نشرت صحيفة الجارديان البريطانية مقالًا لـ حجاي إلعاد، الناشط الإسرائيلي في مجال حقوق الإنسان والمدير التنفيذي لمنظمة «بتسيلم» الإسرائيلية، المركز الإسرائيلي للمعلومات عن حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة، يدين فيها سياسة الفصل العنصري التي تنتهجها إسرائيل مع الفلسطينيين، ويخلص فيه إلى أن التعزيز المنهجي لتفوق مجموعة من الناس على حساب مجموعة أخرى هو عمل غير أخلاقي تمامًا ويجب أن يتوقف.

ويُقِّر الكاتب في صدر مقاله بصعوبة العيش يومًا واحدًا في إسرائيل – فلسطين دون الشعور بأن هذا المكان يجري تصميمه على نحو مستمر ليمنح امتيازًا لشعب واحد فقط دون غيره: الشعب اليهودي، على الرغم من أن نصف من يعيشون بين نهر الأردن والبحر المتوسط ​​هم فلسطينيون. وأصبحت تلك الهُوة السحيقة بين هذه الحقائق الحية تزكم الأنوف وتنتشر في كل مكان على هذه الأرض.

وأوضح الكاتب أنه لا يشير إلى التصريحات الرسمية التي توضح تلك الحقيقة، والتي يوجد الكثير منها، مثل تأكيد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في عام 2019 أن «إسرائيل ليست دولة لجميع مواطنيها»، أو القانون الأساسي «للدولة القومية» الذي يكرس «تطوير الاستيطان اليهودي بوصفه قيمة وطنية»، مشددًا على أن ما يحاول التوصل إليه هو: شعور أعمق بالناس باعتبارهم مرغوبين أو منبوذين، وفهم واضح للبلد الذي شبّ في كنفه منذ يوم ولادته في حيفا، ولم يعد من الممكن تجنبه الآن.

سياسة الفصل العنصري

وأشار الكاتب إلى أنه على الرغم من وجود تَكَافُؤ ديموغرافي بين الشعبين اللذين يعيشان هنا، فإن الحياة تُدار بحيث ينعم نصف السكان فقط بالأغلبية العظمى من السلطة السياسية، وموارد الأرض، والحقوق، والحريات، والحماية. وقد صار الحفاظ على هذا النوع من الحرمان من الحقوق بمثابة إنجاز عظيم.

والأدهى من ذلك هو التسويق لتلك الممارسة بنجاح باعتبارها ديمقراطية (داخل «الخط الأخضر» – خط هدنة 1949)، وهو الخط الذي يرتبط به احتلال مؤقت. والواقع أن إحدى الحكومات تحكم الجميع وكل شيء بين النهر والبحر، متبعةً المبدأ التنظيمي نفسه في كل مكان تحت سيطرتها، وتعمل على تعزيز مجموعة من الناس هم اليهود، واستدامة سيادتهم وتفوقهم، على مجموعة أخرى، هم الفلسطينيون، وهذا هو بالضبط الفصل العنصري.

Embed from Getty Images

وتابع الكاتب: لا يوجد شِبر واحد في الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل يتساوى فيه الفلسطينيون واليهود. والمواطنون الوحيدون من الدرجة الأولى هم حصرًا اليهود، الذين يتمتعون بتلك المكانة سواء داخل خطوط 1967 أو خارجها، في الضفة الغربية.

يتشابه الفلسطينيون الذين يعيشون تحت حكم إسرائيل في كونهم جميعًا محرومين من المساواة، بغض النظر عن اختلاف أوضاعهم الشخصية، وتنوَّع أساليب الإذلال التي تخضعهم إسرائيل لها باعتبارهم شريحة أدنى من البشر.

النسخة الإسرائيلية من الفصل العنصري

ولفت الكاتب إلى أنه وعلى عكس نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، فإن تطبيق النسخة الإسرائيلية منه، الفصل العنصري 2.0، إذا صح التعبير، يتجنب أنواعًا معينة من قبح الممارسة العنصرية؛ فلن تجد لافتات «البيض فقط» على المقاعد، لكن في إسرائيل تُمثل «حماية الطابع اليهودي» للمجتمع، أو للدولة نفسها، واحدة من العبارات الملطفة المستترة لمحاولة إخفاء الحقيقة.

ومع ذلك، فإن جوهر الممارسة هو ذاته؛ إذ إن عدم اعتماد تعريفات إسرائيل على لون البشرة لا يُحدث فارقًا ماديًا، فحقيقة التفوق هي جوهر المسألة، وهذا لا بد أن ينتهي.

يتابع الكاتب: حتى إقرار قانون الدولة القومية، كان الدرس الرئيس الذي يبدو أن إسرائيل تعلمته من الكيفية التي انتهى بها الفصل العنصري في جنوب أفريقيا يتلخص في تجنب التصريحات والقوانين شديدة الفجاجة، والتي من شأنها أن تُفضي إلى إصدار أحكام أخلاقية، وتؤدي في النهاية، لا قدر الله، إلى عواقب حقيقية.

وبدلًا من ذلك، فإن التراكم المتأني والهادئ والتدريجي للممارسات التمييزية سيمنع على الأرجح التداعيات المحتملة من المجتمع الدولي، وخاصةً إذا كان المرء راغبًا في التشدق بمعاييره وتوقعاته.

هندسة الفصل العنصري

وينتقل الكاتب لتوضيح الكيفية التي تستطيع من خلالها إسرائيل تطبيق وإنجاز ممارسة سياسة التفوق اليهودي على جانبي الخط الأخضر، مبينًا أن إسرائيل تقوم بهندسة التركيبة السكانية ديموغرافيًا من خلال العمل على زيادة عدد اليهود والحد من عدد الفلسطينيين، فهي تسمح بالهجرة اليهودية، مع منح المواطنة التلقائية، إلى أي مكان تسيطر عليه إسرائيل، أما بالنسبة للفلسطينيين، فالعكس هو الصحيح؛ إذ لا يمكنهم اكتساب الفوائد المتعلقة بالأحوال الشخصية في أي مكان تسيطر عليه إسرائيل، حتى لو كانت عائلاتهم من هذه الأماكن.

Embed from Getty Images

وأضاف الكاتب أن إسرائيل تُصمم احتكار السلطة من خلال تخصيص الحقوق السياسية أو إنكارها، ذلك أنه يحق لجميع المواطنين اليهود التصويت (ويمكن لجميع اليهود أن يصبحوا مواطنين)، لكن في المقابل لا يحمل سوى أقل من ربع الفلسطينيين الخاضعين للحكم الإسرائيلي الجنسية، وبالتالي هؤلاء فقط من يمكنهم التصويت.

وعندما يذهب الإسرائيليون في 23 مارس (آذار) للتصويت للمرة الرابعة خلال عامين لاختيار برلمان جديد، لن يكون ذلك «احتفالًا بالديمقراطية»، كما يُشار غالبًا إلى الانتخابات، بل سيكون يومًا آخر يرى فيه الفلسطينيون المحرومون من حقوقهم أن مستقبلهم يقرره الآخرون.

كذلك تقوم إسرائيل بهندسة السيطرة على الأراضي من خلال مصادرة مساحات شاسعة من الأراضي الفلسطينية، وإبقائها دون تنمية، أو استخدامها لبناء المدن والأحياء والمستوطنات اليهودية. وهذا ما تفعله إسرائيل داخل الخط الأخضر منذ تأسيس الدولة في عام 1948. وكذلك في القدس الشرقية والضفة الغربية، تفعل هذا منذ بدأ الاحتلال في عام 1967.

والنتيجة هي أن المجتمعات الفلسطينية، في أي مكان بين النهر والبحر، تواجه واقع الهدم والتشريد والفقر والاكتظاظ، في حين تخصص موارد الأراضي نفسها للتنمية اليهودية الجديدة.

المطالبة بمستقبل أفضل

يقول الكاتب إن إسرائيل تقوم أيضًا بهندسة، أو بالأحرى تقييد، حركة الفلسطينيين؛ إذ تعتمد الغالبية منهم، وهم ليسوا مواطنين ولا مقيمين، على التصاريح ونقاط التفتيش الإسرائيلية للتنقل بين منطقة وأخرى، وكذلك للسفر دوليًا.

وبالنسبة للمليوني شخص في قطاع غزة، فإن القيود المفروضة على السفر هي الأكثر صرامة، وهي ليست مجرد بانتوستان (اسم أطلق على الدولة المستقلة اسميًا والتي احتجز فيها نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا الأغلبية السوداء)، لأن إسرائيل جعلت القطاع أحد أكبر السجون المفتوحة على وجه الأرض.

وأشار الكاتب إلى حيفا، مسقط رأسة، والتي كانت واقعًا لقوميتين متكافئتين ديمجرافيًا حتى عام 1948، وقد بقي فيها أقل من العُشر من بين حوالي 70 ألف فلسطيني كانوا يعيشون فيها قبل النكبة. لقد مر ما يقرب من 73 عامًا منذ ذلك الحين، والآن أصبحت إسرائيل – فلسطين واقعًا لقوميتين متكافئتين ديمجرافيًا. وشدد الكاتب على أنه وُلد في حيفا، ويريد أو بالأحرى ينوي أن يبقى فيها، لكنه يود، بل يطالب، بالعيش في مستقبل مختلف تمامًا.

Embed from Getty Images

ويرى الكاتب أن الماضي شكلته سحابة سوداء من الصدمات والمظالم. وفي الوقت الحاضر، يجري باستمرار استنساخ المزيد من أوجه الظلم، لكن لا بد أن يكون المستقبل مختلفًا تمام الاختلاف، رفض التفوق العرقي، والبناء على الالتزام بالعدالة والإنسانية المشتركة.

ويختم بقوله: إن تسمية الأشياء بأسمائها الصحيحة، الفصل العنصري، ليست لحظة يأس، بل هي لحظة من الوضوح الأخلاقي، وخطوة على مسيرة طويلة يَبْعَث الأملُ فيها رُوحَ الحَيَاةِ. وعلينا النظر إلى الواقع كما هو، وتسميته بحقيقته دون إبطاء، وأن نساعد في تحقيق مستقبل عادل.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد