نشرت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية مقالًا لـ ستيف هندريكس، الكاتب المخضرم ورئيس مكتب الصحيفة الحالي في القدس، تناول فيه ما أسماه دبلوماسية الرحلات الجماعية المتمثلة في تدفق آلاف الإسرائيليين على دولة الإمارات العربية المتحدة بعد التطبيع أو ما يسمى باتفاقية السلام بين البلدين وما صاحب تلك الزيارات من احتفاء بالمناسبات اليهودية وبالتحديد داخل مدينة دبي.

منطقة الشرق

منذ 7 شهور
«ميدل إيست آي»: ما «مكاسب» المغرب من التطبيع مع إسرائيل؟

ازدهار سياحي مفاجئ بسبب تدفق الإسرائيليين

يستهل الكاتب مقاله قائلًا إن آشيش نيجي يفتخر بأنه يستطيع اكتشاف جنسية السائحين بمجرد دخولهم إلى متجر المجوهرات الخاص به – وهذه الميزة تجعله كثير المُزَاح مع الأمريكيين، وعَذْب الحديث مع البريطانيين، ومستعدًا للمساومة مع الروس – لكنه كان في حيرة من أمره من الرجل الذي جاءه الأسبوع الماضي مرتديًا قبعة طويلة سوداء ويتدلى منه سوالف مجعَّدة. يقول نيجي عن أول زائر يهودي متشدد وصل إلى ركنه في سوق الذهب التقليدي في مدينة دبي، ضمن موجة من السياح الإسرائيليين الذين هبطوا على الإمارات العربية المتحدة في الآونة الأخيرة: «كان هذا شيئًا لم أره في دبي من قبل». وأضاف: «من الجيد جدًّا أن يكون لديك عملاء جدد للتعرف عليهم».

وفي الأسبوعين اللذين انقضيا منذ بدء الرحلات التجارية بين تل أبيب ومدينتي دبي وأبوظبي الإماراتيتين، تسبب الإسرائيليون في حدوث ازدهار سياحي ملحوظ في الدولة الخليجية. وفجأة، أصبح من الممكن سماع اللغة العبرية في جميع الأسواق والمراكز التجارية والشواطئ في وجهة كانت محظورة تمامًا حتى حقق البلدان انفراجة دبلوماسية في شهر أغسطس (آب) الماضي وطبَّعا العلاقات بينهما.

ويشير الكاتب إلى أن أكثر من 50 ألف إسرائيلي تجاهلوا مخاوف فيروس كورونا المُستجد والتحذير من الإرهاب وعقودًا من التوتر للقيام بالرحلة التي تستغرق ثلاث ساعات عبر شبه الجزيرة العربية. ويتوقع مسؤولو السياحة الإسرائيليون وصول أكثر من 70 ألف شخص خلال الأيام الثمانية الخاصة بالاحتفال بعيد الأنوار اليهودي (حانوكا وتعني بالعبرية «تدشين»، ويحل في الخامس والعشرين من شهر «كيسليف» حسب التقويم العبري)، والذي بدأ الأسبوع الماضي، في تبادل غير مسبوق بين الدولة اليهودية وإحدى جيرانها من الدول المسلمة التي كان لها تحفظ على مدى التاريخ على وجود علاقات مع إسرائيل.

Embed from Getty Images

ووصف أوائل مَنْ وصلوا من الإسرائيليين إلى الإمارات ما رأوه بأنه صِدَام ثقافي متجانس على عكس أي شيء عايشوه في المنطقة. وفي هذا الصدد، يقول آرييه إنجل: «هذا (السلام) أكثر دِفئًا من ذلك الذي شعرنا به في الأردن أو مصر»، مشيرًا إلى الدولتين العربيتين اللتين تربطهما علاقات رسمية مع إسرائيل منذ مدة طويلة، ولكن لا يتمتعان بعلاقات ودية على وجه التحديد. وفي يومه الرابع في الإمارات، تمتع إنجل للتو بأغنية «عيد ميلاد سعيد» باللغتين العربية والإنجليزية، وأخيرًا غنَّى له موظفو بيت الشاي العربي في مدينة دبي القديمة الأغنية ذاتها باللغة العبرية، الأمر الذي جعله يقول: «يبدو الأمر وكأنهم يريدوننا حقًا هنا».

انهيار جبال الجليد بين إسرائيل وعدَّة دول عربية

يشير الكاتب إلى أن الصفقات الدبلوماسية التي جرى التوصُّل إليها منذ الصيف بين تل أبيب والإمارات والبحرين والسودان وخلال الأسبوع الماضي فقط، المغرب، حطَّمت حالة البرود الطويلة القائمة بين الدول العربية وإسرائيل. ويتَّهم القادة الفلسطينيون هذه الدول العربية بالخيانة بسبب تطبيعها للعلاقات مع إسرائيل بينما لا تزال الأخيرة تحتل الضفة الغربية وتمنع إقامة دولة فلسطينية مستقلة.

لكن دوافع الإمارات لفتح صفحة جديدة في العلاقات مع إسرائيل كانت كبيرة. وتبدو العلاقات بمثابة هبة من السماء لصناعة السياحة في الإمارات وربما تصل قيمة عائداتها إلى مليارات الدولارات في شكل استثمار أجنبي محتمل في مجالات التكنولوجيا الفائقة والزراعة والأسلحة.

وبعبارة «إنهم أغنياء هنا»، تعجَّبتْ ريم إيلوز، مهندسة إنشاءات من تل أبيب وهي في طريقها حاملةً الأغراض التي اشترتها من مول دبي الفخم، الذي يقع في مكان ما بين حوض السمك (الأكواريوم) الذي تبلغ مساحته 2.6 مليون جالون وحلبة التزلج على الجليد التي تبلغ مساحتها 19 ألف قدم مربع. وأضافت: «يخسر الإماراتيون كثيرًا إذا لم يكن هناك سلام».

ومن ناحية أخرى، حجز إنجل وزوجه أدينا رحلة مدتها سبع ليالٍ بقيمة 1.800 دولار بمجرد الإعلان عنها في شهر نوفمبر (كانون الثاني) الماضي، ويرجع ذلك جزئيًّا إلى أنهما كانا يائسَيْن من السفر بعد انقضاء 10 أشهر من فرض قيود على السفر بسبب فيروس كورونا المُستجد. لكن الزوجين يشتركان أيضًا في الرغية الإسرائيلية الشديدة المشتركة للشعور بالترحيب في منطقتهما. تقول أدينا: «يبدو هذا الأمر بالنسبة لي أشبه بإزالة ستار حديدي».

بعد التطبيع.. الإمارات وإسرائيل غرام وتوجس

Embed from Getty Images

يلفت كاتب المقال إلى أن الحكومتين عملتا على بدء دوران عجلة السياحة، رغم وجود بعض المشاكل. وأعلنت كل دولة أن الأخرى «دولة خضراء» فيما يتعلق بجائحة فيروس كورونا، مما يسمح للزوار بالسفر ذهابًا وإيابًا دون التعرض للحجر الصحي. لكن وزارة الصحة الإسرائيلية غيَّرت مكانة الإمارات لمدة وجيزة إلى اللون الأحمر الأسبوع الماضي، مما أصاب الإسرائيليين بالذعر؛ إذ اعتقدوا أنه سيتعين عليهم الدخول إلى العزل الصحي عند عودتهم إلى ديارهم في نهاية رحلتهم السياحية.

كما تسبب الأمن في إثارة القلق، فبعد اغتيال عالم نووي إيراني كبير الشهر الماضي، وهو هجوم نُسِب إلى إسرائيل على نطاق واسع، حثَّ مجلس الأمن القومي الإسرائيلي الإسرائيليين على تجنب السفر إلى الإمارات خوفًا من أن يستهدفهم عملاء إيرانيون. وبحسب منظمي الرحلات السياحية، لم يكن للتحذير تأثير كبير. وفي هذا الصدد، قال يانيف ستاينبرج، المدير العام لشركة الامتياز للسياحة: «في الواقع، لم يقولوا لا تذهبوا، وهو ما فعلوه في بعض الحالات». وتابع: «كان لدى الناس تساؤلات، لكن لم يلغِ أحدٌ سفرَه».

الفنادق الإماراتية بنكهة يهودية خالصة

أوضح الكاتب أن شركات السياحة في كلا البلدين تعقد دورات عبر برنامج زووم لتثقيف بعضهم البعض بشأن العادات والآداب الخاصة بكل بلد. وأضاف المديرون الشمعدان (اليهودي الثماني يُسمَّى حانوكياه) إلى ديكور عيد الميلاد في ردهة الفندق. وقالت إحدى المديرات في الفندق إنها طلبت من العاملين في خدمة تنظيف الغرف النظر في الاتجاه الآخر إذا رأوا شموع حانوكياه تُضَاء في الغرف طالما أنها لا تبدو خطيرة للغاية.

وحوَّلت شركة تريت جورميه، وهي شركة لتوفير المواد الغذائية في دبي منذ زمن طويل، نفسها إلى مزود لطعام الكوشير اليهودي في غضون أسابيع، والأمر ذاته فعله نادي الضباط العسكريين في أبوظبي. وأبرم مركز الجالية اليهودية المحلي عقدًا مع مسؤولي السياحة في أبوظبي لتدريب ما يقرب من 150 مطبخًا فندقيًا متوافقًا مع الشريعة اليهودية واعتماده.

وفي تلك الأثناء، يبذل الطهاة ما في وسعهم. وتعلم البعض تعديلات مؤقتة من شأنها أن ترضي الملتزمين الأقل صرامة بالأطعمة اليهودية، مثل طهي السمك في رقائق معدنية لعزله عن فرن غير ملتزم بالتعاليم اليهودية. يقول يوسي هيرزوج، المرشد في شركة ميلينيوم ترافيل (للسياحة) الإسرائيلية والذي كان يقود جولة الشركة الثانية في دبي التي استمرت لمدة أسبوع: «لقد عملوا بجد لمساعدتنا». ويحرص سبعة من أصل 160 إسرائيليًّا على تناول طعام الكوشير، وسارع فندق حياة ريجنسي دبي كريك هايتس على إطعامهم (ما يحبونه).

Embed from Getty Images

من جانبه، يقول آرون نارايانان، مدير الطعام والشراب في الفندق، «لحسن الحظ، جميع اللحوم هنا حلال بالفعل، وهي ميزة كبيرة»، مشيرًا إلى قواعد الذبح الإسلامية التي تشبه متطلبات الكوشير. ومع ذلك، من المرجح أن يطغى الطلب على العرض لشهور قادمة. ولذلك، حذَّر أحد مواقع السفر اليهودية الملتزمين الزائرين لدبي قائلًا: «نوصي بشدة بعدم ترك البسكويت وعلب أسماك التونة في المنزل! (خوفًا من عدم توافر الأطعمة اليهودية». أما مركز الجالية اليهودية، الذي كان يخدم في السابق عددًا صغيرًا من المسافرين بغرض الأعمال والمقيمين، فقد زاد عدد موظفيه من حوالي خمسة إلى 30 موظفًا تقريبًا بعدما أصبح مركزًا لمساعدة الإسرائيليين الوافدين، وفقًا لما ذكره الحاخام مندل دوشمان.

يقول دوشمان: «نتلقى حوالي 300 رسالة بريد إلكتروني يوميًّا». ويريد الزائرون معرفة أين يمكنهم تناول الطعام والصلاة والعثور على الميكفاه، وهو الحمام التعبدي الذي تزوره النساء الملتزمات شهريًّا. وبالنظر إلى أوقات الازدهار المقبلة، يستعد مركز الجالية اليهودية لبناء حمام يلائم معايير دبي الفاخرة. وأضاف دوتشمان: «من المحتمل أن يكون هذا الحمام الألطف في العالم».

حانوكا في دبي

ينقل الكاتب تفاصيل الاحتفال بأول «حانوكا» عام في دبي، حيث يقيم مركز الجالية اليهودية حفلًا رائعًا كل ليلة في قاعدة برج خليفة المكون من 163 طابقًا، وهو أعلى مبنى في العالم. ويرقص مئات الإسرائيليين، في الوقت الذي تهز فيه أصداء الموسيقى، المصاحبة للمطربين والـ دي جيه الذي أُحضر من إسرائيل، الأبراج المحيطة.

يقول دوشمان بصوت يفوق صوت الضوضاء المحيطة: «أعتقد حقًا أن هذا هو أفضل مكان يمكن أن تكون فيه يهوديًّا». وبحسب الكاتب، فإن معظم السياح الإسرائيليين ليسوا متدينين على نحو خاص، الأمر الذي يجعلهم أحرارًا في التجول في يوم السبت اليهودي. وقام هرتسوج بجولته بأقصى سرعة يوم السبت، متنقلًا بالحافلة والتاكسي المائي من المدينة القديمة إلى أسواق التوابل والذهب إلى المعرض الثقافي المترامي الأطراف في القرية العالمية. ودخل هرتسوج في شراكة مع نورمان علي خلاف، عميد المرشدين السياحيين في دبي. واستأجرت الشركات الإسرائيلية خلاف لإطلاع مرشديها على ما يجب وما لا يجب فعله قبل السفر إلى البلد المحافظ (القبلات ممنوعة في الأماكن العامة. لا تخترق الصفوف لتأخذ مكانًا متقدمًا فيها دون وجه حق. الصراخ أمر مستهجن ويتعرض مَنْ يسب أو يشتم للغرامة).

Embed from Getty Images

وتقدم بعض الشركات السياحية لعملائها دروسًا تعليمية خاصة بها، بالنظر إلى أن الإسرائيليين يشتهرون بأنهم زوار صاخبون، وهم يعرفون ذلك جيدًا عن أنفسهم.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 7 شهور
«أكبر نادٍ عنصري في العالم ونفتخر!».. قصة النادي الإسرائيلي الذي اشترته الإمارات

نورمان خلاف.. الرجل الصاخب

يختتم الكاتب مقاله بتعريفنا بشخصية خلاف، فيقول سيكون من الصعب تخيل أي شخص أكثر صخبًا من خلاف، الذي صعد على متن الحافلة مرتديًا كوفية فلسطينية حول رأسه، وحيَّا المجموعة باللغتين العربية والعبرية الصاخبة. وفي غضون دقائق، كان يرقص في الممر مع ضابط شرطة متقاعد من شمال إسرائيل.

كان جد خلاف مسلمًا من يافا، التي تقع حاليًا في دولة إسرائيل، وتزوج من يهودية أوكرانية، ويَعُد خلاف نفسه رمزًا لسمعة دبي في التسامح الديني. وفي هذا السياق، أشار إلى المعابد الهندوسية والكنائس المسيحية المنتشرة على طول الطريق في مدينة دبي. وفي معرض فني صغير في المدينة القديمة، وصف خلاف لوحة زيتية لأول رئيس لدولة الإمارات العربية المتحدة، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، قائلًا: «هذا هو بن جوريون بلدنا»، في إشارة إلى الأب المؤسس لإسرائيل. وقال ضاحكًا، وهو يقف على الرصيف حاملًا اللافتة الخاصة بالفوج السياحي الذي يقوده ومستعدًا لقيادة الرحلة إلى الممرات الضيقة لسوق التوابل: «أنا فلسطيني مسلم أعمل مرشدًا سياحيًّا ليهودٍ إسرائيليين». وتابع: «هذا شيء خاص بدبي فقط».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد