اليابانيون لا ينامون ولا يأخذون قيلولة إنما ينغمسون في الإينيموري

«النوم قد يكون أعقد من مجرد استيقاظ مع شروق الشمس ونوم مع حلول الليل». بريغيت ستيغار

«اليابانيون لا ينامون» هكذا يقول الجميع بما فيهم اليابانيون أنفسهم، بالطبع هذا ليس حقيقيًا، لكنه بالتأكيد بوصفه مفهومًا ثقافيًا واجتماعيًا يعد أمرًا مثيرًا للاهتمام.

نشرت الـ«بي بي سي» تقريرًا كتبته «بريغيت ستيغار» (عالمة أنثروبولوجيا، وأستاذة في شؤون آسيا واليابان، جامعة كامبريدج) تحاول فيه التعمق في طريقة اليابانيين في النوم، فقد عرفوا بغفواتهم في الأماكن العامة وأماكن العمل.

لاحظت «بريغيت» أثناء زيارتها الأولى لليابان في الثمانينيات اختلاف سلوك اليابانيين في النوم، فقد اشتهرت اليابان في الثمانينيات باقتصاد عرف لاحقًا بـ«الاقتصاد الفقاعي»، وهو نوع من الازدهار الاقتصادي بسبب المغالاة في المضاربات على سلع فيزداد سعرها عن قيمتها الحقيقية، وكانت الحياة اليومية محمومة إذ امتلأت جداول الناس اليومية بالعمل والترفيه وبالكاد كان لديهم وقت يستغرقون في النوم فيه.

ولاحظت أن اليابانيين يشتكون أحيانًا من أنهم «مهووسون بالعمل»، لكن لا يسع السامع إلا أن يستشعر أن تلك الشكوى تنطوي على نوعٍ من التباهي، فهي تحمل في طياتها الفخر بكونهم مثابرين، وفي ذلك هم متفوقون على بقية البشرية. إلا أنها كانت تتعجب من نوم البعض واقفين في حين  تكدس العشرات من الناس داخل المترو أثناء الذهاب للعمل، ولم يكن أحد يستغرب هذا السلوك.

وجدت «بريغيت» أن هذا السلوك يتناقض مع الصورة الإيجابية عن العامل المثابر، الذي يقتطع من نومه ليلًا ويستهجن الاستيقاظ في وقت متأخر، إلا أنه يكون مصحوبًا بسلوك يعرف بغفوة «إينيموري» وهي القدرة على الغفو في الأماكن العامة وأماكن العمل والمواصلات وأثناء المحاضرات والاجتماعات. فتلك العادة حسب قولها موجودة في كل شرائح المجتمع، النساء والرجال وحتى الأطفال، جميعهم يغفوا أينما شعروا بالحاجة إلى ذلك.

فإذا كان النوم لساعة متأخرة في النهار على السرير يعد نوعًا من الكسل، فبالأحرى النوم أثناء محاضرة يكون أكثر كسلًا وتبلدًا؟ وتتعجب من الحكمة وراء السماح للأطفال بالسهر ليلًا للمذاكرة في حين أنهم ينامون أثناء الحصص الدراسية اليوم التالي؟

لذلك دفعتها كل تلك التناقضات الظاهرية للتعمق في البحث، وصار نمط نوم اليابانيين موضوع رسالة الدكتوراه لاحقًا.

النوم يحتمل العديد من المعاني والأيديولوجيات

تقول إن أول صعوبة واجهتها هي الأحكام المسبقة بأن النوم ليس قضيةً جادة تستدعي الدراسة الأكاديمية. بل كانت تلك الأحكام المسبقة على النوم أحد الأمور التي استرعت انتباهها. وتضيف «إن دراسة وتحليل ترتيبات النوم تكشف عن السلوكيات والقيم الكامنة في السياق الذي يتم فيه مناقشة قضية النوم»، ومن هنا النوم يحتمل معاني وأيديولوجيات متعددة. وتقول إنه من خلال خبرتها توصلت إلى أن:

«الأحداث اليومية الطبيعية هي التي تكشف عن التركيب الأساسي للمجتمع والقيم فيه».

فالنوم قد يكون أعقد من مجرد استيقاظ مع شروق الشمس ونوم مع حلول الليل.

النوم تاريخيًّا

يسود الاعتقاد أن أسلافنا كانوا ينامون ويستيقظون طبيعيًا مع تعاقب الليل والنهار. إلا أن النوم لم يكن مطلقًا بتلك البساطة حتى قبل اختراع المصباح الكهربي.

أثبتت المصادر الموثقة أن أنماط النوم لاقت بعضها استحسانًا والأخرى لاقت التوبيخ. عادة ما كان الناس يسهرون حتى وقت متأخر من الليل يتسامرون أو يمارسون أي نشاطٍ فيه استمتاع وقد كان هذا من السلوكيات المستهجنة، بينما كان يعد استيقاظ الشبان الساموراي في وقت متأخر من الليل للدراسة فضيلة، وأمرًا استوجب الثناء عليه. إلا أن تلك الطريقة لم تكن فعالة فقد كانوا يسهرون ليلًا وينامون أثناء المحاضرات خلال النهار.

أما عن القيلولة، فتقول «بريغيت» إنه قلما تطرقت إليها المصادر التاريخية. وكذلك في الوقت الحاضر، إذ اقتصر التطرق لها على حالات المزاح وإطلاق الدعابات على من يغفون في المواصلات العامة.

إلا أن الاستيقاظ مبكرًا اعتُبرَ «فضيلة» منذ ظهور الكنفوشية والبوذية. فبدايةً نلحظ اهتمامًا خاصًا بجداول موظفي الدولة واستيقاظهم مبكرًا دون بقية طبقات المجتمع. لكن منذ العصور الوسطى اتسع نطاق الفكرة وصارت كل طبقات المجتمع تطبق الاستيقاظ مبكرًا. وعرف الشخص الذي «ينام متأخرًا ويستيقظ مبكرًا» بأنه صاحب فضيلة.

 

من الأمور الأخرى التي أثارت انتباه «بريغيت» اختلاف آراء الأطباء في قضية المساعدة في النوم. ففي بريطانيا يشدد الأطباء على ضرورة فصل الأطفال ليناموا في أسرّتهم الخاصة، فيتعلم الطفل الاستقلال في نومه. أما في اليابان، فيشدد الأطباء على العكس، إذ يصرون على أهمية مساعدة الآباء لأبنائهم في النوم حتى سن المدرسة، فيمدونهم بالطمأنينة في الصغر كي يصبحوا أفرادًا راشدين مستقلين متزنين اجتماعيًا.

تقترح «بريغيت» أن هذا العرف الثقافي المتمثل في مساعدة الآباء أبناءهم في النوم هو السبب في تعود اليابانيين على النوم أثناء تواجد آخرين معهم. صرح العديد من اليابانيين أنهم ينامون بشكل أفضل في ظل صحبة الناس أكثر من نومهم بمفردهم. ولعل أبرز دليل على ذلك تأقلم اليابانيين الناجين من إعصار تسونامي في ملاجئ الإخلاء على مشاركة مساحات النوم الجماعي.

إلا أنها تؤكد أن عرْف اليابانيين في مساعدة الأطفال في النوم ليس بدليلٍ كافٍ لتفسير انتشار طريقتهم في النوم وغفوتهم في كل مكان.

بعد إخضاع الأمر للدراسة عدة سنوات، أدركت أخيرًا أن غفوة «الإينيموري» ليست في حقيقتها نومًا على الإطلاق، فهي نمط نوم يختلف عن النوم ليلًا في السرير وعن القيلولة بأنواعها. ومفتاح إدراك ذلك يكمن في مصطلح «إينيموري» نفسه. فهو يتكون من مقطعين، الأول «إي» ويعني الحضور في موقف ليس نومًا، والثاني «نيموري» ويعني النوم.

ولعل مفهوم «إيرفينخ كوفمان» «الانخراط في المواقف الاجتماعية» يفيد في استيعابنا لأهمية الغفوة اليابانية والقواعد المحيطة بها.

الغفوة في سياقها الاجتماعي

تقول «بريغيت» إننا في كل موقف اجتماعي نكون حاضرين فيه نشترك إما من خلال لغة الجسد أو التعبيرات اللفظية، كما أن لدينا القدرة على تقسيم انتباهنا إلى انخراط رئيسي وآخر ثانوي.

يعد «الإينيموري» نوعًا من الانخراط الثانوي إذ يمكننا الانغماس فيه طالما لم يربك أو يؤثر على الموقف الاجتماعي، وهي في ذلك أشبه بأحلام اليقظة. وفي حين أن الشخص يعتبر غير واعٍ، تكون له القدرة على العودة للانخراط في الموقف الاجتماعي إذا ما تطلب الموقف. كما ينبغي عليه أن يعطي الانطباع بأنه منسجم مع الانخراط الرئيسي من خلال وسائل معينة كوضعية الجسم ولغة الجسد والملابس.

الغفوة وقيمة الجد في العمل

تنتقل «بريغيت» للغفوة في أماكن العمل، وتقول «ربما تكون الإينيموري أمرًا في محله».

تقول إنه من حيث المبدأ، يعد الحضور والمشاركة النشطة متوقعيْن أثناء التواجد في العمل، ومن ناحية قد يوحي النوم في موقف كهذا بالكسل والتراخي. إلا أنه إذا غفا شخص أو غلبه النوم أثناء اجتماع عمل، فقد يلتمس له العذر بسبب إرهاقه أو إصابته بمرضٍ ما، لا سيما أن الاجتماعات عادةً ما تكون طويلة. وحينها يُلقَى باللوم على «شيطان النوم الذي هاجمه».

تقول «بريغيت» إنه في اليابان ينظر بالتقدير لمقدار المجهود الذي بذله الشخص في سبيل الحضور أكثر مما تم إنجازه، فالمشاركة هي الأهم.

وتضيف أن الجد في العمل الذي يظهر من خلال ساعات العمل الطويلة يعد «صفة أخلاقية إيجابية» وتبين مدى إصرار الشخص وتحمله للمسؤولية فضلًا عن استعداده للتضحية. وبتغلب الشخص على ضعف جسده واحتياجاته يصبح محصنًا أخلاقيًا وذهنيًا ويكون مفعمًا بالطاقة الإيجابية، ويكون بذلك شخصًا جديرًا بالثقة وعلى الأرجح تتم ترقيته.

الغفوة وقيمة التواضع

تشير «بريغيت» إلى قيمة أخرى يقدرها المجتمع الياباني وهي التواضع، إذ إنه من المستبعد أن يتباهى الياباني بكم الجهد الذي بذله في العمل. ولعل هذا السلوك يخلق طرقًا أخرى أدق للتقدير الاجتماعي. وطالما ينظر للإرهاق على أنه نتيجة للجد والإنهاك في العمل فإن الغفوة هي الأخرى علامة على أن الشخص بذل كل ما في جهده، ومع ذلك لا يزال لديه من الفضيلة الأخلاقية والقوة ما يسيطر به على مشاعره.

وتختم تقريرها بالتأكيد على أن غفوات اليابانيين لا تعني بالضرورة أنهم أكثر كسلًا، بل هو أحد الملامح غير الرسمية لحياة اليابانيين الاجتماعية التي تعمد إلى ضمان إنجازهم المهام اليومية من خلال طريقة تسمح لهم بأن ينأوا قليلًا بأنفسهم أثناء تواجدهم وسط تلك المهام.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد