إذا أفلت سلمان بفعلته، سيسير كل من السيسي وبشار الأسد على خطاه.

قال كل من إيرين كاننجهام وتامر الغوباشي في مقال لهما في صحيفة «واشنطن بوست» إن إسطنبول أصبحت ملاذًا للمنشقين والمنفيين من جميع أنحاء المنطقة وجميع الخلفيات الأيديولوجية، في أعقاب فشل الثورات العربية.

وأوضح الكاتبان أن المدينة التركية بدت لهم أكثر ألفة من أوروبا، فشعبها مسلم وعاداته قريبة من عادات العرب، ويمكن لحكومة تركيا أن توفر لهؤلاء المنفيين قدرًا من الحماية من القمع الذي كانوا قد فروا منه في بلدانهم.

لكن في الأسابيع الأخيرة، ساد الحزن والخوف العرب المنفيين في إسطنبول. فلم يؤد قتل الصحافي جمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية في إسطنبول إلى حرمان المجتمع من أحد أعضائه المشهورين فقط. بل وأثار الخوف بين المنفيين أنه إذا عزم نظام ديكتاتوري على فعل شيء ما، فلن يردعه رادع.

يقول كاتب سعودي «لا يمكننا أن نتخيل مستوى الوحشية. بات الجميع مذعورين من النشاط السياسي بعد ما جرى، فمن يجرؤ على المعارضة العلنية الآن؟».

وأشار الكاتبان إلى أن العديد من المنفيين العرب يعتقدون أن سلامتهم باتت رهن محاسبة المملكة عن قتل خاشقجي، وهو كاتب عمود في صحيفة واشنطن بوست كان يعيش في الولايات المتحدة، لكنه كان يخطط للزواج من امرأة تركية والاستقرار في إسطنبول.

أقرّت السعودية بعد مناورات طويلة أن موظفين حكوميين قتلوا الصحفي البالغ من العمر 59 عامًا خلال ما وصفوه بـ«عملية مارقة» لإعادته إلى المملكة. وقال المسؤولون الأتراك إنهم يملكون أدلة على أن قتل خاشقجي عملية معد لها مسبقًا، وتحوم الشكوك حول إصدار ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، الحاكم الفعلي للمملكة، الأمر بقتله.

كان خاشقجي أحد المقربين من الأسرة المالكة في السابق – ينوه الكاتبان – لكنه انقلب في السنوات الأخيرة إلى أشد منتقدي ولي العهد. كان المعارضون العرب في تركيا قد صُدموا من مقتل خاشقجي، وهم يراقبون عن كثب التداعيات العالمية. «إذا أفلت سلمان بفعلته، سيسير كل من السيسي وبشار الأسد على خطاه». قال كاتب سعودي آخر من المعارضين.

كان هذا الكاتب ضئيل الحجم البالغ من العمر 28 عامًا قد فرّ من السعودية في العام الماضي بعد أن أحكم ابن سلمان سلطته على البلاد، فاستهدف الأمراء المنافسين له ورجال الأعمال والدعاة والناشطين حتى عندما ألغى بعض القيود الاجتماعية في المملكة.

ومثل معظم من التقتهم واشنطن بوست من المعارضين العرب في تركيا – يؤكد الكاتبان – أصرّ هذا الكاتب على عدم الكشف عن هويته، خوفًا من جذب انتباه حكومته وحفاظًا على سلامة الأقارب والأصدقاء في الوطن.

استقر في حي الفاتح في إسطنبول، الذي يعج بالمقاهي ومحلات التوابل والمكتبات، التي تذكره بالعواصم العربية.

قال الكاتب السعودي «إنه مثل حي عربي»، مشيرًا إلى أنه لم يكن بحاجة إلى تعلم اللغة التركية. لأن الثقافة والشعب والأصدقاء يجعلون المكان مريحًا ومألوفًا.

لقد أصبح الفاتح مقرًا لمجتمع المنفيين من مصر واليمن والسعودية وسوريا وليبيا ودول عربية أخرى، حيث أدى التعصب بسبب الانتقاد أو القتال العنيف إلى فرار الآلاف. في هذه الأثناء – يكشف الكاتبان – وبسبب وجود مجموعة معقدة من التحالفات السياسية والتنافسات والتطلعات من أجل النفوذ الإقليمي، قام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بحماية المنفيين في إسطنبول.

وقال محمد طلبة رضوان، الصحفي المصري الذي هرب إلى إسطنبول في عام 2015: «الأجواء هنا شبيهة جدًا بمصر». تدهور المناخ السياسي في مصر منذ أن أطاح الجيش في عام 2013 محمد مرسي أول رئيس مصري منتخب بحرية، فبدأت قوات الأمن تتبع تحركاته.

في هذا السياق – يواصل الكاتبان كلامهما – يختلط العرب بطريقة لم يكن بإمكانهم تخيلها في أوطانهم. تبادل الإسلاميون الأفكار بحرية مع العلمانيين، وأصبح المتمردون المتشددون الذين حملوا السلاح ضد حكوماتهم يمقتون العنف.

كان خاشقجي محور نقاشاتهم، فقد وصفوه بأنه كان جسرًا بين الناس الذين كانوا مختلفين فكريًا. تعاطف في بعض الأحيان مع الإسلاميين وأصر على أن لهم صوتًا في أي مجتمع حر، وناصر بعض القضايا الليبرالية.

أضاف رضوان: «لقد التقيت بالكثير من الليبراليين السعوديين الحقيقيين، الذين هم أكثر انفتاحًا من الليبراليين المصريين، ويعرفون الكثير عن العالم والثقافات الأخرى أكثر من المصريين الذين ينشأون في جو أكثر انفتاحًا. كان جمال خاشقجي واحدًا منهم».

لم يقف الأمر عند حد الصداقات – يقول الكاتبان – بل أصبحت إسطنبول خلفية للعلاقات الرومانسية، التي تحول بعضها إلى زيجات.

تزوج طالب مصري في أواخر العشرينيات من عمره من امرأة سورية في إسطنبول، حيث هرب كلاهما من حكومات استبدادية. يقول ساخرًا إنه في حين أنهم حرموا من رفقة عائلاتهم في بلدانهم، دفعهم القمع إلى العثور على الحب في الخارج.

قال الطالب، وهو عضو سابق في جماعة الإخوان المسلمين المحظورة الآن: «هناك الكثير من الزيجات المختلطة: المصريون والمغاربة، السوريون والأتراك، وما إلى ذلك».

وقال إنه كان قد تناول الغداء مع خاشقجي قبل أسبوع من اختفائه في القنصلية السعودية. أشار الطالب في أسى إلى أن خاشقجي ذهب إلى القنصلية للحصول على وثيقة تثبت طلاقه حتى يتمكن من الزواج من خطيبته التركية، خديجة جنكيز.

لطالما كان الحصول على هوية رسمية ووثائق سفر مصدرًا للقلق للمنفيين العرب في تركيا – يضيف الكاتبان – إذ يشعرون بأن موظفي البعثات الدبلوماسية يمكن أن يكونوا جواسيس عليهم. ولهذا يتجنب العديد من المنشقين القنصليات والسفارات بأي ثمن.

قال الطالب المصري «نحن نفعل ما علينا القيام به دون الذهاب إلى القنصلية. أسوأ كابوس لي كان مصادرة جواز سفري».

بعد مقتل خاشقجي، يشعر المنفيون بالقلق من أن الأنظمة العربية تجاوزت كل الخطوط الحمراء، حتى فيما يخص معايير العنف السياسي. «في وجود محمد بن سلمان، من المستحيل معرفة ما سيحدث أو لماذا» قال الكاتب السعودي الأول. ويضيف «ليس من الواضح ما هي الخطوط الحمراء الجديدة». وقال إن المنشقين أصيبوا بالصدمة جراء اغتيال صديقه خاشقجي.

وقال: «إن الحكومة السعودية غبية جدًا للقيام بمثل هذا التصرف علانيةً وفي قنصليتهم. فحتى الأسد أو الديكتاتور الليبي معمر القذافي، كانا سينفذان الأمر في الخفاء. لكن هذه كانت رسالة لتخويف الجميع – النشطاء والمعارضة».

يشعر المنفيون العرب بخوف شديد على سلامتهم على المدى الطويل في تركيا – يشير الكاتبان – ولاحظ الكثيرون أنهم يتمتعون بحرية لا تُمنح للأتراك أنفسهم. تقول لجنة حماية الصحفيين إن تركيا هي أكثر الدول قمعًا للصحافة في العالم، حيث يوجد 73 صحفيًا سجينًا.

من ناحية أخرى، يتمتع الصحفيون المعارضون والناشطون من الدول العربية بحرية مطلقة. فتركيا هي موطن لعشرات من القنوات الإخبارية العربية المعارضة وآلاف من أعضاء الإخوان المسلمين.

ومع ذلك، يؤكد بعض المنفيين أن الوضع بدأ يتغير مع تحول السياسة في المنطقة. سمير مشعل، وهو زعيم سوري معارض يعيش في إسطنبول، قال إن تركيا بدأت في كبح جماح السوريين الذين ينتقدون السياسة الخارجية التركية.

ينتظر العالم بشغف رؤية كيف سترد تركيا على مقتل خاشقجي – يختتم الكاتبان بالقول – ويخشى المنفيون العرب أن يدفن أردوغان القضية إذا قدمت السعودية تنازلات اقتصادية أو سياسية. ولكن يأمل آخرون في أن تقف تركيا حصنًا ضد أي محاولة مستقبلية لإلحاق الأذى بهم في إسطنبول. وفي كلتا الحالتين، لم يعد المنفيون العرب يشعرون بالأمن مثلما كان الحال من قبل.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!