نشرت مجلة «تايم» الأمريكية تقريرًا للكاتب «كارل ڤيك» يتحدث فيه عن تداعيات مقتل جمال خاشقجي على الشرق الأوسط واحتمالاته، نورد هنا ترجمةً لما جاء به هذا التقرير.

ظهور ابن سلمان

قبل أن يعرِف عمره حتى، استطاع العالم استخلاص جرأة هذا الشاب الصغير الذي يدير السعودية على فرص العنف الاستثنائية. محمد بن سلمان، الأمير المعروف الآن اختصارًا بـ(MBS)، كان مجهولًا تمامًا عندما وصل والده إلى العرش السعودي في يناير (كانون الثاني) 2015. كان انتقالًا روتينيًا للسلطة من كبيرٍ سن إلى آخر في العائلة المالكة، إلى أن أسند الملك بحصة كبيرة من سلطته لابنه. في غضون شهرين شن وزير الدفاع الجديد حربًا على اليمن، والتي مزقت بلدًا كان أساسًا البلد الأفقر في العالم العربي. تبين أخيرًا أن ابن سلمان يبلغ من العمر 29 عامًا.

Embed from Getty Images

مزقت الحرب أوصال اليمن، البلد العربي المنهك أساسًا

مر أكثر من ثلاث سنوات، ولم تجتذب عشرات الآلاف من القتلى في اليمن سوى جزء ضئيل من الاهتمام المتركز الآن على جمال خاشقجي، الصحافي والمعلق السعودي الذي فرّ من المملكة بعد أن وجد نفسه في الجانب السيئ لابن سلمان، وفي النهاية دفع حياته ثمنًا لذلك. تحمل هذه الجريمة المروعة القدرة على جعل وليّ العهد منبوذًا، وربما قلب المعطيات في الشرق الأوسط، والذي كان ساحةً لاهتمامات ومشاريع ابن سلمان بمساعدة الرئيس الأمريكي المداهن له. يقول بروس ريدل مدير مشروع استخبارات بروكنجز ومؤلف كتاب «ملوك ورؤساء، السعودية والولايات المتحدة منذ روزفلت»:

أعتقد أن صورته أصبحت الآن ملطخةً بشكل يتعذر إصلاحه، إن لم تكن مهشمة. لقد كُشِفت حقيقته مستبدًا عنيفًا خطيرًا وأرعن.

 

موقف ترامب

يتحدث ڤيك عن حادثة قتلِ خاشقجي وتقطيع أوصاله التي حدثت على الأغلب في 2 أكتوبر (تشرين الأول) داخل القنصلية السعودية في إسطنبول. ربما ذهب خاشقجي إلى هنالك مفترضًا أن بعض القواعد والأصول الأساسية للاحتشام واللياقة ما زالت قائمةً. فبعد كل شيء، الشيء الذي ترتبط به المجمعات الدبلوماسية بعيدًا عن الخط الدبلوماسي نفسه، كونها ملجأً ومأوىً. على سبيل المثال دخل مؤسس «ويكيليكس» جوليان أسانج تحت حماية الإكوادور داخل سفارتها في لندن منذ عام 2012.

تبدو الانتهاكات أفظع حينما تحدث في محيطٍ يفترض أن يكون موضع حرمة، لكن ما حلّ بخاشقجي، ومن ثم على جسده – بفريقٍ سعودي مكون من 15 سعوديًا، أحدهم استعمل منشار عظم – لهو فساد من مستوى آخر تمامًا. وكما ذكر المسؤولون الأتراك الذي قالوا إن الحادثة سُجلت صوتيًا، هذه الجريمة روجت للبربرية والحصانة من العقاب.

أظهرت صور كاميرات المراقبة التركية لحظات خاشقجي الأخيرة، عند دخوله للقنصلية السعودية في إسطنبول

السؤال فيما إذا كان دونالد ترامب يرى أن هذا أمر سيئ؟ إذ يستثمر بشكلٍ شخصي في الأمير السعودي، وعلى نطاق أوسع بالتخلي عن النظام الدولي القائم على قواعد دولية. احتضن ترامب الطغاة، وفي الجمعية العامة للأمم المتحدة لم يمجّد الحقوق العالمية المتجاوزة الحدود، بل السيادة-الحرية أن تفعل ما تريد في بلدك. ووفقًا لما يقتضيه العرف، فإن القنصلية السعودية التي تقع في أحد الشوارع الجانبية في إسطنبول، هي أرض خاضعة لسيادة المملكة.

في 16 أكتوبر وضمن محاولته الثالثة للتستر على القضية، تشكّى ترامب: «ها نحن مجددًا مع مبدأ أنت مذنب حتى تثبت براءتك». أولًا: أشار الرئيس بوضوح إلى أن خاشقجي – وهو مقيم دائم في الولايات المتحدة – «ليس مواطنًا»، ثم عندما أرسل وزير خارجيته مايك بومبيو إلى الرياض، طرح نظرية بعد الحديث مع الملك سلمان، أنهم ربما كانوا «قتلة مارقين»، وتُرِك الأمر لصحيفة «نيويورك تايمز» لتفنّد النظرية بعد ساعات قليلة من خلال تحديد عدد من المشتبه بهم ضمن حاشية ولي العهد.

لماذا استهدف ابن سلمان خاشقجي؟

يؤكد ڤيك أن خاشقجي لم يكن غريبًا أو دخيلًا، فببلوغِه التاسعة والخمسين من عمره كان قد عمل داخل وخارج البلاط الملكي السعودي، وفي تحرير صحف رسمية، وأدى حتى دور المتحدث باسم السفير السعودي في واشنطن، لكنه ارتبط بفرعٍ من شجرة العائلة السعودية قد فقد سلطته، والأسوأ من ذلك أنه لم يعد قادرًا على كبح ديدنه في التحدث بصراحة. أصر خاشقجي على مواجهة ولي العهد علانية، لكن الأخير لم يرد سوى التهاني والتبريكات على سماحه للنساء بقيادة السيارات وفتح دور السينما.

كتب خاشقجي في شهر مايو أيار) في صحيفة «واشنطن بوست»:

لقد قيل لي إنه علي قبول – بامتنان – الإصلاحات الاجتماعية التي دعوت إليها منذ فترة طويلة مع التزام الصمت حيال مسائل أخرى؛ من المستنقع اليمني، والإصلاحات الاقتصادية المنفذة على عجل، وحصار قطر، والمناقشات حول التحالف مع إسرائيل لمجابهة إيران، إلى سجن عشرات المثقفين ورجال الدين السعوديين العام الماضي.

في عام 2017، لجأ خاشقجي إلى المنفى خارج السعودية تاركًا عائلته. انتقل في نهاية المطاف إلى إسطنبول؛ حيث تمت خطوبته. تطلب الزواج الجديد إثبات أنه مُطلّق. تواصل مع القنصلية السعودية ليخبروه متى يجب عليه القدوم.

قبل 10 ساعاتٍ من موعده، وفي عتمة الليل، هبطت طائرة خاصة في إسطنبول جمعت 15 سعوديًا. التقطت كاميرات المراقبة التركية لحظات وصول الفريق السعودي ودواعيه المفتوحة للتأويل. طرح المسؤولون السعوديون في وسائل الإعلام رواية أن خاشقجي كان مستهدفًا للاستجواب فقط، لكن مسار الأمور انحرف إلى وفاته غير المخطط لها.

Embed from Getty Images

ظهرت صورة ابن سلمان ملطّخة بالدم في أعين العالم كله

لكن القصة التي ترسخت هي التسلسل الزمني الشنيع الظاهر من إسطنبول، وبحسب مسؤولين أتراك لم يكشف عن أسمائهم فإن هنالك تسجيلًا صوتيًا يبين القتل البشع، وما سبقه من تقطيعٍ للأصابع. قال ترامب في 17 أكتوبر إنه طلب التسجيل «إذا كان موجودًا». وصلت طائرة خاصة ثانية من الرياض بعد أربع ساعات من اختفاء خاشقجي إلى القنصلية، وبقيت على الأرض لمدة ساعة واحدة فقط، قبل العودة إلى الرياض، مرت على مصر – حليفة السعودية – حيث بقيت هناك لمدة 27 ساعة. توقفت الطائرة الأخرى في الإمارات العربية المتحدة، وهي نظام ملكيّ خليجي آخر يعدّ بمثابة رفيق الروح للسعودية فيما يخص الشؤون الخارجية. يختلف قادة الدول الثلاث مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حول أسئلة ملتبسة، لكن محسوسة بعمق حول كيفية حكم الدول الإسلامية. يقترح هذا الصراع على الأقل سبب حرص تركيا على إظهار السعودية بشكلٍ سيئ.

منهج التعامل الحالي مع السعودية

يشكل هذا الأمر برمّته تحديًا لأي رئيسٍ أمريكي، لكن ينوّه ڤيك إلى أنه أكثر تعقيدًا بالنسبة إلى ترامب؛ لكونِه أعاد احتضان وتبني السعوديين بكل سرور جاعلًا رحلته الخارجية الأولى إلى الرياض، بعد توليه منصب الرئاسة، زادت السعودية إنفاقها إلى ما يقرب من الثلاثة أضعاف على كسب التأييد والتأثير في العاصمة واشنطن؛ إذ وصل المبلغ المدفوع إلى 27 مليون دولار عام 2017، وفقًا لبيانات مركز السياسة الدولية. استعمل ابن سلمان صهر ترامب وكبير مستشاريه جاريد كوشنر، وتحدث بلغة المعاملات التي يفهمها ترامب عبر المجاهرة بالاهتمام بصفقاتِ أسلحةٍ قيل إن قيمتها تصل إلى 110 مليارات دولار، (على الرغم من أن القليل منها قد أثمر حتى الآن). بعد اختفاء خاشقجي، تذرع ترامب حتى بأن الخطر على الوظائف في قطاع الدفاع يقيد يديه.

Embed from Getty Images

جاهر خاشقجي بالمعارضة لابن سلمان وقد دفع حياته ثمنًا لذلك.

يختلف موقف القطاع الخاص اليوم، رغم أنه روّج لابن سلمان سابقًا على أنه رمز للتغيير. انسحبت رموز وول ستريت وشركات الإعلام جماعاتٍ وأفرادًا من القمة التنفيذية المتألقة التي عُقدِت في الرياض أواخر أكتوبر، وتخلّت ثلاث شركات ضغط أمريكية على الأقل عن التعامل مع السعوديين. وبينما كان بومبيو يبتسم في الرياض، ويكرر الوعد السعودي بإجراء تحقيقٍ «شفاف»، تراجع بعض حلفاء البيت الأبيض. دعا السيناتور الأمريكي ليندسي غراهام ابن سلمان في مقابلة ضمن برنامج « Fox & Friends» للتخلي عن السلطة، مشددًا:

هذا الرجل مُدمّر. هل يقتل ذلك الشخص في القنصلية في تركيا ويتوقع مني أن أتجاهل ذلك؟ أشعر أنه تم استغلالي واستعمالي

وقع جميع الأعضاء تقريبًا في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ على خطابٍ يقتضي بتطبيق قانون «غلوبال ماغنيتسكي»، الممكّن لفرض عقوباتٍ من شأنها تجميد أموال أي مسؤول أجنبي متورطٍ في جرائم. وحتى قبل افتراض وفاة خاشقجي، حصل مجلس الشيوخ على 11 صوتًا يحرم السعودية من الدعم العسكري الذي تحتاجه لمتابعة الحرب في اليمن.

حدودٌ ومصالح

ربما يكون هنالك حدودٌ لردة فعل الولايات المتحدة وفقًا للكاتب. يصرح السيناتور الجمهوري جون كيندي: «بعض زملائي يقولون: «طفح الكيل، سنعزل السعودية كما لو أنها ظربان ميت. هذا تفكيرٌ سحري». إن التحالف السعودي حتى ولو لم يكن مريحًا أبدًا، إلا أنه قديمٌ وعميق. هنالك قوة عطالة ناتجة عن المصالح المشتركة، بما في ذلك أسواق النفط الغنية، وتبادل المعلومات الاستخبارية، وكذلك زخم المعارضة لإيران. يلاحظ كيندي أنه «لا يمكننا التعامل مع إيران. حاولنا، لكنهم سرطانٌ في الشرق الأوسط»، وقد استغل السعوديون هذا العداء المشترك لجذب ترامب إلى ميدانهم.

تهدد حادثة خاشقجي استراتيجية الولايات المتحدة لاحتواء إيران. فمن المقرر أن تعيد في 5 نوفمبر (تشرين الثاني) فرض عقوباتٍ تستهدف أي عميل لأسواق النفط الإيرانية. قد يعتمد نجاح الاستراتيجية هذه على قدرة السعودية على خدمة الشركات والدول التي ستُحرم من التجارة مع طهران.

يتلذذ الإيرانيون الآن بهدوء برؤيةٍ منافسهم الإقليمي منغمسًا في دورٍ بربريّ. يقول ريدل:

يرى الإيرانيون ابن سليمان هديةً لا تتوقف عن العطاء: حربه الطائشة في اليمن، تقويضه للاسم السعودي، إضعافه لأمن المملكة الداخلي عبر عزل أفرادٍ من العائلة المالكة. حظيت الصحافة الإيرانية بأيامٍ حافلة مع الجنرال الصغير، كما يسمونه.

بصياغةٍ أخرى: وفاة خاشقجي هي جرحٌ خطير تسببت فيه القيادة السعودية لنفسها. في مقابلةٍ مع المجلة في شهر مارس (آذار) أعلن ولي العهد أن «أي مشكلة في الشرق الأوسط ستجد إيران فيها».. ليس هذه المرة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!