قال دانييل جورديس في مقال له على موقع شبكة «بلومبرج»: إنه «عندما أعلن البيت الأبيض نقل سفارة الولايات المتحدة في إسرائيل إلى القدس، ابتهجت الدولة العبرية بشدة». ولكن عندما صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية كاسحة ضد القرار الأمريكي، اكتفت إسرائيل بـ«هز كتفها في عدم اكتراث».


ويشير جورديس إلى أن السبب في هذه اللامبالاة هو أن تل أبيب تعتبر المنظمة الدولية كيانًا معاديًا؛ ولا أدل على ذلك من جميع عمليات التصويت التي تخص الصراع العربي-الإسرائيلي. ففي 2012، منحت الأمم المتحدة الفلسطينيين عضوية مراقب بمؤازرة عالمية قوية مع اعتراض إسرائيلي. وفي 2015 سُمح للفلسطينيين برفع علمهم في مبنى المنظمة الدولية، وهو ما عارضته إسرائيل أيضًا، ووافقت عليه معظم بلدان العالم.

اقرأ أيضًا: ملف خاص| القدس فلسطينية.. ملف «ساسة بوست» لكل ما تريد معرفته عن القرار الأمريكي بشأن القدس

لكن نتيجة التصويت لا تتوافق مع ما يردده بعض الإسرائيليين اليساريين من أن الأمر يشكل صفعة لإدارة ترامب. فحتى عند التصويت على إنشاء إسرائيل عام 1947 – يؤكد جورديس – خشي الإسرائيليون من عدم قدرتهم على تأمين ثلثي الأصوات لتمرير القرار. وعندما دشنت الأوروجواي حملة معادية للقرار؛ سارع الإسرائيليون إلى إقناع الدول الأعضاء طوال عطلة عيد الشكر؛ ليصدر القرار رقم 181 بتقسيم فلسطين بموافقة 33 دولة ومعارضة 13 وامتناع 10 عن التصويت.


ويشدد جورديس على أن الإسرائيليين أدركوا أنه لو أعيد التصويت، لربما اختلفت النتيجة. وعندما اشتعلت حرب عام 48 بين العرب وإسرائيل، سعت أمريكا إلى تمرير قرار يتم بموجبه وضع فلسطين تحت الوصاية الدولية، وحينها تأكد الإسرائيليون من أن لدى الأمريكيين قناعة أن الأمم المتحدة أكبر خطر على الدولة الوليدة.

نتيجة التصويت على الإعلان الأمريكي بنقل السفارة إلى القدس

استطاع الفلسطينيون في العقود التالية استخدام الأمم المتحدة كمنصة لفضح إسرائيل أمام العالم – يضيف جورديس. ففي عام 1975، أقرت المنظمة الدولية بأن الصهيونية حركة عنصرية؛ مما يعني أن الأمم المتحدة أعلنت صراحة أن الحركة التي أدت إلى قيام الدولة العبرية هي رأس من رؤوس الشر.

وعلى الرغم من تراجعها عن هذا القرار في عام 1991 – يقول جورديس – إلا أن السياسة العامة للمنظمة الدولية ظلت معادية لإسرائيل. فبين عامي 2001 و2009 رعت الأمم المتحدة عدة مؤتمرات وصفت الصهيونية بالحركة الاستعمارية، وأن إسرائيل دولة عنصرية قامت على التطهير العرقي. ووُزعت نسخ من كتابي «بروتوكولات حكماء صهيون» و«كفاحي الخاص بهتلر» في تلك المؤتمرات، وهما كتابان ينضحان بالكراهية للسامية.

وبين عامي 2003 و2012 – يواصل جورديس حديثه – مررت الأمم المتحدة عشرات القرارات ضد إسرائيل. وأشار مسؤول إسرائيلي إلى أن «مجلس حقوق الإنسان» التابع للأمم المتحدة مرر 43 قرارًا يدين إسرائيل، من بينها ست قرارات خلال جلسة واحدة في عام 2013. ولطالما جرى بحث ملف إسرائيل في المجلس أكثر من أية دولة أخرى. في المقابل فشل المجلس في إدانة المذابح في دارفور، وانتهاكات حقوق الإنسان في دول مثل الصين والسعودية وكوبا.

اقرأ أيضًا: آخرها القدس.. أبرز الوعود التي نجح ترامب في تنفيذها حتى الآن

من هذا المنطلق، يجب فهم سبب لا مبالاة تل أبيب بالتصويت حول القدس. ولطالما هاجم القادة الإسرائيليون المنظمة الدولية؛ إذ وصفها رئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل ديفيد بن جوريون بأنها «مسرح الحمقى»، وتحدث سفير الدولة العبرية إلى الأمم المتحدة في الخمسينات عنها ساخرًا بالقول: «إذا تقدمت الجزائر بمشروع قرار يقول إن الأرض مسطحة، وأن إسرائيل هي السبب في ذلك، فسيوافق أعضاء المنظمة بأغلبية كاسحة!».


يؤمن الإسرائيليون أن عداء الأمم المتحدة لهم لا يضر دولتهم في شيء – يشدد جورديس. ويرون أن الأهم من التصويت الأخير هو تقوية الحلف المصري-السعودي-الإسرائيلي؛ مما سيعزز وضع تل أبيب في المنطقة، وربما يدفع أمريكا إلى الهجوم على إيران.


لكن هذا ليس السبب وراء تفاؤل إسرائيل وثقتها – يختتم جورديس بالقول – فعندما انضمت إسرائيل إلى الأمم المتحدة، كانت العضو رقم 60. اليوم هناك 193 دولة عضو في المنظمة، وهكذا فإن إسرائيل أكثر استقرارًا ونجاحًا من معظم دول العالم. ولا تتوقع تل أبيب تغير سلوك المنظمة الدولية، لذا فهي تهتم بتطوير قدراتها بكل الوسائل المتاحة لها، وقد نجحت في ذلك أكثر مما كان بوسع أي أحد أن يتخيل.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد