«كاميرتي هي سلاحي»، هذه كلماتٌ نطقت بها صحافية فلسطينية تعكف على فضح الاحتلال الإسرائيلي وكشف عوراته في الضفة الغربية منذ ما يربو على ست سنوات، لكن جنى جهاد ليست كأي صحافية أخرى، فهي تبلغ من العمر 13 عامًا فقط ولدت في 6 أبريل (نيسان) 2006، لذلك استحقت لقب «أصغر صحفية في فلسطين»، بل هي في الواقع أصغر شخص يحمل بطاقة صحافية على ظهر الكوكب.

من قرية النبي صالح، التي تحكي قصصها منذ كانت في السابعة من عمرها فقط بعد مقتل عمها وابن عمها، إلى استوديو ديموكراسي ناو (الديمقراطية الآن) في نيويورك، حيث أجرت مقابلة مع إيمي جودمان؛ تخبر قصة جنى بالكثير عن الكاميرا التي تعتبرها سلاحها السلمي المفضل لمقاومة الاحتلال، وتقول عنها: «باستخدام الكاميرا؛ يمكنني إرسال رسالة، قد تكون أكثر فعالية من البندقية، وأكثر فعالية من العنف، وأكثر فعالية من قتل الناس».

مُصَوّرة في السابعة.. من كاميرا هاتف أُمِّي إلى العالم

استهلت المقابلة مع جنى – التي ترتبط بصلة قُربى مع الناشطة الفلسطينية عهد التميمي، فهي ابنة عمها – بالإشارة إلى مقاطع فيديو لا تُحصى، حول المقاومة الفلسطينية في مواجهة الممارسات الإرهابية الإسرائيلية، نشرتها جنى على مدى السنوات الماضية، وتابعها عشرات الآلاف من المشاهدين في مختلف أنحاء العالم عبر «تويتر» و«يوتيوب» و«فيسبوك». 

في البدء استخدمت جنى كاميرا هاتف والدتها المحمول، وكانت آنذاك في السابعة من عمرها. وتحكي عن دوافعها قائلة: رأيتُ أنه لا يوجد عدد كافٍ من الصحافيين لتغطية الأحداث التي تقع في قريتي، النبي صالح، وفي فلسطين بشكل عام. مثلما حدث عندما قُتِل صديقي مصطفى وعمي رشدي، وأمور أخرى كثيرة. 

لم يكن العالم يعرف كيف نعيش، كأطفال فلسطينيين، تحت هذا الاحتلال العسكري الإسرائيلي، وكيف نعاني، وكيف تُنتَهَك حقوقنا، وتُغتال طفولتنا. لذلك أردتُ أن أكون صوت هؤلاء الأطفال، وأن أكون مجرد رسول ينقل رسالتهم، وهو أمر مهم للغاية، وأن أرفع مستوى الوعي بهذه القضية الدولية بالغة الأهمية».

حين سألتها إيمي جودمان عن رد فعل الجنود الإسرائيليين حين تبدأ في التصوير، اعترفت جنى بصعوبة الموقف، واستشهدت بـ «تقرير إسرائيلي سري» يُصَنِّفها باعتبارها «التهديد القادم المحدق بدولتهم»، بحسب القناة الإسرائيلية الرابعة، بالإضافة إلى تلقيها العديد من التهديدات الإسرائيلية؛ ما مهَّد لتسجيلها رسميًا كصحافية فلسطينية، كنوع من الحماية لها، بعد توقيفها على الحدود أثناء عودتها من الأردن – وهي في الـ12 من عمرها – واستجوابها لمدة ثلاث ساعات.

الجانب الآخر من الصورة الذي لا يراه العالم

تطرقت المقابلة إلى قرية النبي صالح الصغيرة التي تضم 500 شخص فقط من عائلة التميمي، ومستوطنة «حلميش» التي اغتصبت قطعة من أرضها، واعتقال ابنة عمها الناشطة عهد التميمي لمدة ثمانية أشهر، ومعاناة ابن عمها محمد الذي أطلق الجنود الإسرائيليون رصاصة مطاطية على رأسه أدخلته في غيبوبة لمدة سبعة أيام، وقبض عليه ثلاث مرات أثناء فترة علاجه؛ لتثبت أن «مشكلة العالم هي أنه لا يرى القصة بأكملها». 

وحين سألتها المحاوِرة: كيف يؤثر هذا عليك كطفلة؟ وكيف يمكنك معالجة هذا؟ أجابت جنى: «بالطبع، تحدث الكثير من الأمور الصعبة بالنسبة لنا كأطفال يعيشون تحت الاحتلال. على سبيل المثال، رأيت الكثير من الناس في حياتي يتعرضون للقتل أمامي. يجعلنا ذلك نشعر بالصدمة. نحن بشر. ومن الصعب علينا معالجة ذلك. 

واستدركت جنى: لكننا نؤمن دائمًا بالحصول على الحرية، والحرية ليست سهلة. علينا أن ندفع ثمنها. وثمن الحرية لن يكون رخيصًا. بل سيكون باهظًا للغاية. الكثير من الناس سيُقتلون. الكثير من الناس سيقبض عليهم. الكثير من الناس سيصابون، لكن هدفنا الرئيس هو: تحرير فلسطين، والعيش في حرية ومحبة وسلام ومساواة وعدالة، مثل أي إنسان وطفل آخر يستحق العيش.

روت جنى أيضًا قصة الطفل محمود صلاح من قرية الخضر، بالقرب من مدينة بيت لحم. كان يلعب كرة القدم بعد الإفطار في رمضان مع أصدقائه في الشارع، أمام منزله المجاور تمامًا للجدار الفاصل. وحين تدحرجت الكرة إلى ناحية الجدار، ذهب لجلبها، لكن الجنود الإسرائيليين الذين كانوا في برج المراقبة أطلقوا الرصاص الحي على ساقه دون أي مبرر. 

Embed from Getty Images

حين حاول أصدقاؤه الذهاب لمساعدته، كان الجنود أسرع منهم، فأحاطوا به وأطلقوا النار على أصدقائه، ولم يسمحوا لأي شخص بالاقتراب منه، سواء أفراد عائلته أو والدته أو والده أو أي شخص آخر، واعتقلوه وهو فاقد الوعي، غائبٌ عما يحدث حوله. وطيلة يومين لم يكن أهله يعرفون شيئًا عنه خلالهما، كان الطفل البالغ من العمر 14 عامًا فقط يقبع في مستشفى عسكري إسرائيلي، حيث بُتِرَت ساقه. وهو الآن قيد الاعتقال بدون أي سبب، ولا توجد تهم موجهة ضده.

وتحاول جنى تغطية كل ما يحدث حولها، بدءًا من الغارات الليلية وحتى مرورها على نقاط التفتيش الثلاث في طريق من المدرسة. بيدَ أن نقاط التفتيش الإسرائيلية ليست في الواقع، سوى حواجز تغلق الشارع بأكمله، وتمنع السكان من الوصول إلى أي مكان. وبدلًا عن أن تستغرق رحلة جنى إلى مدرستها 25-30 دقيقة، تضطر إلى سلوك طريقة آخر يستغرق حوالي ساعتين ونصف إلى ثلاث ساعات. 

وتكمل جنى سرد معاناة الفلسطينيين تحت الاحتلال قائلة: لست الوحيد الذي أتأثر. على سبيل المثال، بدأت جدتي في غسيل الكلى قبل عامين؛ بسبب كمية الغاز المسيل للدموع التي استنشقتها؛ لأنهم  يطلقون النار بشكل عشوائي على المنازل، وعلى الناس. يتعين عليها الذهاب إلى المستشفى ثلاثة أيام في الأسبوع، وأحيانًا لا تستطيع ذلك. كما أنجبت الكثير من النساء الحوامل أطفالهن في السيارة على نقاط التفتيش تلك. والكثير من المرضى لا يمكنهم الذهاب إلى المستشفيات. ولا يتمكن العمال من الذهاب إلى أعمالهم. إنه أمر صعب للغاية؛ لأنه لا يمكننا الذهاب إلى الأماكن التي نحتاج إليها في الوقت المناسب. إنه انتهاك لحقونا الإنسانية.

حل «الدولة الواحدة»

ورغم أن سؤالًا من قبيل: ما هو الحل في رأيك للمأساة الفلسطينية؟ يصيب حتى السياسيين المخضرمين بالإعياء، إلا أن الطفلة جنى تصدت للإجابة عنه قائلة: إن حل الدولتين وُلِد ميتًا؛ لذلك تعتقد أن حل الدولة الواحدة هو الذي سينجح. قائلة: قد يكون بإمكاننا جميعًا أن نعيش معًا، تحت حكومة واحدة، ونحصل على نفس الحقوق بالضبط». 

القضية الفلسطينية

وتكمل: «يمكن لجميع اللاجئين العودة إلى فلسطين. كل الناس يمكن أن يعيشوا في سلام، فقط في ظل المساواة. وليست لدي أية مشكلة في العيش مع أي شخص يريد السلام والمحبة والمساواة. مرحبًا بك في أرضنا، إذا كنت تؤمن بالسلام؛ لأنها أرض سلامٍ، ولو لم تشهد السلام من قبل».

رسالة إلى أطفال إسرائيل والعالم

وختمت جنى برسالة وجهتها للأطفال الإسرائيليين وأطفال العالم أجمع قائلة: نحن كأطفال فلسطينيين نناضل من أجل الحرية، لكني أعتقد بأننا لسنا الضحية الوحيدة، بل الأطفال الإسرائيليون هم أيضًا، بالنسبة لي، ضحية للاحتلال. فلماذا يحمل طفل يبلغ من العمر 11 عامًا سلاحًا أطول منه، ويمشي به في الشارع؟ لماذا ينشأ طفل على تلك العقلية المتمثلة في قتل الناس؟ نحن لا نريد أن ينشأ أي طفل في العالم على مثل هذا؟».

وتكمل: «لذلك رسالتي إلى الأطفال الإسرائيليين هي أننا جميعًا أطفال، وجميعنا ضحايا لهذا الاحتلال. لذلك، علينا أن نقف في مواجهته. يجب أن نتحد جميعًا لجعل هذا العالم يسوده السلام والحب والمساواة والعدالة؛ لأننا قادة المستقبل، ونحن قادة اليوم، ويجب أن نُحدِث فرقًا. لا ينبغي أن نكرر أخطاء البالغين مرة أخرى، فقد سئمنا كل ما يحدث حولنا».

«ذي إنترسبت»: غزة كما صورتها عدسة الشهيد ياسر مرتجى

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد