بعد مرور عام على أعمال الشغب التي اندلعت في 6 يناير (كانون الثاني) العام الماضي، الذي اقتحم خلاله مثيرو الشغب مبنى الكونجرس، يتفق علماء السياسة إلى حد كبير على أن الحزبية الأمريكية أصبحت شديدة السمِّية، بل باتت شديدة الخطورة. وحول هذا الموضوع نشرت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية تقريرًا أعدَّته جولي نوفكوف، أستاذة العلوم السياسية ودراسات المرأة والجنس في جامعة ألباني بولاية نيويورك، تحاول من خلاله الوقوف على حقيقة ما أثاره البعض من أن الولايات المتحدة تتجه نحو حرب أهلية وعلاقة الأحداث التاريخية بذلك.

استهلت الكاتبة تقريرها بالإشارة إلى مرور عام على الحادثة التي شنَّ فيها أنصار الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، هجومًا على مبنى الكابيتول الأمريكي (مقر المجلس التشريعي الأمريكي) بينما كان الكونجرس يُحصي أصوات أعضاء المجمع الانتخابي بصورة رسمية. وتُجري لجنة مختارة من الكونجرس تحقيقًا في أعمال العنف التي وقعت في هذه الحادثة ومصادرها، على الرغم من عدم تعاون مارك ميدوز، رئيس موظفي البيت الأبيض السابق، وعدد من كبار الشخصيات الأخرى مع تلك اللجنة، ويستمر الأمريكيون في معرفة مزيد من المعلومات المثيرة للقلق بشأن كيفية التخطيط لهذا الهجوم، ولا يزال ترامب نفسه يرفض تقبُّل هزيمته في انتخابات الرئاسة لعام 2020، واصفًا الانتخابات نفسها مؤخرًا بأنها تمرد حقيقي، ويصر على الإبقاء على السجلات والوثائق المتعلقة بالأحداث طي الكتمان.

هل تهدد الحزبية الأمريكية النظام الديمقراطي؟

ويوضح التقرير أن بعض المحللين، مثل باربرا والتر، أستاذة العلوم السياسية في كلية سان دييجو للسياسة والإستراتيجية العالمية، أجابت عن التساؤل المطروح: ما مدى خطورة هذه اللحظة على الديمقراطية الأمريكية؟ قائلةً: إن الديمقراطية الأمريكية آخذة في التدهور وأن الشعب الأمريكي قريب من اندلاع حرب أهلية على نحو خطير. وأعرب محللون آخرون عن قلقهم من تعود الشعب الأمريكي على الخطاب المُحرِّض على العنف، وكيف تحتفي شخصياتٌ بارزة في اليمين بهذه الخطابات.

Embed from Getty Images

وفي حين أن توماس زيتزوف، الخبير في العنف السياسي، يصف التحذيرات من احتمالية اندلاع حرب أهلية قريبًا أو انتشار النزعة الانفصالية بأنها غير صحيحة وخطيرة، فإن علماء السياسة يتفقون إلى حد كبير على أن الحزبية الأمريكية أصبحت شديدة السُمِّية، وينقل التقرير تحذير أطلقته مجموعة من أبرز علماء الديمقراطية من أن الانتخابات والديمقراطية الأمريكية تواجهان تهديدات وجودية محتملة ينبغي أن يعمل الكونجرس الأمريكي على تفادي وقوعها، ويتفق عديد من الخبراء والمراقبين السياسيين على أن الهجوم الحزبي الممنهج على حقوق الاقتراع والتصويت الذي يشنُّه الجناح الترامبي من الحزب الجمهوري لم يسبق له مثيل في تاريخ الولايات المتحدة.

وتتحدث كاتبة التقرير قائلةً: بصفتي باحثة دستورية تدرس المؤسسات السياسية في السياق التاريخي، أشكُّ في أن الحرب الأهلية تلوح في الأفق، لكني أخذ بمحمل الجدية الطبيعة الإشكالية لهيمنة أتباع ترامب على الحزب الجمهوري، وقد حذرتُ في عام 2018، على سبيل المثال، من أن أنصار ترامب المخلصين قد لا يتقبلون رحيله عن رئاسة الولايات المتحدة، لكن بدلًا من التنبؤ بوقوع حرب أهلية، أقول إن التشبيه التاريخي الأفضل هو ما حدث في الولايات المتحدة بعد حملة أبوماتوكس (سلسلة من المعارك وقعت في 29 مارس [آذار] حتى 9 أبريل [نيسان] 1865، في ولاية فرجينيا التي بلغت ذروتها باستسلام الجيش الكونفدرالي بقيادة جنرال جيش فرجينيا الشمالية روبرت إي لي والنهاية الفعلية للحرب الأهلية الأمريكية، واستسلمت جميع الجيوش الكونفيدرالية بعد شهور، وشكَّلت تكساس حكومة ولاية جديدة قبلت إلغاء العبودية في أغسطس [آب] 1866).

حرب أهلية أم مرحلة ما بعد الإعمار؟

تُشير الكاتبة إلى أن الحرب الأهلية الأمريكية، الوحيدة التي شهدتها البلاد، حملت في طياتها بصمات مألوفة للجميع: مثل الانقسام الحزبي الشديد والتشرذم الجغرافي وتوافر رؤى غير متوافقة بصورة جوهرية لدور الدولة والحكومة الفيدرالية، لا سيما فيما يتعلق بالعبودية.

ومع ذلك، لا يلزم أن تنطوي الأزمة الدستورية على شن حرب أهلية، ووفقًا لما قاله كلٌّ من جاري جيفري جاكوبسون، ويانيف روزناي في كتابهما، الذي صدر في عام 2020 ويقارن بين الثورات الدستورية، قد تحدث التحولات الكبرى في ظل غياب المشاركة الديمقراطية الواسعة، وأشارا أيضًا إلى أن التغيير الدستوري الذي يحدث استجابة للحشد الشعبي قد لا يتخذ شكلاً تطويريًّا، ومثل هذا التحول شهدته الولايات المتحدة في أواخر القرن التاسع عشر، وأحد السبل الممكنة للمضي قدمًا حاليًا هو أن يحدث ذلك التحول مرةً أخرى.

Embed from Getty Images

وتشير الكاتبة إلى محاولة الولايات المتحدة، بعد نهاية الحرب الأهلية، إعادة تشكيل نفسها حول رؤية جديدة للمواطنة والمساواة، لكن محاولاتها باءت بالفشل، وأبرزت باميلا براندوين، خبيرة العلوم السياسية، أن المؤسسات الأمريكية الوطنية، التي كانت آنذاك في قبضة الحزب الجمهوري، حاولت في البداية مساءلة الولايات على تطبيق الحقوق، لكن هذا لم يستمر. وقلَّصت المحكمة العليا، بقيادة كبير القضاة ميلفيل فولر، صلاحيات السلطات الفيدرالية، وبدلًا من خوض حرب أهلية كان من الممكن أن تدوم طويلًا، رضخ الحزب الجمهوري الوطني وأرجأ التحول الأمريكي لأجيال أخرى.

وأدَّى انسحاب المؤسسات الوطنية إلى ترك الميدان مفتوحًا لمعركة ضارية على مستوى الدولة. إذ هاجم الديمقراطيون، في جنوب البلاد، حقوق المشاركة في الانتخابات والتصويت بلا هوادة وبأسلوب ممنهج لضمان سيطرتهم على حكومات الولايات. ومع رفض المحكمة العليا التام لمشروع إعادة البناء في قضية بليسي ضد فيرجسون في عام 1896 (حدد قرار المحكمة العليا في القضية أن سياسة «الفصل العنصري» قانونية)، أعادت الولايات الأمريكية الواقعة في جنوب البلاد تشكيل نفسها حول مبدأ سيادة العِرق الأبيض، كما دعا إلى ذلك جون نوكس، عالم اللاهوت، في كلمته الافتتاحية في مؤتمر ألاباما الدستوري لعام 1901، وحينئذ، لم تكن هناك إرادة وطنية حقيقية يُمكنها أن تواصل التصدي لهذه المستجدات العنصرية والمناهضة للديمقراطية.

قياسًا على ذلك

يُؤكد التقرير أن جوهر الأيديولوجية الترامبية لأعضاء الحزب الجمهوري لا يقتصر على ترامب وأمثاله بوصفهم مؤيدين للأيديولوجية فحسب، لكنهم حريصون على مواصلة المشاركة في العملية السياسية، باستخدام آليات ديمقراطية فضفاضة في انتخابات الولايات والمحليات، بالإضافة إلى المحافل الأكثر بروزًا وظهورًا للترويج لأجندة غير ديمقراطية بصورة أساسية، وبالنظر إلى ذلك؛ يُواجه الحزب الجمهوري بعض الخيارات الصعبة.

وكان ترامب وأنصاره يُؤمِّنون سلطتهم ويُوسِّعون صلاحياتهم، ويُهدِّدون علنًا أي شخص يعارضهم بالإطاحة أو بمواجهة تحديات أساسية، ولا يقدم كبار قادة الحزب الجمهوري سوى قليل من الدعم للقلة التي تحاول التصدي لذلك. وقد يعتقد هؤلاء القادة أن تصديهم لما يبدو أنه حرب داخلية حتمية قد يُؤدي إلى وقوع خسائر وانشقاقات حزبية على المدى القصير، في ظل مساعي بعض الموالين لترامب إنشاء منظمات سياسية بديلة أو ترك السياسة تمامًا؛ مما يحرم الحزب من مشاركتهم الحماسية.

دولي

منذ سنة واحدة
لماذا سيعيش العالم قرنًا آخر من الهيمنة الأمريكية؟

كما يواجه الحزب الديمقراطي مأزقًا، فمن المؤكد أن هناك منفعة سياسية ينبغي تحصيلها من خلال مهاجمة أسوأ عناصر الحزب الجمهوري وتقديم خطابهم المحرض على العنف والمناهض للديمقراطية على أنه يُمثل الحزب نفسه. وقد تتضمن الردود الأصعب والأعلى تكلفة البحثَ عن بعض العناصر داخل الحزب الجمهوري وتكوين شراكات معها، وسوف يدرك أمثال هذه العناصر، على الرغم من أنها تختلف مع الديمقراطيين بشأن عديد من قضايا السياسة الأساسية، أن النظام الديمقراطي بحاجة إلى حزبين سياسيين قويين قائمَيْن على الواقعية، وقد يجد هؤلاء الفرقاء أرضية مشتركة بشأن بعض المبادئ مثل اعتبار التصويت حقًّا أساسيًّا، وأن حالات الطوارئ المتعلقة بالصحة العامة لا ينبغي تسييسها، وضرورة استدامة الديمقراطية الأمريكية وحمايتها. لكن لم يبدِ سوى عدد قليل من الجمهوريين الموجودين حاليًا في الكونجرس استعدادهم للتعاون وفقًا لهذه الشروط.

ومن دون العمل داخل كل حزب والمشاركة المستمرة العابرة للانتماءات الحزبية، قد يؤدي الاستقطاب إلى أن يكون التعاون على المستوى الوطني لمكافحة العناصر المناهضة للديمقراطية أمرًا صعبًا أو مستحيلًا، والتوافق الذي أنهى عصر إعادة الإعمار (الأعوام التي تلت الحرب الأهلية) قد يبدأ في الظهور وكأنه مَخرَج منطقي: إفساح المجال أمام الولايات الأمريكية لتضع السياسات وتنفِّذها استنادًا إلى الآراء العالمية الصادرة عن هؤلاء الذين يقودون أحزابهم المهيمنة، مع كل ما يُمكن أن يعنيه ذلك لهؤلاء الذين يعيشون هناك.

وتختم الكاتبة تقريرها بتأكيد أن الأساس موجود في شكل الفيدرالية التي بُثَّت فيها روح جديدة، وفي المحكمة العليا التي تبدو مستعدة لمنح الولايات حرية التصرف، على الأقل في بعض مجالات السياسة، ولكن حتى هذه ربما تكون رؤية متفائلة، بالنظر إلى هيمنة الجمهوريين المحتملة على الكونجرس، الذي استقى بعض التعديلات على قوانين الدوائر والانتخابات من أكثر من 30 ولاية يسيطر عليها الجمهوريون والتي يمكن أن تميل نتائجها ضد قاعدة الأغلبية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد