تولي يوشيهيدي سوجا، الرجل الذي يمثل الذراع الأيمن لآبي، السلطة قد يعني العودة إلى أيام رئاسة الوزراء قصيرة العمر.

نشرت مجلة «فورين بوليسي» مقالًا أعده الصحافي ويليام سبوساتو، ويقدم فيه صورة عن رئيس وزراء اليابان يوشيهيدي سوجا الذي سيتولى منصبه قريبًا، والآفاق المحتملة لنجاحه والنهج المتوقع لإدارته شؤون السياسية الخارجية والداخلية لليابان وإمكانية استمراره في موقعه.

دولي

منذ 4 أسابيع
«ستراتفور»: حقبة ما بعد شينزو آبي تطل برأسها مبكرًا.. ما الذي ينتظر اليابان؟

يقول الكاتب، ومقره طوكيو ويتابع اقتصاد اليابان وأسواقها المالية على مدار الخمسة عشر عامًا الأخيرة: رئيس الوزراء الياباني يوشيهيدي سوجا، الذي سيتولى منصبه قريبًا، بارع للغاية في إنجاز الأمور. ولأنه عمل لفترة طويلة رئيسًا لمكتب مجلس الوزراء القوي، في عهد سلفه شينزو آبي، فقد ساعد في صياغة وتنفيذ العديد من أهم المبادرات على مدار السنوات السبع الماضية.

في الوقت نفسه، يُنظر إليه أيضًا على أنه مهووس بتفاصيل السياسة ودقائقها ويفتقر إلى الكاريزما ويشتهر بإفاداته الصحفية اليومية التقليدية. وما لم يكشف سوجا عن حماس خفي، فقد تكون اليابان في طريقها للعودة إلى دورة رؤساء الوزراء التي لا تدوم طويلًا ولا تكاد تستحق الذكر، والتي تناور من خلالها فصائل داخل الحزب الديمقراطي الليبرالي الذي حكم اليابان على مدار الخمسة وسبعين عامًا الماضية تقريبًا.

فصائل الحزب الحاكم هي التي انتخبت سوجا

انتخب سوجا زعيمًا للحزب يوم الاثنين الماضي، وسيعين رئيسًا للوزراء هذا الأسبوع، ليحل محل آبي الذي استقال فجأة قبل أسبوعين بسبب تدهور صحته. حتى عملية اختيار سوجا تكشف عن عدم وجود حماس. إذ صوت المشرعون والمسؤولون في الحزب الديمقراطي الليبرالي، فيما رفض إجراء تصويت أوسع لأعضاء الحزب لأنه ينطوي على مخاطر عالية للغاية بالخروج بنتيجة غير مقبولة. لكن حتى المشرعين الفرديين لم يكن لهم رأي يذكر، إذ قرر الرؤساء الأقوياء لفصائل الأحزاب الخمسة الرئيسية الوقوف وراء مرشح المؤسسة النهائي.

Embed from Getty Images

(من اليسار) شينزو آبي يسلم رئاسة الوزراء لخلفه يوشيهيدي سوجا 

ونال سوجا فوزا أحادي الجانب بنسبة 70% من 534 صوتًا. أما الجمهور، الذي ليس له رأي مباشر، فكان متحمسًا لسوجا فحسب على أساس المقارنة بمنافسيه الباهتين. ففي منافسة ضد المرشحين الآخرين، حصل سوجا على معدل دعم بنسبة 50.2% في استطلاع أجري مؤخرًا، ولكن قبل أسبوعين فقط، مقارنة بقائمة أوسع من المرشحين المحتملين، حصل على 14% فقط.

يوشيهيدي سوجا ابن مزارع فراولة

ويمثل سوجا وجهًا غير مألوف بين النخبة السياسية في اليابان. وبينما ولد العديد من الشخصيات البارزة مثل آبي في عائلات سياسية قوية، فقد ولد سوجا لأبٍ يعمل مزارع فراولة، وشق طريقه في عالم السياسة، حيث بدأ مساعدًا لمشرّع. وهو أيضًا مشهور بانكبابه على العمل لدرجة الإدمان، إذ يبدأ عمله في الخامسة صباحًا ويعمل سبعة أيام في الأسبوع وينام معظم الوقت في عنبر للنوم بالقرب من مكتبه.

وبصفته الشخص الذي يتولى إصلاح الأمور في نهاية المطاف، أوضح سوجا بالفعل أن هدفه هو الاستقرار وليس الابتكار. وقال سوجا بعد التصويت: «نحن بحاجة إلى أن نرث ونسهل السياسات التي روج لها رئيس الوزراء آبي حتى يتسنى لنا التغلب على هذه الأزمة، ومن أجل أن تكون هناك حياة آمنة ومستقرة لكل فرد. أدرك أنني أحمل هذه المهمة على عاتقي».

أدى العمل المشترك بين سوجا وآبي إلى تحقيق إنجازات حقيقية، كما يتضح من الإعلان الصادر في نهاية الأسبوع بأن اليابان ستكون أول دولة لديها اتفاقية تجارة حرة موسعة مع المملكة المتحدة بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وأجريت المفاوضات في وقت شبه قياسي لم يتجاوز ثلاثة أشهر. وبينما من المتوقع أن ينسب الفضل السياسي الرئيسي في الاتفاقية إلى رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، تمثل الاتفاقية خطوة قوية لإدارة آبي المنتهية ولايتها، ولعب سوجا دورًا رئيسيًّا.

مبادرات سوجا قد تبرز في الجانب المحلي

لعب يوشيهيدي سوجا دورًا رئيسيًا في إنجازات آبي التجارية الأخرى، مثل إنقاذ الشراكة عبر المحيط الهادئ ودفع المحادثات التجارية مع الاتحاد الأوروبي. ولم يكن أقل هذه الإنجازات هو ضرورة كسر شوكة اللوبي الزراعي الياباني القوي تاريخيًّا. فتحت مظلة الزراعة اليابانية، حارب المزارعون بنجاح جميع المحاولات لخفض الرسوم الجمركية المرتفعة في اليابان على الأغذية المستوردة، مثل التعريفة الجمركية على الأرز التي تبلغ 788%.

Embed from Getty Images

ولكي يصبحا من كبار داعمي التجارة الحرة، رأى آبي وسوجا أنهما بحاجة إلى فتح سوق اليابان المربح أمام المزيد من المنتجات الغذائية الأجنبية. وساعد ذلك في أن الحزب الحاكم لم يعد يعتمد على أصوات أبناء الريف للبقاء في المنصب، وذلك بفضل إعادة تقسيم الدوائر التي قللت من القوة غير المتناسبة للمقاعد الريفية وزيادة الدعم للحزب في المدن الكبرى.

يتابع المقال: من المتوقع أن تكون المبادرات السياسية لسوجا إلى حد كبير على الصعيد المحلي. إنه يريد المساعدة في هندسة إعادة هيكلة النظام المصرفي الإقليمي المثقل بالديون كما يسعى لخفض رسوم الهاتف المحمول. ومن المتوقع أيضًا أن يُظهر دعمًا قويًا لبرنامج التسهيلات النقدية الهائل الذي طرحه البنك المركزي، وكان السمة المميزة لما يعرف بـ اقتصاديات آبي Abenomics.

وأدت الوتيرة القياسية لشراء الديون الحكومية إلى جانب صناديق الأسهم إلى جعل الميزانية العمومية لبنك اليابان تفوق حجم الاقتصاد الياباني. وسيبقى الهدف الذي يعد موضع مباهاة البنك المركزي، وهو السيطرة على التضخم عند 2%، ساريا (كان ذلك مستهدفًا في 2015 ولكن لم يتحقق بعد).

سوجا سيواجه صعوبات في علاقاته مع الصين

لكن على صعيد السياسة الخارجية، يتوقع الكاتب أن يواجه يوشيهيدي سوجا بعضًا من أكبر تحدياته، وأبرزها كيفية تعامله مع الصراعات المتصاعدة بسرعة مع الصين. لا يتحدث سوجا سوى القليل من اللغة الإنجليزية، ونادرًا ما قام برحلات خارجية للقاء زعماء أجانب. وعن ذلك يقول جيمس دي جي براون أستاذ مشارك في جامعة تمبل اليابان في طوكيو: «هناك القليل الذي يشير إلى أن سوجا لديه أي رؤية حقيقية عندما يتعلق الأمر بمكانة اليابان في العالم».

كانت سياسة اليابان إزاء الصين في عهد آبي هي الوقوف بحزم على الحياد. ويرغب المسؤولون اليابانيون في التأكيد على أهمية التحالف الأمني ​​بين الولايات المتحدة واليابان، وهم مغرمون بالاقتباس من السفير الأمريكي السابق لدى اليابان مايك مانسفيلد الذي وصفها بأنها: «أهم علاقة ثنائية في العالم، بدون أي استثناء».

العالم والاقتصاد

منذ شهر
«فورين أفيرز»: هكذا ستجذب اليابان أنظار العالم بعد هدوء عاصفة كورونا

في الوقت نفسه، لم تنس اليابان أن الصين تظل عنصرًا حيويًا لاقتصادها. وهذه ليست ظاهرة جديدة، فقد كانت اليابان من أوائل المستثمرين في الصين، إذ قدمت 30 مليار دولار من المساعدات الإنمائية الرسمية منذ عام 1979 باستثمارات إجمالية قدرها 118 مليار دولار.

ومن منظور تجاري، نمت الصين لتصبح أكبر شريك تجاري لليابان، مع تدفقات ثنائية الاتجاه بلغ مجموعها 294 مليار دولار في عام 2018. وفيما يتجاوز التجارة الثنائية البسيطة، يتشابك البلدان تشابكًا وثيقًا في سلسلة التوريد الإقليمية التي تضم أيضًا شركاء مثل كوريا الجنوبية وتايلاند.

مع هذين الهدفين، حاولت حكومة آبي السير على حبلٍ رفيع. ففي الذكرى الثلاثين لمذبحة ميدان تيانانمين في يونيو (حزيران) 2019، تحدث وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو عن «حركة الاحتجاج البطولية» التي انتهت بإرسال الحكومة الدبابات (لمواجهة المحتجين). في الوقت نفسه، قرأ يوشيهيدي سوجا البيان نفسه الذي يصدر كل عام، والذي تحدث عن «اشتباك ناتج عن لجوء الجيش إلى استخدام القوة».

وبالمثل، اتبعت الحكومة اليابانية نهجًا أقل بروزًا بشأن الإدانات الدولية المتزايدة للإجراءات المتخذة ضد الأويغور والأقليات العرقية الأخرى في غرب الصين. وانضمت اليابان إلى قرار الأمم المتحدة في يوليو (تموز) 2019، وهي الدولة الآسيوية الوحيدة التي فعلت ذلك، لكنها رفضت المشاركة في الإجراءات الأمريكية القوية التي تستهدف الأفراد المسؤولين في الصين.

اليابان تحاول الوقوف موقفًا محايدًا من الصين

وبالمثل، رفضت اليابان التوقيع على بيان طرحته الولايات المتحدة لإدانة قانون الأمن الصيني القاسي الذي أصدرته بكين لهونج كونج. ثم غيرت موقفها على ما يبدو وأعلنت بعد أيام قليلة أنها تريد بيانًا منسقًا لمجموعة الدول السبع يدعو الصين إلى الحفاظ على الدولة الواحدة وهيكل النظامين المتفق عليه مع المملكة المتحدة في عام 1997. وقال سوجا للصحفيين في ذلك الوقت: «من المهم التنسيق عن كثب مع الدول ذات الصلة، بما في ذلك مجموعة السبع، التي تشاركنا قيمنا الأساسية».

في الخلفية، اتخذ آبي عددًا من الإجراءات لزيادة القدرات العسكرية لليابان، مع زيادة الإنفاق الدفاعي وإعادة تفسير القواعد المتعلقة بدستورها السلمي، وهي إجراءات يتوقع الكاتب أن تستمر في ظل سوجا. وتدرس الحكومة الآن اقتراحًا من شأنه أن يسمح لأول مرة بشن هجمات على مواقع صواريخ في دول أخرى إذا بدا أنها على استعداد لشن هجوم ضد اليابان. وسيكون الهدف في هذه الحالة هو كوريا الشمالية، لكن مثل هذا النهج يمكن أن ينطبق على الصين أيضًا، وهو شيء لم يغب عن بكين (وموسكو).

Embed from Getty Images

غير أن هذا العمل من أعمال التوازن فشل في استرضاء فصيل حرون على نحوٍ متزايد داخل الحزب الحاكم، ينظر الآن إلى الصين على أن شططها بلغ أقصاه. ودفع هذا الفصيل من أجل إصدار قرار في البرلمان لإلغاء رحلة شي رسميًّا. ردًا على ذلك، بدا أن مسؤولًا في السفارة الصينية في طوكيو خرج بالصيغة الخاطئة قائلًا إن القرار يمثل «تدخلًا في الشؤون الداخلية للصين». وكما هو الحال في أي موقع آخر، لم تقدم الصين أي خدمة لنفسها في الجدل، الذي انفجر علنًا بعد أن أمضت السفن الصينية 111 يومًا في مياه جزر بحر الصين الشرقي المتنازع عليها.

كل هذا سيعطي المزيد من أوراق الضغط للمتشددين داخل الحزب، بحسب المقال. غير أن هناك جناحًا أكثر براجماتية لا يزال قويًّا يرى أن الصين شر لا بد منه. على وجه الخصوص، عمل الأمين العام للحزب الديمقراطي الليبرالي توشيهيرو نيكاي منذ فترة طويلة للحفاظ على العلاقات مع الصين، قائلًا إن الخطوة لإلغاء الرحلة «لن تؤدي بجهود أسلافنا إلى شيء».

ويُعد نيكاي البالغ من العمر 81 عامًا قوة لا يستهان بها، لا سيما أنه كان الشخص الذي قاد تحرك فصائل الحزب لدعم سوجا، مما منحه رئاسة الوزراء بالفعل. قال كوري والاس، خبير السياسة الخارجية في جامعة كاناجاوا اليابانية في يوكوهاما: «حقيقة أن نيكاي كان في الأساس هو محرك الدمى، أتوقع اتخاذ تدابير لإصلاح العلاقات أو على الأقل عدم تفاقم التوتر».

يختم الكاتب بالقول: في النهاية، قد لا يضطر يوشيهيدي سوجا للتعامل مع المشكلات لفترة طويلة جدًا. ففترة ولايته زعيمًا للحزب لا تزيد عن عام لملء المنصب الذي تركه آبي. بحلول ذلك الوقت، ربما تكون فصائل الحزب قد غيرت مواقفها مرة أخرى، ويمكن أن يحل محله وجه جديد تمامًا، لا يعمر طويلًا في هذا المنصب مثله.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد