قال بيتر لاندرز في مقال له بصحيفة «وول ستريت جورنال»: إن الإجراءات التجارية الصارمة التي اتخذها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضد الصين –عبر فرض ضرائب بمليارات الدولارات على المنتجات الصينية– دفعت إلى تقارب فريد من نوعه بين عدوين أزليين، هما الصين واليابان.

وأوضح لاندرز أنه بعد سنوات من النزاع مع الصين حول الحدود، يسعى رئيس الوزراء الياباني تشينزو آبي إلى التقارب مع بكين، بما يعكس حاجة طوكيو إلى حشد الحلفاء لدعم الحفاظ على نظام التجارة الحرة. ويرى آبي أن سياسة السيد ترامب «أمريكا أولًا» المتمثلة في الحد من الواردات تشي بأن الولايات المتحدة ترغب في إعادة تشكيل العلاقات حول العالم.

«تايم»: ما هي الحرب التجارية وماذا يفعل ترامب بالاقتصاد الصيني؟ 9 أسئلة تشرح لك

وقال آبي في مؤتمر صحافي هذا الشهر: «أريد أن أرفع العلاقة بين اليابان والصين إلى مرحلة جديدة»، واصفًا زيارة رئيس الوزراء الصيني لي كه تشيانج إلى اليابان في شهر مايو (أيار) الماضي بأنها «خطوة أولى مهمة نحو تحسن دراماتيكي».

شهدت الآونة الأخيرة توقف الدولتين عن تبادل الاتهامات بإشعال التوترات في المنطقة –يؤكد لاندرز– فلطالما اتهمت اليابان الصين بمحاولة عرقلة الاستقرار الإقليمي من خلال القوة، في حين تتهم الصين اليابان بتجاهل دروس التاريخ من خلال بناء قدراتها العسكرية.

خلال زيارته، أبرز السيد لي دور اليابان المكمل للصين بوصفها قوة تصدير، قائلًا إن هذا يؤدي إلى «زيادة التنافسية بينهما في سوق دولة ثالثة» مثل الولايات المتحدة. وقد تجاهل الحديث عن المشكلات العالقة بين البلدين؛ إذ كانت الصين قد احتلت معظم اليابان في ثلاثينيات القرن العشرين، وأكد ما تردده طوكيو بأن على الدول أن «تتطلع إلى المستقبل».

يشير لاندرز إلى أن صادرات اليابان من البضائع إلى الصين في آخر سنة مالية بلغت حوالي نحو 137 مليار دولار، معظمها أشباه موصلات وغيرها من الإلكترونيات عالية التقنية التي تستخدمها المصانع الصينية لتصنيع منتجات مثل أجهزة iPhones المتجهة إلى الولايات المتحدة. ولهذا فإن الضريبة التي فرضها ترامب وقدرها 50 مليار دولار على المنتجات الصينية –مع التركيز على المواد عالية التقنية– يمكن أن تؤذي اليابان كذلك.

ونتيجة لإجراءات ترامب، وتعهد الصين باتخاذ تدابير انتقامية، فقد هبط مؤشر نيكي للأسهم بنسبة 0.75% يوم الاثنين.

يقول المسؤولون اليابانيون إن قلق آبي بشأن التجارة لم يؤدِ إلى إعادة تقييم أوسع للعلاقات العسكرية اليابانية مع الولايات المتحدة. ولا تزال بكين وطوكيو على خلاف حول مجموعة الجزر التي تسيطر عليها اليابان في بحر الصين الشرقي، وتحركات الصين لتأكيد وجودها العسكري في المنطقة.

وبدون التواجد العسكري الأمريكي المكثف في المنطقة –يكشف لاندرز– لن تتمكن اليابان من حماية نفسها ضد الصين المسلحة نوويًّا. لهذا السبب، كان السيد آبي حريصًا على عدم وصف حملته من أجل علاقات أفضل مع بكين بأنها صفعة إلى الولايات المتحدة. وعلى عكس الأوروبيين مثلًا، لم تعلن اليابان بعد عن تدابير انتقامية من تعريفات ترامب البالغة 25% على الصلب المستورد.

وعندما سئل في المؤتمر الصحافي عما إذا كانت اليابان تعتبر الصين مناصرًا أفضل للتجارة الحرة من الولايات المتحدة، قال السيد آبي: إن «المقارنة خاطئة. فاليابان والولايات المتحدة حليفتان مرتبطتان معًا بعلاقات قوية».

لكن الصين واليابان تتشاركان العديد من بواعث الإحباط من السياسة التجارية الأمريكية، كما يستدرك لاندرز. ويقول المسؤولون اليابانيون إنهم يتفقون مع ترامب في أن الصين عليها تغيير بعض سياساتها التجارية –مثل دعم شركات التكنولوجيا الفائقة المحلية– لكنهم يقولون إن أي إجراءات ضد بكين يجب أن تمتثل لقواعد منظمة التجارة العالمية.

تنظر الصين بإيجابية إلى محاولات التقارب من جانب طوكيو. فعدم الارتياح الذي أحدثته تحركات واشنطن يمنح الرئيس الصيني فرصةً لإظهار بكين قوةً ثابتةً وموثوقةً ترغب، مثل اليابان، في التجارة الحرة.

ففي خطاب ألقاه في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، قال السيد شي: «علينا أن نحافظ على التعددية، وإقامة شراكات أوثق».

علاوة على ذلك –يكشف لاندرز– تسعى بكين إلى الاستفادة من خبرة اليابان في مجال الصناعات المتقدمة، وذلك في أعقاب انخفاض معدل النمو الاقتصادي الصيني. وتحدث زعيما البلدين هاتفيًّا لأول مرة في مايو، واتفقا على أن الوقت مناسب لتحسين العلاقات. وخلال المكالمة، قال الرئيس الصيني: إن «اليابان أصدرت إشارات إيجابية، واتخذت إجراءات إيجابية بشأن العلاقات الثنائية»، وفقًا لوسائل الإعلام الرسمية.

كان مكتب رئيس الوزراء الياباني قد نشر في مجلته الرسمية مقالًا، أعده الباحث في الجامعة الوطنية الأسترالية شيرو أرمسترونج، يشدد فيه على أن الصين يجب أن تكون جزءًا من جهود طوكيو للحفاظ على نظام التجارة الحرة العالمي في غياب الولايات المتحدة.

وكتب السيد أرمسترونج قائلًا: «لقد اعتمدت آسيا والعالم على القيادة الأمريكية، لكن من الضروري الآن أن تتقدم آسيا. ولا بد أن تكون الصين شريكًا حاسمًا». وأوضح أن طوكيو بحاجة إلى «الحذر من ترامب».

كانت الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء الصيني إلى اليابان في مايو الماضي هي الأولى التي يقوم بها زعيم صيني في هذا المنصب منذ ثماني سنوات، كما يقول لاندرز. وقد وجه تشينزو آبي دعوة إلى السيد لي لتناول العشاء في طوكيو ومرافقته إلى جزيرة هوكايدو الشمالية، حيث زارا محلًا لبيع الزهور وما وصف بأنه أكبر مصنع للطماطم في العالم.

«إيكونوميست»: أقوى رئيس في العالم.. كيف أصبح الرئيس الصيني أكثر نفوذًا من ترامب؟

وكان من الواضح أن المقصود به هو استعراض الحفاوة التي سيتلقاها السيد شي إذا زار اليابان العام القادم للمرة الأولى رئيسًا، كما يريد السيد آبي.

ويؤكد لاندرز أن اليابان تريد أن تحل محل الولايات المتحدة في الاتفاقيات التي أُبرمت في العقود السابقة. في شهر مارس (آذار)، وقعت 11 دولة من دول المحيط الهادي بما فيها اليابان اتفاقية شراكة عبر المحيط الهادي، خفضت بموجبها الرسوم الجمركية، وأعادت تشكيل الاتفاقية بعد انسحاب أمريكا منها. كما توصلت اليابان مع الاتحاد الأوروبي إلى اتفاق للتجارة الحرة من المقرر أن يبدأ العام المقبل.

يختتم لاندرز بالقول: الخطوة التالية هي ضم دول في شرق آسيا إلى الاتفاقية. لقد نشطت اليابان مؤخرًا من أجل تعزيز الشراكة الاقتصادية الشاملة الإقليمية، وهي اتفاقية مقترحة تربط بين الصين واليابان والهند وجنوب شرق آسيا. وسيجتمع وزراء من تلك الدول في طوكيو في الأول من يوليو (تموز) المقبل، وهي المرة الأولى التي تستضيف فيها اليابان مثل هذا الاجتماع.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!