التعبير عن الشعور بالوحدة يقابل كل من يتصفح مواقع التواصل الاجتماعي على اختلافها، ويعبر كل فرد عن هذا الشعور بطريقته المختلفة، وقد يقترن الشعور بالوحدة بعدم وجود شريك، إذ يعتقد الكثيرون أن عدم الحصول على الشريك المناسب يجعلهم أكثر شعورًا بالوحدة. ولكن الكاتبة بيلا دي باولو، التي تجاوز عمرها الستين، تقول إنها عاشت طيلة حياتها بدون شريك ولم تشعر بالوحدة، فكيف كان ذلك؟

تقول بيلا التي درست علم النفس في جامعة «هارفارد»، ودرّسته في جامعة «كاليفورنيا»: «يظن الناس الذين لا يعرفونني جيدًا أنني أعيش حياةً من الوحدة، لأنني عزباء أعيش بمفردي. ويمكنني أن أخبركم كم من الوقت يمكنني أن أعيشه بمفردي دون رؤية وجه أي شخص قبل أن أشعر بالوحدة، 15 يومًا، لأنني جربت ذلك من قبل».

وتواصل بيلا في مقال لها نشر عبر موقع صحيفة «واشنطن بوست»: «لم أكن أقصد أن أجري تجربة، لكن ذلك كان نوعًا من العزلة من أجل الكتابة، فقد قرأت من قبل عن كتاب عزلوا أنفسهم في منزل ساحر على الشاطئ في مدينة من البحر والرمال، وكان من السهل أن أقوم بذلك على طريقتي الخاصة. كنت حينها أعمل على إعداد كتابي الأخير، وأعيش بالفعل في مدينة صغيرة تطل على البحر. وخلقت الوحدة دون تدخلي، إذ انشغل أصدقائي المعدودون في ذلك الوقت بأعمالهم الخاصة من سفر، واعتناء بوالديهم، وما إلى ذلك».

الوحدة هي الشعور بالألم على افتقاد التجارب العاطفية التي تتمنى لو أنك خضتها، لذا فإن العلاج هو قضاء وقت كافٍ مع الآخرين.

وتصف الأسبوع الأول من عزلتها بالنعيم الصافي، فيما بدأت تشعر في الأسبوع الثاني بافتقاد التفاعل الهادف مع الآخرين، ولكنها كانت تستطيع تحمل ذلك، لكن بعد مرور الأسبوع الثاني شعرت أنها لم تعد تحتمل.

«في حياتي اليومية نادرًا ما أشعر بالوحدة»، وتضيف بيلا: «أقضي الساعات الطويلة من عزلتي منغمسة في الاستمتاع بالقراءة، أو الكتابة، أو الطهي، أو مشاهدة (نتفليكس)، أو أي مما يخطر على بالي»، وتعود بيلا لتؤكد أنها تستمتع بوجودها مع أصدقاء، لكنها لا تتواصل اجتماعيًّا مع أشخاص لا تهتم لأمرهم، لذلك فإن معظم الوقت الذي تقضية برفقة آخرين يكون دافئًا ومترابطًا، أو عاديًا على أسوأ تقدير، لكنها تحب أن تعود بعد ذلك إلى بيتها الهادئ الخالي.

تقول بيلا إن الوحدة هي الشعور بالألم على افتقاد التجارب العاطفية التي تتمنى لو أنك خضتها، لذا فإن العلاج هو قضاء وقت كافٍ مع الآخرين. «فحينما أودت بي عزلتي للكتابة إلى هاوية الوحدة تطلب الأمر من أصدقائي أن يسحبوني منها».

ترى الأكاديمية أنه حتى تقلل من أخطار عزلتها، يمكن أن تتعافى بسهولة بطرق أخرى غير الاختلاط بالناس، مثل أن تتمشى على الشاطئ، أو المنحدرات الجبلية، أو طرق الغابة، وقد يبدأ الأمر بالشعور بالضغط والحزن، لكن في النهاية دائمًا ستشعر بالسلام والهدوء. فيما تقول بيلا إن ما يساعدها حقًّا هو التفكير بتعمق. وتضيف: «حينما انتقلت إلى تشارلوتسفيل للمرة الأولى، لم أكن أعرف أحدًا سوى من تعرفت إليهم سريعًا خلال مقابلة القبول في عملي، وقضيت أمسيتي الثانية في كتابة مقال علمي، حيث تحاوطني غرف تملؤها صناديق أغراضي التي لم تفرغ بعد».

اقرأ أيضًا: مترجم: رياضيات الحُب.. كيف تجد شريك الحياة المثالي بمُعادلة رياضية؟

«كنت عزباء طوال حياتي»، ترى بيلا أنه بحسب السرد الثقافي السائد فإن الوحدة بالتأكيد ستتملكها سريعًا. لكن جزءًا من بحث أجرته مع عدد من زملائها، حول الإدراك الحسي للأشخاص العازبين، قامت مع فريقها بوضع سير ذاتية، وطلبت من المشاركين في الدراسة إبداء انطباعاتهم. وقسّم الفريق السير الذاتية إلى نصفين: أحدهما يحمل صفة الأعزب، والنصف الآخر متزوج، ولكن السير جميعها كانت تصف الأشخاص بالصفات نفسها والعادات ذاتها، وتنوعت أعمار أصحاب السير الذاتية التي وضعها الفريق، بين 25 عامًا، وآخرين 40 عامًا. ووجد الفريق أن المشاركين حكموا على أصحاب السير العازبين بأنهم أكثر شعورًا بالوحدة من الآخرين المتزوجين، كما اعتقدوا أن الأشخاص العازبين في سن الـ40 هم بالتأكيد أكثر وحدة من هؤلاء الذين في سن الـ25.

تعلق بيلا: «هذه الانطباعات على الأغلب خاطئة»، وتتابع بأنها رجعت إلى الدوريات الأكاديمية للبحث عن دراسات ذات صلة، ولكنها لم تجد ولو حتى دراسة واحدة تظهر أن الأشخاص المتزوجين يصبحون أقل شعورًا بالوحدة عما كانوا عازبين. تقول بيلا بأنه على العكس، فهناك دراسة أظهرت أن المتزوجين يصبحون أقل ارتباطًا بالأصدقاء والعائلة، عما كانوا عليه سابقًا. وعلى رغم أنه لم تجر بعد دراسات طويلة المدى، تحسم الأمر، إلَّا أن الدليل المتاح يقترح أن العازبين يصبحون أكثر راحةً وتأقلمًا مع حيواتهم بدون شركاء.

اقرأ أيضًا: مترجم: 20 فيلمًا عن الوحدة تستحق المشاهدة

«بالطبع هناك أشخاص عازبون يعيشون في وحدة مزمنة، ولكن هناك أيضًا متزوجين لديهم نفس الشعور المزمن بالوحدة»، هكذا تقول بيلا، وترى أن الصور النمطية التي تصر على أن العزوبية تعني الوحدة، ظهرت بوضوح في تنوع التجارب بين 107 ملايين بالغ (في الولايات المتحدة فقط) من غير المتزوجين. واختبر الباحثون السمات النفسية للأشخاص الذين يخشون العزوبية، وأيضًا السمات النفسية للأشخاص الذين يميلون إلى قضاء الوقت وحيدين. وأظهرت مجموعتي الدراسات الشيء ذاته: فالأشخاص الذين لا يخافون أن يظلوا عازبين، والأشخاص الذين يحبون قضاء وقتهم وحيدين، غالبًا لن يجربوا شعور الوحدة. فهم أقوياء نفسيًّا بأشكال أخرى، فمثلًا، هم الأقل عرضة لأن يكونوا عصبيين، وغالبًا ما يكونون منفتحين على تجارب جديدة.

بالطبع هناك أشخاص عازبون يعيشون في وحدة مزمنة، ولكن هناك أيضًا متزوجين لديهم نفس الشعور المزمن بالوحدة.

ولكن الباحثة تقول إنها تولي اهتمامًا خاصًا للأشخاص «عازبي القلوب»، والذين – في رأي بيلا- يعيشون حياة حقيقية ذات مغزى طالما ظلوا عازبين. وتضيف الباحثة: «نتائج بحثي الأولية تقترح أن الأشخاص العازبين في قلوبهم، لا يشعرون بالقلق إزاء الوحدة، بل إنهم يغتنمون العزلة. فالمؤلم بالنسبة إلى هؤلاء الأشخاص على اختلاف شخصياتهم، ليس قضاء الوقت بمفردهم، ولكن عدم الحصول على كفايتهم منه».

وتلفت بيلا إلى كثرة التقارير التي تعد حول العواقب الأليمة للوحدة، وهو أمر يثير الفضول، خصوصًا بين طلاب المرحلة الثانوية والجامعية، فالوحدة هي أمر تم تجاهله عشرات السنوات. وتقول الباحثة: «أعتقد أن هذه القصص تشرح أنواع المخاوف التي دائمًا ما تظهر في وسط التغيرات الاجتماعية العميقة». وكما أشار المؤلف والباحث الاجتماعي إريك كلينينبيرج، فإن نصف القرن الماضي شهد «المرة الأولى في التاريخ الإنساني التي بدأت أعداد هائلة من الناس تستقر في حياتها باعتبارهم عازبين».

وتختتم الباحثة بيلا دي باولو قائلة: «أعتقد أن الوحدة أمر يجب اتخاذه بجدية»، ولكنها تحذر أن ينقض أحدهم على حياة شخص ما لاعتقاده أنه يشعر بالوحدة فقط؛ لكونه عازبًا أو يعيش بمفرده، وتقول إن هؤلاء الناس العازبين ربما يشعرون بالتحرر في الحياة التي اختاروا أن يعيشوها.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد