ترتفع شعبية الأحزاب والحركات اليمينية المُتشدِّدة في الدول الأوروبية يومًا بعد يوم. وهي الشعبية التي شجَّعت ماتيو سالفيني وهو نائب رئيس الوزراء الإيطالي، وزعيم حزب «الرابطة» اليميني المتشدَّد (النسخة المُعدَّلة من حزب رابطة الشمال الانفصالي)، على إطلاق حملته في البرلمان الأوروبي مع وعدٍ بـ«زعزعة استقرار الاتحاد الأوروبي» في صباح الاثنين 8 أبريل (نيسان). وفي هذا الصدد، أعدَّ موقع «ديلي بيست» الأمريكي تقريرًا عن حملة سالفيني، واصفًا الرجل بـ«ترامب الإيطالي».

«بوليتيكو»: كيف قد تغير حكومة إيطاليا الحالية شكل أوروبا التي نعرفها؟

يرى الموقع الأمريكي أنَّ ماتيو سالفيني يعشق الحديث أمام الجماهير، وهي حقيقةٌ يُدرِكها أي شخصٍ يُتابع المسار السياسي العجيب الذي سلكه، بالتحوُّل من ولدٍ يمينيٍ «شرير» إلى رجل دولةٍ يميني، بحسب وصف الموقع.

ويعلم سالفيني كيفية تحفيز الجماهير، عن طريق نشر صورٍ له أثناء تناول النوتيلا أو خلال التقاط الصور مع أبناء طائفة «الزيلوت» اليهودية. وقال سالفيني في تقديم حملته: «يُمثِّل الاتحاد الأوروبي كابوسًا بالنسبة للكثير من الأوروبيين. ونأمل أن نُغيِّر ذلك».

يأمل سالفيني في نشر منهجه المُتشدِّد الذي أكسبه التأييد في إيطاليا ومُختلف أنحاء أوروبا، بحسب التقرير. إذ نجح في وقف تدفُّق المُهاجرين غير الشرعيين إلى البلاد خلال أقل من عام، عن طريق إغلاق كافة الموانئ في وجه قوارب المُهاجرين، فضلًا عن تخفيف القوانين المُتعلِّقة بالأسلحة وإدخال تشريع «إطلاق النار أولًا» من أجل الدفاع عن النفس.

وأعاد تطبيق قانون «مكافأة الطفل» الذي يعود إلى عصر موسوليني، وهي مُكافأةٌ تُمنَح للإيطاليين الذي يُنجبون أكثر من طفلٍ واحد، بغرض المُساعدة في مواجهة انخفاض مُعدَّل المواليد في البلاد. إلى جانب مُحاولة الحد من تشغيل الأغاني الأجنبية على إذاعات الراديو الإيطالية، بالإضافة إلى وضع العقبات في طريق الحصول على الجنسية الإيطالية حتى يمنع الكثيرين من الحصول عليها.

وأفاد التقرير أنَّ سالفيني يُريد تطبيق القوانين نفسها في كافة أنحاء أوروبا، بهدف تحويل الهوية القومية إلى أولوية. إذ وقف مُحاطًا من الجانبين بزعماء أحزابٍ يمينيةٍ أوروبيةٍ يحملون أفكارًا مُشابهة أثناء إطلاق حملته يوم الاثنين.

وقال سالفيني: «ليس هناك مُتشدِّدون أو أشخاصٌ يشعرون بالحنين إلى الماضي بيننا. ليس هناك أشخاصٌ سيئون وسطنا. ولا يعنينا الجدل المُستمر بشأن الفاشيين. إذ نتطلع إلى المضي قُدُمًا نحو المستقبل». وعلَّق على الأشخاص القلقين من أنَّ جماعته تُمثِّل الفاشية أو النازية، واصفًا إياهم بـ«الشخصيات المغرورة التي تنتمي إلى اليسار المُتشدِّد الأنيق».

سالفيني يلقي عهود الولاء

ذكر التقرير أنَّ يورغ مويتن، زعيم حزب «البديل من أجل ألمانيا»، الذي يُوصَف أعضاؤه بأنَّهم من ناكري الهولوكوست، تحدَّث عن أنَّ نهضة اليمين المُتشدِّد لا تعني عودة ماضي البلاد الأسود. وقال: «لا يجب أن ننسى مذبحة الهولوكوست»، لكنَّه أضاف أنَّ ألمانيا لا يجب أن تظل عالقةً في تلك النقطة.

ودعا إلى إحداث «تغييرٍ بمقدار 180 درجة» في ما يتعلَّق بمواصلة ألمانيا التكفير عن جرائم ألمانيا النازية في عهد هتلر. وعلى هامش الحدث، صرَّح مويتن لموقع «ديلي بيست» بأنَّه يُوافق ألكسندر غاولاند عضو الحزب في وصفه للنازيين بأنَّهم «مُجرَّد عثرةٍ تافهة في تاريخ ألمانيا الناجح الذي يمتد لأكثر من ألف عام».

Embed from Getty Images

وأفاد موقع «ديلي بيست» بأنَّ مويتن يعتقد مثل سالفيني بأنَّ الأحزاب اليمينية المُتشدَّدة تستطيع تطبيق اللامركزية في ما يتعلَّق بصُنع القرار داخل أوروبا والترويج للقومية، عن طريق السيطرة على البرلمان الأوروبي. ولا يكترث مويتن بحقيقة أن الجماعات ذات النزعة «الهوياتية» المزعومة، التي تُركِّز على القومية والتهرُّب من إدماج المُهاجرين، ارتبط اسمها بالهجمات والاستهداف العرقي، حتى أنَّ مُنفِّذ هجوم كرايست تشيرش في نيوزيلندا تبرَّع لصالح حزبٍ هوياتيٍ نمساوي قبل إطلاق النار على خمسين شخصًا أثناء هجومه على مسجدين في مارس (آذار).

وذكر الموقع الأمريكي أنَّ الكثير من الأحزاب المُدرجة على قائمة فريق الأحلام الخاص بسالفيني تعتنق مبدأ «الشكوكية الأوروبية»، المُناهض لتشكيل اتحاداتٍ سياسية أوروبية، رغم الفشل الذي مُنِيَت به مُفاوضات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (البريكست).

وحين سُئِلَ مويتن عمَّا إذا كان سيضغط من أجل التصويت على قرارٍ مُشابهٍ لبريكست في ألمانيا، أجاب: «نحن بحاجةٍ إلى تغييراتٍ راديكالية، وتوسيع نطاق سلطات بلداننا، مع الحد من بيروقراطية بروكسل. وسنرغب في الخروج من الاتحاد الأوروبي، في حال ظهرت مساعٍ لإنشاء ولاياتٍ مُتحدةٍ أوروبية». وكشف استطلاعٌ للآراء أجرته صحيفة «لا ستامبا» الإيطالية هذا الأسبوع أنَّ قرابة 50% من الإيطاليين يُفضلون إجراء استفتاءٍ على بقاء إيطاليا في الاتحاد الأوروبي الآن.

بحسب التقرير، وقف أمام سالفيني كلٌ من مويتن، وأولي كوترو من حزب «الفنلنديون» القومي، وأندرس فيستيزن من حزب «الشعب» الدنماركي، وتعهدوا بالولاء له بوصفه الزعيم الذي دعاهم لمشاركته في منصته، في لحظةٍ شبَّهها الموقع الأمريكي بلحظات ترامب. وحين سُئِلَ كوترو عمَّا إذا كان يرى في سالفيني رئيسًا مُستقبليًا للبرلمان الأوروبي، أجاب: «لا أرى مُرشَّحًا أفضل منه لرئاسة البرلمان الأوروبي».

يُطلق على تكتُّل سالفيني اليميني المُتشدِّد اسم «أوروبا الشعوب والحرية»، وفقًا للموقع، ويضُمُّ أحزابًا مثل حزب «الحرية» النمساوي، وحزب «من أجل الحرية» الهولندي. ويشمل التكتُّل أيضًا الفرنسية مارين لوبان، التي لُوحِظَ غيابها عن الحدث.

التقى سالفيني مارين في باريس الأسبوع الماضي، وحين سُئِلَ عن سبب غيابها عن هذه الفاعلية المُهمة التي تهدف إلى الإعلان عن الحملة؛ أجاب قائلًا: «اللعنة»، وكرَّرها ثلاث مرات، قبل أن يُتابع: «أنا أُمثِّل كافة أعضاء التكتُّل، كما أوضحت للمرة السادسة عشر هذا الأسبوع. أنا أتحدث نيابةً عن الأعضاء الفرنسيين والنمساويين والهولنديين، حتى في غيابهم».

الولايات المتحدة الأوروبية!

ذكر «ديلي بيست» أنَّ سالفيني يحلم بدمج تكتُّل «أوروبا الشعوب والحرية» مع تكتُّل «المحافظون والإصلاحيون الأوروبيون»، الذي يَضُم حزب «الشعب» الدنماركي وحزب «الفنلنديون»، وتكتُّل «أوروبا الحرية والديمقراطية المباشرة»، الذي ينبثق عنه حزب «البديل من أجل ألمانيا» وحزب «بريكست» البريطاني الجديد، الذي يتألَّف من أنصار البريكست المُتشدِّدين، الذين روَّجوا لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في السابق تحت مظلة حزب «استقلال المملكة المتحدة».

ووعد سالفيني بأنَّ تحالفًا من هذا النوع سيهُزُّ أركان أوروبا من جذورها، خاصةً في حال فوزهم بأغلبيةٍ ولو بسيطةٍ خلال انتخابات شهر مايو (أيار) المُقبل.

ويأمل التكتُّل الجديد في ضم أعضاء من كافة دُول الاتحاد الأوروبي، وخاصةً أعضاء الأحزاب المُحافظة البريطانية، في حالة عدم الانتهاء من البريكست بحلول السادس والعشرين من مايو حين تُعقد الانتخابات. ويتقرَّب التكتُّل أيضًا من الأحزاب اليمينية المُتشدِّدة التي تُعاني من التهميش في اليونان وإسبانيا، حيث تُسيطر قضايا مثل الهجرة والتقشُّف على الحوار السياسي.

Embed from Getty Images

وأفاد التقرير أنَّ كافة الزعماء الحاضرين يتطلَّعون إلى هدفٍ مُشتركٍ واحد: وهو تحويل حلم الولايات المتحدة الأوروبية إلى ائتلافٍ مُبسَّطٍ من الدول التي تعتنق أهدافًا مُشتركة في ما يتعلَّق بالهوية القومية والأمن القومي وحماية الحدود.

إذ قال سالفيني: «لا نُريد أوروبا التي تُعيد توزيع المُهاجرين السريين. نريد أوروبا التي لا تسمح للمهاجرين بدخول أراضيها من الأساس». وتشمل خطته تعزيز قوة «فرونتيكس»، الوكالة الأوروبية لمراقبة وحماية الحدود الخارجية، بإضافة 10 آلاف مُسلَّحٍ جاهزٍ لحماية حدود أوروبا مهما كان الثمن. وتعتمد «فرونتيكس» في الوقت الحالي على إجراء أنشطة الرقابة الجوية فقط، إثر إلغاء برنامج «صوفيا» الذي كان يُجري عمليات البحث والإنقاذ من أجل مُكافحة الهجرة غير الشرعية. وستُؤدِّي «فرونتيكس» دورها بوصفها جيش دفاعٍ في البحر من أجل الحيلولة دون وصول المُهاجرين إلى شواطئ إيطاليا واليونان وإسبانيا، بموجب البرنامج الجديد.

وبحسب التقرير، يُشير سالفيني دائمًا إلى المُهاجرين الذين يُحاولون دخول أوروبا بوصفهم إرهابيين ومُغتصبين، على غرار ما يفعله ترامب في الولايات المتحدة. ويعرض سالفيني نقل النساء والأطفال إلى إيطاليا عند إنقاذ مجموعةٍ من المُهاجرين في البحر، قبل أن ينتقد رفضهم دخول إيطاليا لأنَّهم سيضطرون لترك أزواجهم وأبنائهم البالغين خارج الحدود.

وأورد التقرير أنَّ سالفيني يرغب أيضًا في القضاء تمامًا على أي أملٍ لتركيا في الحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي، إذ تمُرُّ حاليًا بمراحل الفحص الأولية لعضويتها. فقال عن ذلك: «تركيا ليست جزءًا من أوروبا، ولن تكون جزءًا منها أبدًا. يجب إلغاء عملية الانضمام. ويجب إيقافها نهائيًا»، مُؤكِّدًا أن هذا الموقف هو مبدأ من مبادئ برنامج اليمين المُتشدِّد التي لا تفاوض فيها.

ويرى الموقع الأمريكي أنَّ التكتُّل اليميني المُتشدِّد يعتمد على الهوية القومية، وهو المصطلح الذي استُخدِم كثيرًا أثناء حدث الإعلان عنه. إذ قال سالفيني: «سنُدافع عن جملة «صُنع في أوروبا»، لكنَّنا نرغب في المزيد من الاحتفاء بجُملٍ مثل «صُنع في إيطاليا» و«صُنع في هولندا» و«صُنع في النمسا» أيضًا».

ويمتد التعريف ليشمل احتضان التراث واللغة والثقافات القومية. ولا ينظر زعماء التكتُّل إلى الاتحاد الأوروبي بوصفه بوتقةً تنصهر الشعوب داخلها، بل هو أشبه باتحادٍ مُنفصلٍ يتألَّف من شعوبٍ مُختلفة في نظرهم. هذا في حين قال فيستيزن: «لا مفر من احتضان الدولة القومية والحفاظ على تركيزنا. إذ سنشهد المزيد من أوروبا وبروكسل في جميع مناحي الحياة، في حال سمحنا لمُعارضينا بتفريقنا».

وتطرَّق سالفيني أيضًا إلى تلك النقطة بعبارةٍ أكثر تحديدًا، إذ قال: «لا نهدف إلى خسارة الانتخابات أو مُجرد المُشاركة فيها. هدفنا هو الفوز بالانتخابات وتغيير قوانين أوروبا».

استقالة رئيس وزراء إيطاليا.. هل يأتي الدور على بلاده بعد بريطانيا؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد