بعد صدور قرار إعادة انتخابات رئاسة بلدية إسطنبول في تركيا، يرى الكثيرون أنَّ الكثير من القضايا تعتمد على تلك الإعادة. وهذا ما يتفق معه الباحث سنان أولجن في مقاله بصحيفة «الجارديان» البريطانية، الذي يعتقد أنَّ تلك الانتخابات ربما تشكل مستقبل تركيا ورئيسها رجب طيب أردوغان في الفترة القادمة.

سؤال الساعة: لماذا تتقلص شعبية أردوغان في المدن الكبرى بتركيا؟

أوضاع سياسية مضطربة في إسطنبول

مهد تأييد الطعن القانوني في نتائج انتخابات رؤساء البلديات في إسطنبول في الأسبوع الماضي إلى منافسةٍ جديدة مثيرة للخلاف. ووفقًا لأولجن، ستكون المنافسة مواجهةً بين أكثر الشخصيات السياسية نفوذًا في تركيا، وهم الرئيس رجب طيب أردوغان، ونظيره أكرم إمام أوغلو، المُرشح التابع لتحالف المُعارضة، الذي فاز في سباق الترشح لمنصب عمدة مدينة إسطنبول، مفاجئًا الجميع ببراعته.

ويشير أولجن إلى أنَّه في 31 مارس (آذار)، شهدت الانتخابات المحلية في تركيا عودة مُعارضة حزب العدالة والتنمية بقيادة أردوغان، الذي، وفقًا لأولجن، فقد سيطرته على بلدية أنقرة إلى جانب خسارته في سباق البلدية في إسطنبول، مسقط رأسه.

هزم إمام أوغلو في الأساس المُرشح بن علي يلدرم، رئيس الوزراء السابق، فقط لتبطل النتيجة اللجنة العليا للانتخابات في تركيا، بحُجة أن ترتيبات بعض لجان صناديق الاقتراع خالفت معايير القانون الانتخابي. لذا ستُعقد انتخابات جديدة في 23 يونيو (حزيران). وتعرض قرار المجلس إلى انتقادات شديدة من قبل المعارضة في تركيا، زاعمةً أنَّ له دوافع سياسية وأنَّه يفتقر إلى مسوغٍ قانوني.

Embed from Getty Images

شبهة تلاعب في الانتخابات الأخيرة

كانت الانتخابات في إسطنبول شهر مارس (آذار) تجري على عدة مناصب، وهي عمدة العاصمة، إضافةً إلى ثلاثة مناصب لرؤساء بلديات المُقاطعات، والمجلس المحلي، ورؤساء الأحياء. وبالرغم من أنَّ بطاقات الاقتراع على جميع المناصب كانت توضع مع بعضها وتُحصى على النحوِ ذاته، لم يلغِ المجلس إلا الأصوات التي أُدلي بها لصالح منصب عمدة بلدية العاصمة.

وأوضح المجلس أنَّه يبت فقط في الشكاوي التي تصله من الأحزاب السياسية، وأنَّ الطعون المُقدمة من التحالف الحاكم لم تتعلق سوى بالتصويت على منصب عمدة بلدية العاصمة. إذ قدَّم مسؤولو حزب العدالة والتنمية شكاوى بخصوص عدم وجود توقيعات على وثائق نتائج الانتخابات، وقالوا إنَّ بعض موظفي صناديق الاقتراع لم يكونوا موظفين مدنيين.

يشير أولجن إلى أنَّ اللجنة العليا كانت مُتناقضة للغاية في استجابتها لهذه الشكاوى في الماضي، وبخاصةً عندما تقدمها أحزاب المعارضة.

والأهم، أنَّ اللجنة لم تُفصح علنًا عن تحليلها لنتائج الانتخابات. فلكي تقرر إبطال النتائج هكذا، يتوجب عليها تقديم ما يوضح أنَّ الانتهاكات المزعومة كانت مؤثرةً بما يكفي كي تغير نتائج الانتخابات. وهو ما لم يشاركه المجلس حتى الآن مع الناخبين.

بيد أنَّ المجلس قد وضع تاريخًا بالفعل لإعادة الانتخابات في إسطنبول في خلال ستة أسابيع، وتحدد نتيجة هذه الانتخابات أربعة عوامل بحسب أولجن، وهي ادعاء المظلومية، والحشد، والتكتل، والاقتصاد.

Embed from Getty Images

في تركيا.. كلا الفريقين ضحايا

يرى أولجن أنَّ الحزب الحاكم في تركيا بتصرفاته أفسح المجال لسرديةً تقوم على ادعاء المظلومية، سيستخدمها كلا الطرفين لحشد مؤيديه وتحفيزهم. وبالنسبة إلى حزب العدالة والتنمية الحاكم، يقوم ادعاء المظلومية على مزاعمه بأنَّ المُعارضة مارست الغش كي تفوز بالانتخابات في مارس (آذار). وبهذا ينشر رسالةً مفادها أنَّ ناخبي حزب العدالة والتنمية يجب عليهم استخدام إعادة الانتخابات لتدارك هذه الإهانة الموجهة للديموقراطية.

وستعتبر أحزاب المعارضة نفسها أيضًا ضحايا. فرئيس البلدية إمام أوغلو صاحب انتصار مارس (آذار) سيدعي أنَّ انتصاره سُلِب على يد لجنةٍ انتخابية تعمل تحت ضغوط سياسية.

وسيعمل المرشحون كذلك على تعزيز الدعم الذي تلقوه في 31 مارس (آذار). والسبيل إلى ذلك في رأي أولجن يكمن في أصوات الأكراد في تركيا، الذين ساندوا مرشح حزب المعارضة. وفي اعتقاد أولجن فإنَّ إمام أوغلو سيحتاج إلى طلب هذا الدعم مرةً أخرى، في الوقت الذي سيحاول فيه حزب العدالة والتنمية اجتذاب الناخبين بإيذانه بتخفيفٍ مستقبلي لوطأة سياسات الحكومة فيما يتعلق بالشؤون الكردية.

والتحدي الذي سيواجهه أردوغان في هذا الصدد يتمثل في العثور على سياسةٍ يمكنه بها اجتذاب أصوات الناخبين المناصرين للأكراد في أسطنبول، وفي الوقت ذاته تجنب ردة فعل عكسية عنيفة من مؤيديه القوميين من الأتراك في جميع أنحاء البلاد.

يشير أولجن إلى أنَّ نتائج انتخابات مارس (آذار) اعتُبِرت أيضًا بمثابة حكم على الكيفية التي تعامل بها أردوغان مع الأزمة الاقتصادية في تركيا، وهي الانتكاسة الأولى منذ توليه زمام السلطة الوطنية منذ 16 عامًا. فالاقتصاد المُضطرب، إضافةً إلى مخاطر الحرب التجارية بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين، بإمكانها إثارة المزيد من الإحباط ودفع الناخبين للتصويت لمنافس مرشح أردوغان.

ولأنَّ أردوغان يدرك هذه المخاطر، قرر أن ينخرط تمامًا في الانتخابات في أسطنبول. وأعلن مؤخرًا أنَّه سينظم أكثر من 30 مسيرة انتخابية قبل يوم الانتخابات في 23 يونيو (حزيران). وللمرة الأولى في تاريخ الدولة، وضع رئيس تركيا نفسه في مواجهة مرشحٍ محلي، مما يوضح في رأي أولجن الأهمية التي أصبح عليها السباق في إسطنبول، وربما يشكل أيضًا مجرد لمحةٍ خاطفة عما قد ينتج عن المجابهات المستقبلية في تركيا للسيطرة على السلطة التنفيذية.

100 عام من حكم العسكر.. كيف استطاع الشعب التركي كسر شوكة الجيش تدريجيًا؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد