أعد الكاتب الأمريكي توماس فريدمان مقالًا نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية يستعرض فيه الأسباب التي أشعلت نار المواجهات والاشتباكات الجارية في القدس، مسلَّطًا الضوء على الجهات الفاعلة فيها، محذرًا من أن المواجهات إذا تحولت إلى انتفاضة فستكون بمثابة زلزال يهز إسرائيل وربما المنطقة.

تركيبة أحداث تكفي لتأجيج الأوضاع

في مستهل مقاله، تساءل الكاتب قائلًا: لنرى، ماذا يحدث عندما يُلقي تطبيق «تيك توك» الضوء على مظالم الفلسطينيين بشأن عمليات الاستيلاء على الأراضي التي يُنفذها الإسرائيليون اليمينيون في الأحياء العربية في القدس (حي الشيخ جراح)؟ وبعد ذلك أضف إلى هذا المزيج صلاة المسلمين لأقدس ليلة إسلامية (ليلة القدر) في القدس؟ ثم أضف أكثر الاحتفالات الإسرائيلية إثارة للعواطف في القدس؟ مع مزجها بلعبة السلطة التي تمارسها حركة حماس لتولي قيادة القضية الفلسطينية؟ وأخيرًا الفراغ السياسي الذي كانت فيه السلطة الفلسطينية عاجزة عن إجراء انتخابات جديدة، بالإضافة إلى أن إسرائيل تعيش حاليًا حالة انقسام قوية للدرجة التي لا تتوقف فيها عن إجراء انتخابات تلو الأخرى؟

Embed from Getty Images

ويصف الكاتب ما حدث يوم الاثنين بأنه انفجار لأعمال العنف حول القدس، سرعان ما انتشرت إلى جبهة غزة، وتركت الناس يتساءلون: هل ستنفجر المواجهات؟ وهل تكون هذه الأحداث بداية اندلاع انتفاضة فلسطينية جديدة؟ 

لماذا يخشون من اندلاع انتفاضة؟

يرى الكاتب المخضرم أن الحكومة الإسرائيلية والدول العربية المحيطة والسلطة الفلسطينية يرغبون بشدة أن يكون الجواب على هذه التساؤلات بـ«لا»؛ وذلك لأن إسرائيل لن تجد دعمًا كبيرًا من البيت الأبيض ذي الميول اليسارية، ناهيك عن دعم بقية دول العالم، لحملة القمع الكبيرة التي تشنها ضد الفلسطينيين، أما الحكومات العربية فلأن معظمها يرغب في مواصلة التعامل مع صناع التكنولوجيا الإسرائيليين، وليس الانخراط في عملية الدفاع عن رماة الحجارة الفلسطينيين، أما القيادة الفلسطينية فلأن الأحداث ستكشف أنها لم تعد تسيطر على الشارع الفلسطيني؛ لهذه الأسباب يريدون هؤلاء أن يكون الجواب «لا». 

ويُوضح الكاتب أنه على عكس الانتفاضتين الفلسطينيتين السابقتين في عامي 1987 و2000، عندما كان لدى إسرائيل طرف فلسطينيّ تتواصل معه لمحاولة إخماد الانتفاضة، لا يوجد هذه المرة طرف فلسطيني على الجانب الآخر يمكن لإسرائيل التعامل معه عبر الهاتف، أو أن هذا الطرف إن وجد فهو يبلغ من العمر 15 عامًا يُمسك بهاتفه الذكي، ويطلق الدعوات ويستقبلها ويستلهم تحركاته عبر «تيك توك»، تطبيق الفيديو الذي يستخدمه الشباب الفلسطيني في أغلب الأحيان للتعبير عن آرائهم وتشجيع بعضهم البعض لمواجهة الإسرائيليين.

تصادم بين مناسبات وأماكن مقدسة

واستشهد الكاتب بما كتبه جاك خوري، الخبير في الديناميات العربية لهذا الصراع، في تحليله المنشور في صحيفة «هآرتس» يوم الاثنين، إذ قال: «إن محرك الاحتجاجات على الجانب الفلسطيني هو «الحركة الشعبية»، والتي تتكون في معظمها من جيل الشباب الذي لا ينتظر رأي قيادته السياسية، سواء كانت السلطة الفلسطينية أو القادة العرب في إسرائيل أو في قطاع غزة. وأفادت بعض التقارير أن حركة حماس، خلال الأيام القليلة الماضية تحاول إثارة الاحتجاجات، لكن قيادة الحركة ليس لها سيطرة على الأحداث إطلاقًا… وهكذا، كما ترى الحكومة الإسرائيلية الأحداث، فلا يوجد عنوان أو شخص يمكن التوجه إليه من أجل إجراء نقاش سياسي حول الموقف».

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 6 شهور
«الشيخ جراح» ليس الأول.. قصة قرية «خان الأحمر» التي صمدت في وجه التهجير القسري

ويستدرك الكاتب قائلًا: لكن ما الذي أثار كل هذه الاحتجاجات والمواجهات؟ مستشهدًا بإجابة موشيه هالبيرتال، أستاذ الفلسفة الدينية في الجامعة العبرية، أن سبب المواجهات في هذه المرة هو تصادم بين «مناسبات مقدسة» و«أراضٍ مقدسة»، ثم ألقت جهات مختلفة أعواد الثقاب لتأجيج النيران. لا سيما، أن الاحتفال بيوم القدس لهذا العام – وهو اليوم الذي تحتفل فيه إسرائيل بذكرى استيلائها على القدس الشرقية والمدينة القديمة في حرب عام 1967، ونتيجة لذلك توحيد شرق القدس وغربها – ويحتفل اليهود به بإقامة الصلوات في الحائط الغربي (المبكى) ليلة الأحد.

ويُشير الكاتب إلى أن هذا اليوم المقدس عند الإسرائيليين تزامن هذا العام تقريبًا مع ليلة القدر المقدسة عند المسلمين، والتي جاءت هذا العام يوم السبت. ولا تعد ليلة القدر أقدس ليلة في شهر رمضان فحسب، بل في التقويم الإسلامي بالكامل. إذ إنها تحيي الليلة التي نزل فيها الملاك جبريل بالقرآن على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وقد أحيا آلاف المسلمين الذين تجمعوا في باحة المسجد الأقصى، ليلة القدر في الحرم القدسي الشريف بالقرب من «حائط المبكى» (حسب التسمية الإسرائيلية). 

إخلاء الفلسطينيين من بيوتهم

ولفت الكاتب إلى أن تداخل هذه المناسبات المقدسة أدَّت إلى وقوع اشتباكات حتمية في أزقة القدس الشرقية، بلغت ذروتها يوم الاثنين عندما داهمت الشرطة الإسرائيلية المسجد الأقصى، حيث خزّن الفلسطينيون الحجارة. وأُصيب مئات الفلسطينيين بجروح، بينما أصيب أكثر من 20 شرطيًا إسرائيليًا.

الشيخ جراح

وسلَّط الكاتب الضوء على السبب وراء تفاقم هذا الوضع واستمرار القتال لمدة طويلة حول «الأراضي المقدسة» – كما يرى هالبيرتال – قائلًا إنه باختصار يعود إلى حصول بعض اليهود من الإسرائيليين اليمينيين على أمر من المحكمة بإخلاء ست عائلات فلسطينية من منازلهم. ويزعم فريدمان أن هذه المنازل كانت على أرض مملوكة ليهود في القدس الشرقية قبل تقسيم المدينة في حرب عام 1948. وتقاوم العائلات الفلسطينية أوامر الإخلاء الصادرة من المحكمة. وفي الواقع، كان من المقرر أن تنظر المحكمة العليا الإسرائيلية يوم الاثنين في قرار إخلاء العائلات الفلسطينية، لكنها أجلت القرار بسبب أحداث العنف.

وبينما يرى الفلسطينيون أن استرداد اليهود للأراضي أو المنازل، التي كانوا يمتلكونها في القدس الشرقية قبل عام 1948، ليس عادلًا، فإنهم ليس لديهم أي وسائل قانونية لاسترداد أراضيهم التي كانوا يمتلكونها في القدس الغربية أو في أي مكان آخر في إسرائيل قبل عام 1948؛ على حد قول كاتب المقال. 

هل فقدت القضية الفلسطينية شغفها؟

صحيحٌ أن الاشتباكات حول هذه التواريخ المقدسة والأماكن المقدسة كافية لإثارة التوترات وإشعال النيران والحرائق، لكن بعض المشاهد المنشورة على تطبيق «تيك توك» تزيد من حدتها، بحسب الكاتب. ففي أبريل (نيسان)، حمَّل بعض الشبان الفلسطينيين مقطع فيديو قصير يظهر مهاجمتهم يهوديًا أرثوذكسيًا في وسائل النقل العام، بوصفها إحدى طرق الإلهام لتنفيذ هجمات مماثلة. وردًا على ذلك نظمت مجموعة يهودية يمينية متطرفة تدعى «لاهافا» تظاهرة في منطقة باب العامود في البلدة القديمة للقدس، مرددين هتافات «يا عرب، اخرجوا». 

يُؤكد الكاتب أن النقطة الأكثر وضوحًا وأهمية هي ظهور إجماع ساذج لدرجة خطيرة في إسرائيل على مدى السنوات الماضية يُشير إلى أن إسرائيل تمكنت من قمع الصراع الفلسطيني في جوهره، وأصبح الفلسطينيون، الذين يعيشون في الضفة الغربية والقدس الشرقية، راضين ومستسلمين تمامًا للعيش تحت السيطرة الإسرائيلية على الدوام. وكان هذا الإجماع قويًا لدرجة أنه في الانتخابات الإسرائيلية الأربعة الأخيرة، لم تكن قضية السلام مع الفلسطينيين – كيف يتحقق وماذا يحدث إذا أُهمل – على الأجندة أو في برامج المرشحين للانتخابات.

بالإضافة إلى ذلك عزَّزت اتفاقات إبراهام، التي أشرفت عليها إدارة ترامب، لتطبيع العلاقات بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة والبحرين والسودان والمغرب – على الرغم من أهميتها في المساعدة على استقرار المنطقة – الفكرة القائلة بأن القضية الفلسطينية أصبحت من الماضي ومن أخبار الزمن الفائت، لكن عناوين الأنباء اليوم تثبت خطأ التفكير بهذه الطريقة.

كيف تنظر الإدارة الأمريكية للأحداث؟

يشير الكاتب إلى أن إدارة بايدن ليست مهتمة في الوقت الراهن بضرورة الرد على هذه الأخبار. ولا تعتقد أن الظروف مناسبة لإحراز أي تقدم حقيقي في القضية الإسرائيلية الفلسطينية، وهذا آخر شيء تريد إدارة بايدن، في ظل أنها تصب جل تركيزها في المنطقة على محاولة تجديد الاتفاق النووي مع إيران، والذي يُهدد فعليًا بإثارة توترات كبيرة مع إسرائيل، ولا تريد الإدارة الأمريكية أن يتشتت تركيزها على التوسط بين الإسرائيليين والفلسطينيين لإبرام اتفاق على التهدئة ووقف إطلاق النار أو السعي لإضعاف المحاولات الإيرانية لتأجيج الوضع في القدس.

دولي

منذ 11 شهر
مترجم: 3 أسس يجب أن يستند إليها بايدن إذا أراد حل القضية الفلسطينية

لكن على أي بر سترسو هذه التطورات؟ يجيب الكاتب: يعتمد هذا الأمر جزئيًا على بنيامين نتنياهو. ومن بين أكثر المصادفات جنونًا في هذا الوقت، وربما تكون أكثرها جنونًا، أن تندلع مثل هذه الاشتباكات بينما نتنياهو في طريقه لترك منصب رئيس الوزراء، الذي شغله لأكثر من 12 عامًا. وتكمن مصلحة نتنياهو في رؤية خصومه يفشلون في تشكيل حكومة ائتلافية جديدة للإطاحة به، ويرغب نتنياهو في أن تجري إسرائيل انتخابات خامسة، وهو ما يمنحه فرصة للتمسك بالسلطة وربما تجنب السجن إذا أدين في قضايا الفساد التي يحاكم عليها حاليًا. ومن الوسائل التي يمكن لنتنياهو أن يلجأ إليها لفعل ذلك هي تأزم الموقف حتى يضطر منافسوه من الجناح اليميني إلى التخلي عن محاولات الإطاحة به والإعلان بدلًا عن ذلك أن الوقت لم يحن بعد لتغيير القيادة. 

زلزال يهز أركان إسرائيل

ويُضيف الكاتب أن كثيرًا مما سيحدث تاليًا يتوقف أيضًا على ما تختار حماس فعله. إذ فشلت حركة حماس في تحقيق نمو اقتصادي كبير في قطاع غزة الذي تحكمه أو إحراز أي تقدم سياسي مع إسرائيل، بحسب فريدمان. وحقيقة أن السلطة الفلسطينية أجلت للتو الانتخابات التي كان من المقرر إجراؤها، وكان من المتوقع أن تفوز بها حركة حماس، تعني أن الحركة ستظل عالقة في الأحداث. 

ماذا ستفعل حماس عندما تجد نفسها عالقة على هذا النحو؟ يجيب فريدمان: تطلق الصواريخ على إسرائيل. لكن الحركة فعلت شيئًا غير عادي حقًا يوم الاثنين؛ إذ أطلقت صواريخ على القدس في محاولة منها لتسلم زمام قيادة الانتفاضة هناك. وأفادت تقارير أن إسرائيل ردت بقصف غزة، وقتلت ما لا يقل عن 20 فلسطينيًا. 

Embed from Getty Images

ويختتم الكاتب مقاله بالقول: الخلاصة أن كل هذه المواجهات قد تهدأ في غضون ثلاثة أو أربعة أيام، إذا ما أدركت حماس، وإسرائيل، ومصر، والأردن، والسلطة الفلسطينية، جميعًا أن مصلحتهم تكمن في فرض سيطرتها على الشارع، أو لا. وإذا تحولت المواجهات إلى انتفاضة جديدة وفرض الشارع إدارته على قيادته، فإنها ستكون بمثابة زلزال سيهز إسرائيل، وغزة، والضفة الغربية، والأردن، ومصر، واتفاقيات أبراهام. وإذا حدث ذلك أقترح عليكم تحميل «تيك توك» لمتابعتها مباشرة وقت حدوثها.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد