نشرت صحيفة جابان تايمز اليابانية مقالًا لـ كينيث روف، مدير مركز الدراسات اليابانية بجامعة بورتلاند ستيت، سلَّط فيه الضوء على هشاشة النظام الإمبراطوري في اليابان.

ويستهل الكاتب مقاله بالقول إن الهشاشة الهائلة للخط الإمبراطوري في اليابان أصبحت مرة أخرى في دائرة الضوء مع مضي اليابان قُدمًا في مراسم التنصيب الرسمي لولي العهد الأمير أكيشينو يوم الأحد الموافق الثامن من نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري، والذي تأجل ذات مرة بسبب جائحة كوفيد–19.

دولي

منذ شهرين
«فورين بوليسي»: هدفه الاستقرار وليس الابتكار.. من هو رئيس وزراء اليابان الجديد؟

وبكل المقاييس، فإن ولي العهد وزوجه، الأميرة كيكو، هما شخصان مخلصان ومحل تقدير ويحاولان استغلال مَكانتهما الإمبراطورية في جعل العالم مكانًا أفضل. وقد استمرا، جنبًا إلى جنب مع الإمبراطور ناروهيتو والإمبراطورة ماساكو وغيرهما من أفراد العائلة الإمبراطورية، في السير على خُطى الإمبراطور والإمبراطورة السابقَيْن من خلال مُخالطة مُواطنيهم على نحو منتظم (رغم أن الاختلاط مسألة ثَبُتت صعوبتها وخطورتها وقت الجائحة).

ويلفت الكاتب إلى أن من يهتمون في اليابان بالبيت الإمبراطوري لا بد وأن يكونوا مُمْتنين لحقيقة أن ولي العهد أكيشينو قد قَبِل باحترام منصبه الثانوي، ذلك أن منصبه يعتمد على نظام وراثي يصعب أن تجده، في ظل هذا الوضع النهائي الذي يُحدَّد فيه مستقبل الطفل وفقًا لترتيب الميلاد، في مواطن أخرى من المجتمع الياباني في القرن الحادي والعشرين.

مصدر القلق في اليابان

وأردف الكاتب قائلًا إنه رغم أن عديدًا من الناس في اليابان شاهدوا بقدر عظيم من الافتتان (وربما الخوف في بعض الدوائر)، عندما أدار الأمير هاري ظهره إلى الحياة الملكية في الأساس لكون دوره ثانويًّا لأخيه الأكبر، الأمير ويليام الذي سيرث العرش على الأرجح، إلا أن مصدر القلق غير المعلن إلى حد كبير هو «ماذا لو حدث شيء مشابه في اليابان»؟

لا بد أن يكون القلق في اليابان أكثر وضوحًا بالنظر إلى أزمة الوريث. ومع تقدم الحداثة، بات من الممكن على نحو متزايد أن نتصور أن المزايا المترتبة على الولادة في عائلة ملكية، على الأقل بالنسبة لبعض أفراد العائلة المالكة، لا تفوق بالضرورة العيوب، وخاصة بالنسبة لأي شخص آخر غير الطفل الذي يرث العرش. وكان رحيل الأمير هاري مؤخرًا عن بريطانيا بمثابة الدليل الملموس على هذه الفرضية.

النظام الإمبراطوري الهش

وأوضح الكاتب أن هناك فرقًا شاسعًا بين الإمبراطور والإمبراطورة وجميع أفراد العائلة الإمبراطورية الآخرين في حالة اليابان؛ إذ إن الأعضاء الآخرين في العائلة الإمبراطورية يمثلون الفريق الاحتياطي، إذا صح التعبير، دون قصد الإساءة (خاصة وأن مناصبهم تستند إلى الولادة بدلًا من نظام الجدارة)، لكن هذا هو واقع الحال.

Embed from Getty Images

أضف إلى هذه المعادلة حقيقة مفادها أن سياسة التوريث في اليابان القاصرة على الذكور مسؤولة عن الوضع الراهن؛ حيث لا يوجد في الوقت الحالي سوى وريثين مؤهلين للجلوس على العرش، ولي العهد أكيشينو وولده الأمير هيساهيتو الذي يبلغ من العمر 14 عامًا، ما يجعل المرء يبدأ في إدراك حقيقة أن الخط الإمبراطوري الياباني قد يكون هشًا إلى حد كبير.

وأشار الكاتب إلى أن ولي العهد أكيشينو، 54 عامًا، أصغر بخمس سنوات من شقيقه الإمبراطور، وفي حال اعتلى العرش في أي وقت (من السهل تخيل ذلك، بناءً على توقيت وفاة أخيه الأكبر أو تنازله عن العرش، وقد يتنحى ولي العهد لصالح ابنه)، فإن عهده من المحتمل أن يكون قصيرًا. ولكن هذا ليس سوى مسألة هامشية مقارنةً بحقيقة أنه هو وزوجه الأميرة كيكو يربيان العضو الذكر الوحيد في الجيل التالي من السلالة الإمبراطورية، وليس من قبيل المبالغة القول إن مستقبل الخط الإمبراطوري يقع على عاتق الأمير هيساهيتو الذي يبلغ من العمر 14 عامًا.

وينوَّه الكاتب إلى أنه من الممكن أن تُعد تلك المسألة من قضايا حقوق الإنسان بسهولة إذا سلَّطنا الضوء على بعض السيناريوهات التي يمكن أن تحدث مستقبلًا، ولنتأمل على سبيل المثال الضغوط الهائلة التي سوف يتعرض لها الأمير هيساهيتو وزوجه المستقبلية لإنجاب ولد (وسيعني ولادة ولد واحد فقط أن الهشاشة الهائلة للخط الإمبراطوري سوف تستمر لجيل آخر).

تعريض مستقبل البيت الإمبراطوري للخطر

ويشير الكاتب إلى أنه أجرى أبحاثًا وكتب عن العائلة الإمبراطورية اليابانية لأكثر من 25 عامًا، لأنها كانت نافذة مفيدة للغاية لفهم الجوانب المختلفة لليابان الدائمة التطور، لافتًا إلى أنه كتب عن كل جانب تقريبًا من جوانب البيت الإمبراطوري.

ولكن هنا في عام 2020، ومع تأكيد النساء لجَدارتهن في جميع أنحاء العالم وتحول المساواة بين الجنسين إلى معيار عالمي، فإن ما يبرز أكثر من أي شيء آخر عن البيت الإمبراطوري الياباني يتلخص في الإصرار العنيد لساسة البلاد على الحفاظ على نظام الذكور فقط، وحتى لو كان هذا يعني تعريض مستقبل البيت الإمبراطوري للخطر.

وما زال المحافظون يتباهون بسلالة الذكور غير المنقطعة (وهو ما يشكك في دقته المؤرخون الذين يقدرون الأدلة التجريبية) باعتبار ما يُفترض أنها تجعل اليابان فريدة على نحو خاص، وبطبيعة الحال فإنهم يستخدمون مفهوم التقاليد بقدر عظيم من الإجلال.

Embed from Getty Images

مفهوم التقاليد

ويتابع الكاتب قائلًا: بالنظر إلى أن كثيرًا من الناس يفتنهم السحر المرتبط بمصطلح التقاليد، فإنه من الضروري التمعُّن في مفهوم التقاليد.

لا يوجد تعريف مقبول لمفهوم التقاليد (على سبيل المثال، إلى متى بالضبط يجب أن تستمر الممارسة باعتبارها تقليدًا)؟ كانت المجتمعات، عبر التاريخ، تنظر في قيمة التقاليد المختلفة، وتتجاهل تلك التي لم تعد مفيدة أو لم تعد تتماشى مع العصر. وتساءل الكاتب: كيف يمكن أن يحدث التغيير، بل التقدم، بطريقة أخرى؟

تاريخ

منذ شهر
نهضة فكبوة فمعجزة.. كيف عادت الصين لتصبح قوة عظمى بعد إذلالها؟

لم يعد لدى اليابان نظامًا إقطاعيًّا، محاربو الساموراي والمُزارعون والحِرفيون والتجار، الذي دخلت به اليابان العالم الحديث في حقبة الإمبراطور ميجي الإصلاحية عام 1868. وهذا مجرد مثال واحد من عديد من الأمور المرصودة لتذكير اليابانيين بأنهم تجاهلوا ما يسمى بـ«التقاليد» على نحو دوري.

واختتم الكاتب مقاله بالقول: إذا كانت اليابان ستستمر في العمل بنظام البيت الإمبراطوري، فلا بد أن يكون هذا البيت داعمًا لمبدأ المساواة بين الجنسين من خلال السماح بوجود إمبراطورة حاكمة. إن سر بقاء البيت الإمبراطوري الياباني لحقبة طويلة لا يكمن في الالتزام الصارم بالتقاليد، بل على العكس تمامًا، إن السر يكمن في الرغبة في مواكبة اتجاهات العصر والتخلي عن التقاليد التي لم تعد تناسب الأعراف المجتمعية المتغيرة واعتماد ممارسات جديدة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد