أعلن المتحدث باسم قوات الدفاع الإسرائيلي مؤخرًا استقالة العميد الجنرال إيلي بن مئير رئيس قسم البحوث في الجيش الإسرائيلي من منصبه؛ بسبب خلافات في الرأي مع رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية اللواء هرتزل هاليفي.

ووفقًا لعدد من وسائل الإعلام الإسرائيلية البارزة، تمحور الخلاف حول الطريقة التي ينبغي أن تدار بها شعبة البحوث، فضلاً عن خلافات شخصية بين اثنين من كبار ضباط الجيش. هذا الوضع نادر للغاية، وخاصة أن قد جرى تعيين بن مئير في منصبه قبل عام واحد فقط، حيث عادة ما تستمر مدة شغل هذا المنصب ثلاث أو أربع سنوات.

يمثل هذا الحدث النادر فرصة جيدة لدراسة واحدة من أكثر الحالات إثارة للاهتمام بين وكالات الاستخبارات في العالم الغربي. فخلافًا لما يحدث في الولايات المتحدة، حيث يعد مكتب مدير الاستخبارات الوطنية الجهة المسئولة عن تقرير الاستخبارات الوطنية.

يعتبر رئيس قسم الأبحاث أحد أعمدة الاستخبارات العسكرية. فقائده المباشر هو رئيس مديرية الاستخبارات، الذي يقوم بدوره بتقديم التقارير إلى رئيس هيئة الأركان المشتركة. بينما يتبع الأخير وزير الدفاع، الذي هو جزء من الحكومة الإسرائيلية.

مع ذلك، يطلق على رئيس شعبة الأبحاث أيضًا لقب “المقدر الوطني” – أي، المسئول الأبرز عن التقييم الاستراتيجي الوطني. وهو يقدم تقاريره مباشرة إلى رئيس الوزراء ووزير الدفاع ومجلس الوزراء من دون الحاجة إلى الحصول على موافقة مبدئية على تقييمه من رؤسائه في الجيش.

بهذه الصفة، من المتوقع أن يقدم رئيس قسم الأبحاث تقريرًا استخباريًا مستقلاً بشأن كل التحديات الجيوسياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تواجه إسرائيل – في الحاضر والمستقبل – بغض النظر عن آراء قادته المباشرين، رئيس مديرية الاستخبارات وهيئة الأركان المشتركة.

بعبارة أخرى، فإن رئيس شعبة البحوث يقوم بمهمتين: فهو ضابط مخابرات تابع لكل من الحكومة والجيش الإسرائيلي. لتعقيد الأمور أكثر، كل واحد من هذين الكيانين يحتاج إلى مدخلات تحليلية مختلفة. وأخيرا، حتى عندما يقدم رئيس مديرية الاستخبارات تقارير إلى قيادة الدولة، فإنه يعتمد على تقديرات شعبة البحوث، والتي يتم اعتمادها من قبل قائد الفرقة.

في الواقع، هناك العديد من وكالات الاستخبارات الأخرى التي تعمل بالتوازي مع الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية فيما يتعلق بتقييم الاستخبارات، مثل الشاباك والموساد. بينما لا تتمتع وزارة مركز أبحاث الشؤون الخارجية بنفس القدر من الشهرة. يقدم كل من هذه الكيانات تقديرات استخبارية استراتيجية إلى رئيس الوزراء، ووزير الدفاع، ومجلس الوزراء.

ولكل منظمة تخصص ومجال اهتمام (على سبيل المثال، يركز الشاباك على الإرهاب والمسرح الفلسطيني، بينما يركز الموساد على الأسلحة غير التقليدية). وعلى النقيض من ذلك، فإن الجهة الوحيدة التي لديها القدرة – والمسئولية – على تقديم تقييم استراتيجي شامل هي مديرية المخابرات. (الشين بيت هو المسئول عن القيام بذلك فقط فيما يتعلق بالتهديدات الداخلية). وحتى مجلس الأمن القومي – الذي أنشئ في عام 1999م، وكان الغرض منه في البداية العمل كمجلس وزاري لقضايا الأمن القومي – فلا يزال كيانًا ضعيفًا نسبيا عندما يتعلق الأمر بإنتاج تقديرات الاستخبارات، ويعمل تحت مظلة مديرية الاستخبارات والوكالات الأخرى.

هذه الحالة الفريدة لها جذور تاريخية. فقبل قيام دولة إسرائيل، عملت ميليشيات الهاغاناه (الهيئة شبه العسكرية الأساسية للمجتمع اليهودي في فلسطين) كوحدة استخبارات صغيرة تسمى “شاي”. وبما أن الهاغاناه هي العمود الفقري الذي بُني عليه الجيش الإسرائيلي، كان من الطبيعي أن تصبح وحدة الاستخبارات المنظمة الأبرز في الدولة.

علاوة على ذلك، لم تحظ وحدة الاستخبارات الجديدة بأي منافسة حقيقية، فكانت هناك منظمة موازية تحت إشراف وزارة الشئون الخارجية، ولكن ركزت على الحصول على المعلومات عبر القنوات الدبلوماسية.

يركز الشين بيت على الأمن الداخلي، وكان الموساد مجرد هيئة تنسيقية وإدارية بلا عمل استخباري فعلي. وأخيرا، كانت وحدة شاي (ووحدة الاستخبارات في الجيش الإسرائيلي لاحقًا) الكيانات الوحيدة التي لديها إمكانية الوصول إلى مصادر الإشارات الاستخبارية. وقد أعطى هذا قادتها (وكذلك هيئة الأركان المشتركة) هيبة ومزايا هامة على أي كيان استخباري آخر.

مع مرور السنين، أصبح دور رئيس مديرية الاستخبارات حتى أكثر تأثيرا، لا سيما بالنظر إلى الخصائص الفريدة للأفراد الذين ترأسوا هذه المنظمة. علاوة على ذلك، من المهم أن نلاحظ أن معظم رؤساء الحكومة في إسرائيل كان لديهم خبرة عسكرية كبيرة، الأمر الذي جعلهم يتعاونون بشكل وثيق مع الاستخبارات العسكرية.

في مجتمع عسكري مثل إسرائيل، يتمتع الجيش بأهمية كبيرة في الخطاب العام والسياسي، وفي كثير من الأحيان يعتبر السلطة العليا لشئون الشرق الأوسط. وبالنسبة للجيش، فوجود مثل هذه الهيئة المؤثرة التي تتمتع باتصال مباشر مع القيادة على المستوى الوطني هو شأن مرموق. قد يقول الساخرون: حتى إن الجيش يستغل هذه العلاقة الوثيقة لتعزيز الوصف الكارثي للأحداث الحالية والمستقبلية، وبالتالي التأثير على توزيع موارد الدولة لصالحه.

ولذا، ليس من المستغرب أنه ـ على الرغم من عدة محاولات سابقة لخلق بديل ـ ظلت الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية الجسم الأبرز والمؤثر المسئول عن التقييم الاستراتيجي الوطني.

من الجدير بالذكر أنه في الماضي كانت هناك خلافات بين رئيس مديرية الاستخبارات ورئيس شعبة البحوث. وفي كثير من الأحيان، دارت هذه الخلافات حول تقييم الاستخبارات نفسها، خاصة عند التعامل مع مسائل سياسية متفجرة، مثل موقف الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات تجاه عملية السلام مع إسرائيل، وتورطه في العمليات الإرهابية.

تركزت الخلافات الأخرى حول ما إذا كان يتعين إشراك رئيس شعبة البحوث في رسم السياسات الاستراتيجية الإسرائيلية، أم إذا كان يتعين أن يقتصر دوره على وصف الواقع والامتناع عن أي تدخل في السياسة.

سابقة في أوساط الاستخبارات الإسرائيلية

هذه هي المرة الأولى التي يستقيل فيها رئيس قسم الأبحاث من منصبه في منتصف فترة ولايته. وبصرف النظر عما إذا كان سبب الاستقالة مهنيا أو شخصيا أو كليهما، يوضح هذا الحدث حاجة مجتمع المخابرات الإسرائيلي لمعايرة آليات تقييم الاستراتيجية الوطنية. فحقيقة أن شخصية هامة كهذه – التي لديها إمكانية الوصول المباشر إلى القيادة العليا – قررت الاستقالة في خضم وقت حساس وصعب بالنسبة لإسرائيل يشدد على ضرورة أن يكون هناك هيئة تقييم وطنية للمخابرات تتمتع بالاستقلالية ويقودها مدنيون.

تحتاج هذه المنظمة إلى حق الوصول الكامل إلى مجموعة متنوعة من المصادر الخاصة بأجهزة الاستخبارات؛ ويجب أيضًا أن تعمل بشكل وثيق مع رئيس الوزراء؛ من أجل ضمان تأثيرها في صنع القرار الوطني. ونظرا لتضارب المصالح المتأصل الذي يعزى إلى حقيقة أن الجيش يطالب بموارد من الدولة على أساس تقييم استراتيجي من طرفه فقط، فإن الدينامية الحالية غير صالحة، ناهيك عن أنها غير ديمقراطية. تحتاج المخابرات الإسرائيلية إلى آلية أكثر توازنا للحفاظ على التقييم الوطني غير منحاز وشفاف.

منذ استقالة العميد الجنرال بن مئير، أُعلن عن أسماء رؤساء جدد في الشين بيت والموساد، وكذلك خليفة بن مئير كرئيس لقسم البحوث. سيكون من المثير للاهتمام أن نرى ما إذا كان، وكيف، سيغير هؤلاء الأفراد هيكل وعملية التقييم الوطني الإسرائيلي، وخصوصًا أنه لم يجر حتى الآن تعيين رئيس جديد لمجلس الأمن القومي.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد