يشعر الإسرائيليون بالقلق حيال مرحلة ما بعد محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية؛ فالمشهد الفلسطيني معقد، تتخلله انقسامات تضرب حركة فتح، وصراعات بين عباس وبعض من تابعيه؛ تتصل في جانب كبير منها بالتنافس على خلافته، إلى درجة تدفع بإسرائيل للخوف من انزلاق الوضع إلى فوضى الحرب الأهلية، التي ستمثل ميدانًا جديدًا للتنافس بين السعودية وإيران. هذا هو الوضع الذي يرصده تقرير لمعهد «بيجن سادات» الإسرائيلي للدراسات؛ إذ يفصل خلاله خيارات إسرائيل في التعامل مع الضفة الغربية حال رحيل الرئيس الفلسطيني محمود عباس.

ويؤكد التقرير أن الوضع خطير لدرجة أنه يشبه البناء على رمال متحركة، وأن إسرائيل لا تتحمل عواقب الوقوف موقف المتفرج من الأحداث المتلاحقة داخل السلطة الفلسطينية؛ فأراضي السلطة الفلسطينية تقع على مرمى حجر منها، وهو ما يعني أن أية فوضى قد تدب في الأراضي الفلسطينية ستؤثر بالسلب على إسرائيل.

ويشير التقرير إلى أن الإسرائيليين يعتقدون أنهم سيضطرون إلى تغيير منهجهم إزاء السلطة الفلسطينية بعيد اختفاء محمود عباس من المشهد.

لكن الحلول المطروحة أمام إسرائيل، حسبما يقول التقرير، لا تخرج عن خمسة بدائل هي: تطبيق حل الدولتين بما يضمن إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة، أو اغتنام فرصة الصراعات المحتملة وتوسيع عمليات الاستيطان ومصادرة الأراضي، أو اعتماد نظرية الفوضى الخلاقة، ومحاولة صناعة بديل لخلافة عباس، أو أن تمتنع إسرائيل عن اتخاذ أي تحركات قد تشعل الموقف أكثر، أو اللجوء إلى الخطوات أحادية الجانب، سواء كانت عبر الانسحاب، أو الاستحواذ الأحاديين.

1- حل الدولتين

يؤكد التقرير أن المجتمع الدولي ينظر إلى حل الدولتين بوصفه الحل الوحيد القابل للتطبيق، ورغم أن هذا الحل يبدو بعيد المنال في المستقبل المنظور، وفق التقرير، إلا أن على إسرائيل ألا تثير غضب حليفتها الكبرى، الولايات المتحدة، وأصدقائها في أوروبا؛ وتمتنع عن التوسع في الاستيطان؛ حتى لا تقضي على هذا الحل.

ويؤكد التقرير أن حل الدولتين لا بد أن يحفظ لإسرائيل حق السيطرة العسكرية الكاملة على «يهودا» و«السامرة» (الضفة الغربية)، وفي نفس الوقت، الترويج لعلاقات اقتصادية مع الفلسطينيين داخل الخط الأخضر، ويستلزم ذلك بالضرورة التخلص من كافة المستوطنات التي لا تقع ضمن حدود الخط الأخضر. وليس من المرجح أن تواجه الحكومة الإسرائيلية اعتراضات داخلية قوية في حال ما إذا لجأت إلى تطبيق هذا البديل.

2- انتهاز الفرصة وتوسيع الاستيطان

لكن الكثيرين داخل إسرائيل غير مقتنعين بحل الدولتين، ويرونه نوعًا من الضعف أمام الفلسطينيين، حسبما يشير التقرير. يرى هؤلاء أن على إسرائيل أن ترد بحسم على تشجيع السلطة الفلسطينية وحماس لعمليات الطعن التي استهدفت الإسرائيليين في الخليل والقدس.

وبحسب هؤلاء، فإن على إسرائيل ألا تقبل مطلقًا بتغيير الوضع الحالي، وألا تسمح للفلسطينيين بالتوسع في المنطقة ج، وأن عليها وقف عمليات البناء التي قد تحدث تغييرًا في الوضع القائم.

إلا أن إسرائيل تخشى غضب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي منها؛ إذا ما لجأت للتوسع الاستيطاني؛ ردًا على العمليات الإرهابية، وشرعت في تدمير مناطق سكنية فلسطينية مولها الاتحاد الأوروبي.

3- دعم بديل لخلافة عباس

بعد بلوغ عباس سن الـ83 واقتراب رحيله أو موته، تفكر إسرائيل في دعم أحد المرشحين المناسبين لخلافته من بين الأطراف المتصارعة داخل السلطة الفلسطينية. ولكن ثمة خوف من انزلاق الوضع إلى حرب أهلية يجعل المجتمع الدولي يتدخل لفرض الاستقرار، ما قد يدفع إسرائيل لأن تخضع لضغوط؛ للقبول بشروط تسوية سلمية تأتي على حسابها.

ويشير التقرير أن ثمة اعتقادًا يشير إلى أنه في حال دبت الخلافات في السلطة الفلسطينية وأصبح هناك أكثر من سلطة في الضفة الغربية، فإن المجتمع الدولي سيميل إلى التحرك وفق ما ترتضيه إسرائيل، إلا أن نتائج الفوضى الخلاقة تبدو كارثية، فقد تتسبب في إنهاء التعاون الأمني بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، الذي نتج عنه انخفاض مستوى العمليات الإرهابية.

يشير التقرير إلى أن هذا البديل مستبعد للغاية؛ لأنه سيلقى معارضة شديدة داخل إسرائيل؛ لاعتبارات اقتصادية بالأساس: إذ تعتبر الضفة الغربية ثاني أكبر سوق للبضائع والخدمات غير التقنية بالنسبة لإسرائيل، وهي تضم حصة معتبرة من القوى العاملة داخل إسرائيل.

4- الانسحاب أحادي الجانب من الضفة الغربية

البديل الرابع يتبنى وجهة نظر تروج للانسحاب من معظم أنحاء الضفة الغربية، مع الحفاظ على سيطرة عسكرية محكمة على المجمعات الاستيطانية الهامة، مع إسناد المسئولية الأمنية عن المناطق التي جرى الانسحاب منها إلى السلطة الفلسطينية.

ووفقًا للتقرير، فإن هذا البديل سيحسن من صورة إسرائيل أمام العالم وينزع عنها صفة المحتل، وسيضمن لها هويتها اليهودية، إلا أن ذلك على الأرجح سيزيد من حدة العمليات الإرهابية، وفقًا لوصف التقرير؛ إذ ستعتبر المنظمات المناهضة لإسرائيل داخل السلطة انسحاب إسرائيل دليل ضعف.

ويشير التقرير أيضًا إلى أنه حتى السلطة الفلسطينية نفسها ستتشدد في مواقفها إزاء بقية القضايا العالقة بين الطرفين، مثل السيادة على القدس وحق العودة للاجئين، كما أن إخلاء آلاف المستوطنين من تلك المناطق ليس بالأمر الهين، وقد يتسبب ذلك في انهيار التحالف الحاكم في إسرائيل.

5- الاستحواذ أحادي الجانب على المنطقة ج

تخضع المنطقة ج إلى سيطرة مدنية وأمنية إسرائيلية كاملة، ما عدا المدنيين الفلسطينيين. تشمل المنطقة مرتفعات «الخليل» الجنوبية، ومعظم الأجزاء الغربية من الضفة الغربية، والمنطقة الواقعة بين مستوطنة «معاليه أدوميم» و«أريحا» وصولاً إلى نهر الأردن.

ويحذر التقرير من أن تحركًا كهذا سيثير غضبًا دوليًا عارمًا، ربما يصل إلى حد فرض عقوبات على إسرائيل، إلا أنه لن يلقى معارضة داخلية كبيرة، ولن يؤثر بشكل كبير على الاقتصاد الإسرائيلي.

ويختم التقرير بالإشارة إلى مدى الوضع المحير الذي تواجهه إسرائيل في التعامل مع مرحلة ما بعد «أبي مازن». وأن كل البدائل المطروحة تبدو غير مثالية على الإطلاق، إلا أن بديل دعم شخصية فلسطينية معتدلة يبدو الأكثر قابلية للتطبيق من بين جميع البدائل المطروحة.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد