن ينظر إليها التاريخ اليوم على أنها كانت قرارات جريئة وضرورية. لكن تلك الصراعات ليست هذا الصراع.

Embed from Getty Images

بحسب الكاتب، رواية الإسرائيليين مختلفة تمامًا عن رواية الفلسطينيين، وهي ليست بالضرورة خاطئة. وفقًا لهذا المنظور، فإن العرب ومنذ تأسيس إسرائيل في عام 1948 فصاعدًا، إما يتوقون إلى اختفاء الدولة اليهودية أو اتخاذ إجراءات لجعلها تختفي فعليًا. هذا يتعلق بالإصرار الإسرائيلي على عدم وجود شريك فلسطيني للسلام؛ قد يقبل الفلسطينيون الأكثر اعتدالًا وجود إسرائيل كحقيقة مؤسفة، كما يقول هذا الجانب من الجدال، لكن حتى هم لا يؤمنون بحق إسرائيل في الوجود كوطن قومي للشعب اليهودي.

وفي تاريخهم الطويل معًا، عرف المسلمون اليهود كأتباع ديانة أخرى وليس كمجموعة عرقية، ديانة مختلفة عن الإسلام ولكن أيضًا مثلها. في كتاب «يهود الإسلام»، أشار برنارد لويس إلى أنه عندما يعبر المسلمون عن مواقف سلبية تجاه اليهود، فإنهم «يعبرون عادةً عبر مصطلحات دينية واجتماعية، ونادرًا جدًا من النواحي العرقية أو الإثنية». في المقابل، يعبر العديد من الفلسطينيين عن عدم ارتياحهم لفكرة أن اليهود هم شعب ودين، ويميل اليهود الإسرائيليون إلى اعتبار هذا الافتقار إلى الاعتراف شرًا ودليلًا على عدم إمكانية التوافق مع العرب.

يذكر الكاتب أن الكثير من الصهاينة الأوائل كانوا علمانيين، لذا فإن رؤيتهم لدولة إسرائيل لا تعتمد على الإيمان الديني المشترك، بل اعتمدت رؤيتهم الأولية على تحولهم إلى شعب. يجسد هذا لقب «الدولة اليهودية» نفسه، لأن الدولة اليهودية يمكن أن تكون موطنًا علمانيًا لليهود، في حين أن «الدولة الإسلامية» تشير إلى مهمة دينية وأسباب لاهوتية.

إسرائيل وفلسطين.. روايتان وواقعان مختلفان

تشكل القصص والسرد المتباين تفسيرًا للأسئلة الواقعية حول ما حدث بالفعل وما لم يحدث في لحظات مهمة. على سبيل المثال، يروي الكاتب كيف يهاجم السياسيون الإسرائيليون الفلسطينيين لرفضهم «العرض السخي» الذي قدمه رئيس الوزراء إيهود باراك عام 2000، وبالتالي فإن قصة التمرد العربي والفلسطيني تتواصل دون انقطاع.

مع كل رفض جديد يؤكد الافتراض السابق: أولاً، رفض العرب خطة التقسيم التي طرحتها الأمم المتحدة عام 1947. ثم خاضت الدول العربية الحرب ضد الدولة الإسرائيلية الجديدة. وبعد عقود وعندما أتيحت لهم الفرصة في النهاية، رفض الفلسطينيون عرض باراك. ثم رفضوا عرض رئيس الوزراء إيهود أولمرت، وهكذا.

بعبارة أخرى، لا يتفق الفلسطينيون مع هذا التفسير للخطأ الذي حصل. فهم يعتقدون أن العرض لم يكن سخيًا، إذ جاء بعد ست سنوات من «المزيد من المستوطنات الإسرائيلية وحرية أقل في التنقل وظروف اقتصادية أسوأ»، كما يجادل كبير مستشاري كلينتون في الإدارة روب مالي وحسين آغا في أحد الروايات النهائية عن مفاوضات كامب ديفيد عام 2000. أي أن في الواقع، لم يكن باراك الحمامة بحمامة. وكما كتب مالي وأغا: «اعتقد عرفات أنه يستطيع تمييز الهدف وراء كل تحركات باراك تقريبًا، وهو إجباره على ابتلاع صفقة غير معقولة أو تعبئة العالم لعزل وإضعاف الفلسطينيين إذا رفضوا الخضوع».

Embed from Getty Images

العدالة أم السلام؟

يميل النشطاء الفلسطينيون إلى التحدث من حيث العدالة. لقد وقع ظلم يجب التراجع عنه. كتب كريستوفر هيتشنز في وداعه للمؤلف الأمريكي الفلسطيني إدوارد سعيد أن شعور صديقه «بالظلم الذي لحق بفلسطين كان شعورًا قابعًا في الأحشاء. وببساطة، لم يستطع التصالح مع تجريد شعبه من أرضهم وحقوقهم أو الأكاذيب التي استخدمت للتستر على هذه الجريمة».

غالبًا ما يردد المتظاهرون المؤيدون للفلسطينيين شعار «لا سلام بدون عدالة». كان لأحد المسؤولين الإسرائيليين السابقين الذين تحدث إليهم الكاتب في القدس وجهة نظر مختلفة. قال: «إذا جعلنا هذه القضية قضية عدالة، فلن يكون هناك سلام». كما قال إن كثيرًا من الفلسطينيين يحتفلون بكونهم الضحية -حالة يغذيها شعور عميق بالظلم- بدلاً من التغلب عليها.

ولكن بعد ذلك نعود إلى مسألة الكرامة. بحسب شادي، فلا ينبغي مطالبة أي شخص بالخروج من حالة الضحية من خلال التخلي عن كرامته، الشيء الوحيد الذي لا يجب حتى على المحتل القضاء عليه. قد يبدو هذا ساذجًا وغير عملي، خاصةً بالنسبة لأولئك الذين يفضلون أن يتحرك الفلسطينيون وينهوا المسألة بأي طريقة، لكن هذا لا ينفي حقيقة الأمر.

يقول الكاتب: إذا كنت أنصح الفلسطينيين، فسأخبرهم بأن عليهم رفض عرض كوشنر، لكنهم لا يحتاجون إلى أي شخص لإخبارهم بما هو واضح بالفعل. إذا كان شخص ما لا يفهم أي شيء عن تاريخ الفلسطينيين ومظالمهم ورواياتهم، فما الفائدة؟ وصف السفير الفرنسي الجريء للولايات المتحدة الأمريكية، جيرارد أرود، كوشنر بهذه الطريقة: «إنه مؤيد لإسرائيل لدرجة أنه لا يفهم أنه إذا عرضت على الفلسطينيين الاختيار بين الاستسلام والانتحار، فسيختارون الخيار الثاني. شخص مثل كوشنر لا يفهم ذلك».

يختم الكاتب قائلًا أنه بسبب كون الجانبين متباعدان للغاية -ومن المرجح أن يظلا كذلك في المستقبل القريب-، فمن الأفضل للولايات المتحدة الابتعاد عن عملية سلام وهمية إذا كانت غير راغبة في ممارسة ضغوط جدية على إسرائيل أو التعامل بجدية مع الاعتراضات الفلسطينية، بدلاً من إضفاء الشرعية على سلوك إسرائيل أو إعطاء وهم التقدم دون مضمون. وإلا فإننا جميعًا نضيع الوقت، على الأقل حتى يحاول رئيس أمريكي جديد إعادة التفكير بشكل جذري في دور أمريكا، الذي رغم كونه متضمنًا على نوايا حسنة ولكن دائمًا ما يكون مأساويًا في أحد أكثر الصراعات استمرارًا في العالم.

روبرت فيسك: معادلة صفقة القرن للفلسطينيين: المال مقابل السلام والفقر عقاب الرفض

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد