أعدت سارة ليا ويتسن – المدير التنفيذي لمنظمة «الديمقراطية الآن للعالم العربي» (داون)، مقالًا نشره موقع «ريسبونسيبل ستيت كرافت»، أشارت فيه إلى أنه لم ترد أي كلمة من إدارة بايدن بعد اجتماعها يوم الخميس الماضي مع المسؤولين الإسرائيليين للاستماع إلى الأدلة السرية وراء قرار تل أبيب تصنيف ست منظمات فلسطينية، من بينها مجموعات حقوقية بارزة وذات مكانة مرموقة، على قائمة المنظمات الإرهابية.

وأوضحت ويتسن، التي شغلت سابقًا منصب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «هيومن رايتس ووتش» بين عامي 2004-2020، حيث أشرفت على عمل القسم في 19 دولة، أن مثل هذه التحركات من قبل الدول الأخرى غالبًا ما تؤدي إلى إدانة أمريكية غاضبة، أو حتى عقوبات، ولكن في حالة إسرائيل، يبدو أن رد الإدارة يقتصر على طلب توضيح وشكاوى من أن الحكومة الإسرائيلية لم تقدم «إشعارًا مسبقًا» بشأن الخطوة.

دولي

منذ شهر
مترجم: هذه مكاسب «المستبدين» العرب من الصداقة الجديدة مع إسرائيل

إذا اختارت إدارة بايدن في النهاية أن تغض الطرف عن ذلك، فلن يكون ذلك نفاقًا فحسب، بل سيكون مثالًا نموذجيًّا لكيفية تقويض المصالح الأمريكية بسبب شراكة أمريكا الوثيقة مع حكومات الشرق الأوسط غير الخاضعة للمساءلة، من خلال تحميل واشنطن تكلفة سياساتها التعسفية، بحسب المقال.

ليست هذه المرة الأولى التي يستخدم فيها قانون مكافحة الإرهاب الإسرائيلي لعام 2016 في استهداف هذه المنظمات غير الحكومية الفلسطينية المخضرمة الست، بما في ذلك ثلاث مجموعات فلسطينية بارزة لحقوق الإنسان وهي: الحق، والضمير، والحركة الدولية للدفاع عن الأطفال – فلسطين، واتحاد لجان العمل الزراعي (UAWC)، ومركز بيسان للبحث والتطوير، واتحاد لجان المرأة الفلسطينية.

في العقد الماضي – تشير ويتسن – داهمت السلطات الإسرائيلية، التي تُخضِع الضفة الغربية وقطاع غزة للاحتلال العسكري، مكاتب هذه الجماعات وغيرها من منظمات المجتمع المدني، ومنعت موظفيها من السفر واعتقلت الموظفين، ودعت المانحين، من بينهم الحكومات الأوروبية، لوقف دعمها. كما استهدفت الحكومة الإسرائيلية منظمات حقوقية دولية، حيث رحَّلت مدير منظمة «هيومن رايتس ووتش» في الأراضي المحتلة، ومنعت ناشطي منظمة العفو الدولية من السفر.

عقوبات رادعة على المنظمات وداعميها

لكن تصنيف هذه المجموعات الست على أنها منظمات إرهابية يتجاوز بكثير الإجراءات السابقة، بحسب الكاتبة. فبموجب هذا التصنيف يجري حظر أنشطتها ويجرم العمل لديها أو دعمها. ويمكن للحكومة الإسرائيلية الآن إغلاقها ومصادرة ممتلكاتها وسجن موظفيها؛ ويمكنها حتى أن تسجن أي شخص يعرب عن دعمه أو مديحه أو تعاطفه مع هذه المنظمات بموجب المادة 24 من قانون مكافحة الإرهاب الإسرائيلي. على الرغم من أن التصنيف من جانب إسرائيل فقط، فإنه من المرجح أن يتراجع أنصار هذه الجماعات من الأوروبيين والأمريكيين عن تمويلهم، وترفض البنوك تنفيذ معاملاتهم المالية، خوفًا من أن يؤدي ذلك إلى إثارة الشكوك حول وكالات إنفاذ القانون الأجنبية أيضًا.

Embed from Getty Images

تتمتع المجموعات الست جميعها بمظهر علماني وتقدمي، كما هو الحال بالنسبة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وهي حزب سياسي له جناح عسكري مسلح صنفته الحكومة الإسرائيلية، وكذلك بعض الحكومات الأجنبية، منظمة إرهابية. تزعم الحكومة الإسرائيلية، بناءً على ما تقوله إنه دليل سري، أن هذه الجماعات تعمل واجهة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. وقد أدانت الهيئات والمنظمات الدولية لحقوق الإنسان، التي عمل العديد منها عن كثب مع هذه الجماعات لسنوات، هذه المزاعم بوصفها محاولة مبطنة لتدمير ما تبقى من المجتمع المدني الفلسطيني الناشط.

وفي أعقاب ضغط من الحكومة الإسرائيلية والمنظمات غير الحكومية المرتبطة بها – تؤكد ويتسن – راجع الممولون الأوروبيون الحكوميون تاريخ هذه المنظمات الست، لكنهم لم يجدوا أي سوء استخدام للأموال. وقد أمرت محكمة بريطانية منظمة غير حكومية مرتبطة بالحكومة الإسرائيلية بالتراجع عن مزاعم أن إحدى الجماعات كانت على صلة وثيقة بالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.

كما اتهمت السلطات الإسرائيلية اثنين من العاملين في اتحاد لجان العمل الزراعي بالمشاركة في مقتل مدني إسرائيلي عام 2019. وبينما لم تثبت التهم في هذه القضية بعد، فإن الموثق جيدًا هو تعذيب أحد الموظفين المحتجزين أثناء وجوده في الحجز الإسرائيلي، مما تطلب نقله إلى وحدة العناية المركزة في مستشفى إسرائيلي.

تاريخ طويل من فضح الانتهاكات الإسرائيلية والفلسطينية

يتحدث سجل هذه المجموعات عن نفسه – تكشف ويتسن. فقد وثقت إحدى المنظمات، وهي منظمة الحق، الانتهاكات الإسرائيلية والفلسطينية لحقوق الإنسان منذ عام 1979. وحصل المدير التنفيذي للجماعة، شعوان جبارين، على العديد من الجوائز الدولية لحقوق الإنسان، ومنها جائزة الجمهورية الفرنسية لحقوق الإنسان وجائزة ريبوك لحقوق الإنسان لعام 2008. وهو يشغل الآن منصب نائب رئيس الاتحاد الدولي لحقوق الإنسان، ومفوض لجنة الحقوقيين الدولية، وعضو اللجنة الاستشارية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «هيومن رايتس ووتش».

في العام الماضي وحده، أصدرت منظمة الحق تقارير عن العمال الفلسطينيين في المستوطنات الإسرائيلية، والتعذيب في سجون السلطة الفلسطينية، وانتهاكات السلطة الفلسطينية لحرية التعبير، وضم إسرائيل الفعلي للضفة الغربية. كما قدمت المنظمة أدلة إلى النيابة العامة للمحكمة الجنائية الدولية في تحقيقاتها المعلقة في جرائم الحرب الإسرائيلية – الفلسطينية والجرائم ضد الإنسانية.

Embed from Getty Images

وتلفت الكاتبة إلى أن التصنيف الإسرائيلي لن يؤثر في هذه المجموعات والقطاعات التي تخدمها – الأطفال والمزارعين وصيادي الأسماك والعمال والنساء المعرضات للخطر – فحسب، لكن سيؤثر أيضًا في المجتمع الفلسطيني ككل، الذي يكافح تحت وطأة احتلال عمره 54 عامًا، وتفرض عليه قيود سفر أدت إلى تشتت المؤسسات المحلية والوطنية. تستهدف تكتيكات الحكومة الإسرائيلية أي مقاومة للسياسات والممارسات العسكرية الإسرائيلية القمعية – سواء كانت سلمية أو غير ذلك- وتأتي في أعقاب حملة استمرت عقودًا لخنق الجماعات الفلسطينية التي تعمل حلقة وصل حيوية مع المجتمع الدولي ومنتدياته.

إنهم جزء لا يتجزأ من جهد جرى تطبيقه أولًا في غزة لعزل الشعب الفلسطيني وإبقائه معزولاً ماديًّا ومؤسساتيًّا عن بقية العالم. إنهم لا يتركون سوى القليل من الملاذ للفلسطينيين الذين يريدون أن يدافعوا سلميًّا عن أنفسهم في مواجهة الجرائم الإسرائيلية ضد الإنسانية والفصل العنصري والاضطهاد. وعلى هذا المنوال، فالنتائج المحتملة هي المزيد من العنف وعدم الاستقرار.

لن يقتصر تأثير التكتيكات الإسرائيلية على المجتمع المدني الفلسطيني فحسب – تكشف ويتسن. فمع غرق إسرائيل وانزلاقها أعمق في الاستبداد وعدم التسامح وخنق المعارضة، كان من بين أولئك المعرضين للاضطهاد من الحكومة الإسرائيلية ناشطي حقوق الإنسان الإسرائيليين واليهود والصحافيين والأكاديميين. قد يبدو أن المستهدفين بالاضطهاد أساسًا هم الفلسطينيون، لكنه سيشمل بشكل متزايد اليهود المنتقدين داخل إسرائيل وخارجها.

وتختتم الكاتبة بقولها: لأن حكومة الولايات المتحدة لا تزال داعمة بلا شك لسياسات الحكومة الإسرائيلية هذه، مع ارتباط يمثل عائقًا أكثر بكثير من كونه منفعة لأمنها القومي وللحاجة الأوسع لفك الارتباط عسكريًّا من المنطقة، فإن الولايات المتحدة أيضًا ستدفع التكلفة. سينتهي الأمر بتحمل تبعات الاستفزازات الإسرائيلية، بينما تطالب إسرائيل بمزيد من المساعدة العسكرية، والمزيد من الغطاء الدبلوماسي لانتهاكاتها، والمزيد من الدعم السياسي الذي من شأنه أن يُبقي الولايات المتحدة متورطة في الشرق الأوسط إلى أجل غير مسمى.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد