نشر مركز «ستراتفور» الأمريكي تقريرًا يتناول فيه الأوضاع في اليابان بعد استقالة رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي لأسباب صحية، وعملية اختيار خليفته من بين المنافسين المحتملين، واستعرض أيضًا عددًا من السياسات الداخلية والخارجية التي ستتأثر برحيل آبي، ما يُمثل عقبة أمام خليفته القادم. 

استهل المركز تقريره بالقول إن الاستقالة المفاجئة لرئيس وزراء اليابان شينزو آبي تعرض البلاد لمخاطر العودة إلى دائرة من الإدارات العابرة قصيرة الأجل، والتي لن تُسفر عن تحولات كبيرة في السياسة الداخلية أو الخارجية على الأرجح. وفي 28 أغسطس (آب)، وبعد أسابيع من الإشاعات التي أُثيرت حول صحته، أعلن آبي أنه سيستقيل من منصبه بمجرد أن يختار الحزب الديمقراطي الليبرالي الحاكم بديلًا له. ومن المقرر أن يُحدد آبي بنفسه جزئيًّا عملية اختيار خليفته في الحكومة، بالإضافة إلى الحزب الديمقراطي الليبرالي، ما يعني أن خليفته سوف يلتزم بأهداف الحزب السياسية على المدى الطويل. 

العالم والاقتصاد

منذ شهر
«فورين أفيرز»: هكذا ستجذب اليابان أنظار العالم بعد هدوء عاصفة كورونا

ولفت مركز ستراتفور إلى أنه حتى لو وصل خليفة شينزو آبي إلى منصبه بأمان، فإنه سيواجهه صعوبة في الوصول إلى مستوى السلطة والتأثير الذي حظي به آبي خلال توليه رئاسة الحكومة اليابانية قرابة ثماني سنوات، وسيطرته المُحْكَمة على الحكومة اليابانية، ما مكَّنه من مُجابهة نظرائه الرئيسيين في الخارج وجهًا لوجه. وإلى جانب ذلك، تمتع آبي بنفوذ سياسي شخصي فاقَ نفوذ القيادات اليابانية السياسية السابقة؛ ما مكَّنه من تجاوز الفصائل الداخلية للحزب الديمقراطي الليبرالي وجماعات المصالح لكي يفرض التغييرات التي يريدها.

الخلفاء المحتملون

وأشار التقرير إلى أنه بسبب استقالة آبي المفاجئة، أصبح الوقت ضيقًا أمام الحزب الديمقراطي الليبرالي للتوصُّل إلى إجماع على خليفته؛ ما يعني أن رئيس الوزراء الياباني القادم سيعمل في منصبه بصفة مؤقتة، حتى ينتهي الحزب من وضع خططه طويلة الأجل.

وسوف تُسْهِم الطريقة المُتَّبعة في انتخاب قيادة الحزب الديمقراطي الليبرالي في تحديد المرشحين الذين يتمتعون بالأفضلية لخلافة شينزو آبي في منصبه، وتقول التقارير إنه سيُنظَر في هذه الطريقة في 15 سبتمبر (أيلول)، مع وجود خيارين متاحين: وهما التصويت المعتاد الذي يمكن للمسؤولين الإقليميين في الحزب الديمقراطي الليبرالي المشاركة فيه، أو تصويت محدود يُشارك فيه المشرِّعين الحاليين للحزب الديمقراطي الليبرالي وحدهم، والمبرر للخيار الثاني يتمثل في مخاطر الإصابة بكوفيد-19.

ويُرجح التقرير أن الشخص الذي سيختاره آبي خليفةً له، إذا اقتصر الأمر على تصويت المشرِّعين، سيحظى بأفضلية كبيرة بالنظر إلى نفوذ رئيس الوزراء المنتهية ولايته. كما أن الانتخابات المحدودة سترجح كفة رئيس أمانة مجلس الوزراء يوشيهيد سوجا لكي يتقلد هذا المنصب القوي بسبب دوره الراسخ في إدارة آبي وفي وضع السياسات على المستوى القومي. ومع ذلك فإن اختيار آبي لسوجا ليس مضمونًا بسبب توتر العلاقات بينهما خلال العام الماضي.

Embed from Getty Images

أما إجراء الحزب الديمقراطي الليبرالي لانتخاباتٍ مفتوحة أوسع نطاقًا على مستوى الدولة، فسيصب في مصلحة كلٍ من وزير الدفاع السابق شيجيرو إيشيبا ورئيس السياسات في الحزب الديمقراطي الليبرالي فوميو كيشيدا، واللذين يتمتعان بشعبية بين عامة الشعب أكثر من المشرِّعين. 

وألمح التقرير إلى أن إيشيبا أحد منتقدي أبينوميكس (السياسات الاقتصادية التي يؤيدها آبي)، إذ ندد بسياسات آبي الاقتصادية لفشلها في تحقيق المنفعة للمناطق الريفية لكنها عادت بالنفع، بدلًا من ذلك، على المصدِّرين الرئيسيين من خلال تخفيض قيمة العملة اليابانية (الين) والتيسير النقدي. كما دعا كيشيدا إلى زيادة الإنفاق على الأشغال العامة ووضع حد لمعدلات أسعار الفائدة المنخفضة للغاية التي أضرت بالبنوك الإقليمية.

ومن غير المرجح أن يسعى أي من المنافسين الرئيسيين على منصب رئيس الوزراء إلى التركيز على إعادة توجيه الإصلاحات الدستورية للقضاء على الحكم السلمي الذي منع اليابان جزئيًّا من استخدام جيشها باعتباره أداة للسياسة الخارجية

ونظرًا لشعبية هذا المنصب في أوساط القواعد الشعبية في الحزب الديمقراطي الليبرالي، فهذا يعني أنه إذا امتد التصويت إلى نطاق الحزب الأوسع، فقد يظهر عديد من المرشحين للتنافس على هذا المنصب، ومن بين هؤلاء كاتسونوبو كاتو وتوشيميتسو موتيجي وتومومي إينادا. وذلك بغض النظر عن أن اليابان تسعى فعليًّا لتوفيق أوضاع جيشها بالرغم من القيود الدستورية لكي يصبح أكثر ملائمة بالكامل مع صعود الصين العسكري.

ونوَّه التقرير إلى أن وزير البيئة الياباني الشاب، شينجيرو كويزومي، هو أحد المنافسين على المنصب، إذ حصل على 8.4 في المائة من دعم المشاركين في استطلاع الرأي الذي أجرته وكالة «كيودو نيوز» اليابانية، لكنه يفتقر إلى الدعم العام من داخل قيادة الحزب الديمقراطي الليبرالي. وفي حين أن وزير الدفاع تارو كونو يحظى بموقف قوي بين فصائل الحزب الحاكم، إلا أن أسلوبه المتفرد في القيادة دفع عديدًا من المشرِّعين إلى الإحجام عن دعمه.

تداعيات السياسة الخارجية

وأوضح التقرير أن القرارات المتعلقة بالقضايا الأوسع المتمثلة في الصعود الإقليمي للصين وتحالف اليابان مع الولايات المتحدة ستكون بطيئة الحركة في حقبة ما بعد شينزو آبي. كما سيتولى خليفة آبي مبدئيًّا مهمة إخراج اليابان من وضعها الاقتصادي السيئ المرتبط بكوفيد-19، إلا أن هناك تحديات أوسع نطاقًا تلوح في الأفق حول العلاقات الأمريكية وصعود الصين والتوترات الإقليمية مع كوريا الجنوبية

Embed from Getty Images

إن العوامل الجيوسياسية قد تؤدي إلى زيادة الضغط على الحزب لكي يلتف بصورة كاملة حول زعيم قوي لمنافسة الأطراف الإقليمية الرئيسة الفاعلة مثل الصين، إذ يلعب الرئيس شي جين بينغ دورًا حيويًّا بصفته زعيمًا للبلاد مدى الحياة، وروسيا التي لا يزال الرئيس فلاديمير بوتين راسخًا جدًّا في منصبه. 

خليفة آبي أمام ثلاث مهام رئيسية

وفي ختام التقرير رصد مركز ستراتفور ثلاثة قضايا مهمة ينبغي على خليفة آبي التعامل معها: فيما يتعلق بالتواصل مع الولايات المتحدة، سيكون خليفة آبي بحاجة إلى إيجاد موطئ قدم له بعد توليه السلطة لأنه ليست لديه علاقة العمل الوثيقة وطويلة الأمد التي حظي بها آبي مع البيت الأبيض، والتي ساعدته في التخفيف من الضغوط التجارية وإعادة التركيز على المشاركة الاستراتيجية طويلة الأجل.

وينبغي على خليفة شينزو آبي كذلك السعي لتحقيق التوازن بين ضرورة مواجهة النفوذ الإقليمي المتنامي للصين والمواجهة غير الضرورية مع بكين – وهو الهدف الذي حققه آبي في عام 2018 في أول زيارة رسمية للصين منذ سبع سنوات

أما التواصل مع كوريا الجنوبية، فإن استقالة آبي ستتيح الفرصة لإعادة ضبط السياسة في الحرب التجارية الشرسة بين البلدين، لكن القرار سيظل يعتمد على سياسات سيول تجاه مسائل هذه الحرب.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد