لم يختف اسم جيفري إيبستين من عناوين الأخبار حتى بعد مرور أيام على انتحاره، فقد ظل رجل الأعمال البارز، الذي كان يُحاكم بتهمة الإتجار بالجنس، يتصدر الأخبار مع تكشف تفاصيل جديدة حياته خاصة العلاقات الخاصة والمريبة أحيانًا التي كانت تجمعه بشخصيات بارزة من بينها دونالد ترامب.

وفي أحدث سلسلة من عمليات الكشف تلك يروي الكاتب جيمس ستيوارت في مقال بصحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية تفاصيل مقابلة أجراها بنفسه مع إيبستين وما انطوت عليه من أمور وأسرار مثيرة. فمنذ عام تقريبًا، وتحديدًا في 16 أغسطس (آب) 2018، يقول ستيوارت إنه زار إيبستين في قصره في مانهاتن.

مقابلة غريبة

وكان الانطباع المسيطر على الكاتب، أثناء حديثهما الذي استمر حوالي 90 دقيقة، هو أن إيبستين كان يعرف عددًا مذهلًا من الأثرياء والمشاهير وأصحاب النفوذ، وكان لديه العديد من الصور الفوتوغرافية لإثبات ذلك. بالإضافة إلى أنه ادعى معرفته بالكثير عن هؤلاء الأشخاص، بعض مما يعرفه يحتمل أن يكون ضارًا أو محرجًا، بما في ذلك تفاصيل حول ميولهم الجنسية المفترضة وتعاطيهم المخدرات للترفيه عن أنفسهم.

لذلك، كان أول ما فكر فيه ستيوارت، كما يقول، عند سماعه نبأ انتحار إيبستين هو أن عددًا من الرجال البارزين، وعلى الأقل بعض النساء قد تنفسوا الصعداء ارتياحًا لحقيقة أن أيًا كان ما يعرفه إيبستين عنهم، فقد دفن معه.

خلال المحادثة، يقول ستيوارت إن إيبستين لم يخف ماضيه الفاضح، فقد أقر بذنبه في تهم دعارة القاصرات الموجهة له واعتباره مجرمًا جنسيًا، واعترف بأنه كان منبوذًا في المجتمع المهذب. لكنه في الوقت نفسه، بدا غير آسف. وأوضح أن سوء السمعة هي التي جعلت كثيرين على استعداد للثقة به. فالجميع لديهم أسرارهم، والتي حين تقارن بأسراره، على حد قوله، تبدو أقل ضررًا. وادعى أن الناس وثقوا به دون الشعور بالحرج أو غرابة الموقف.

Embed from Getty Images

علاقة إيبستين بإيلون ماسك و«تسلا»

ويوضح ستيوارت أنه لم يكن قد التقى جيفري إيبستين قبل هذا اللقاء، وأنه سعى للتواصل معه بعد أن وصلته هو وزملائه شائعات تفيد بأن إيبستين كان يقدم الاستشارات للرئيس التنفيذي لشركة «تسلا» المتعثرة، إيلون ماسك، والذي كان في ورطة بعد أن أعلن عبر «تويتر» أنه وفر تمويلات لتخصيص الشركة.

على إثر التغريدة، بدأت لجنة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية في التحقيق في تصريحات ماسك، والتي تسببت في تحريك الأسواق، ولكن لم يبد أن لديها الكثير من الأسس الواقعية. وكانت هناك دعوات موجهة لماسك للتخلي عن منصبه باعتباره رئيسًا لشركة «تسلا»، ودعوات للشركة لتوظيف المزيد من المديرين المستقلين. ويقول ستيوارت إنه نمى إلى علمه أن إيبستين كان يجمع قائمة من المرشحين بناءً على طلب ماسك، وأنه – أي إيبستين – لديه رسالة بريد إلكتروني من ماسك يأذن له فيها بالبحث عن رئيس جديد.

غير أن ماسك و«تسلا» نفيا بشدة هذا الأمر. وقالت متحدثة باسم ماسك، وهي كيلي سولبريزيو يوم الاثنين الماضي: «من الخطأ القول إن إيبستين قد قدم الاستشارات أو النصح لإيلون على الإطلاق في أي شيء».

تفاصيل المقابلة

يحكي ستيوارت أنه حين تواصل مع جيفري إيبستين بخصوص إجراء مقابلة معه، وافق بسهولة. وكان الشرط الوحيد هو «إخفاء الهوية»؛ مما يعني أن ستيوارت كان بإمكانه استخدام المعلومات طالما أنه لن ينسبها مباشرة إلى إيبستين. (يوضح ستيوارت أنه اعتبر هذا الشرط منقضيًا مع وفاة إيبستين).

ووفقًا لما سرده ستيوارت، فقد أصر إيبستين على استقباله في منزله، وهو المنزل الذي يشار إليه على أنه أكبر منزل لعائلة واحدة في مانهاتن. وقد بدا هذا معقولًا بالنسبة للكاتب، إذ يقول: «كنت أتجول في البداية بجوار المبنى، في الشارع الشرقي رقم 71، كان يشبه سفارة أو متحف أكثر منه كونه منزلًا خاصًا. وبجانب الأبواب المزدوجة الفخمة كانت هناك لوحة نحاسية مصقولة عليها الأحرف الأولى J.E. بالإضافة إلى الجرس». وبعد أن قرع ستيوارت الجرس، فتحت له امرأة شابة الباب، وكان شعرها الأشقر مسحوبًا إلى الخلف على هيئة عقدة، واستقبلته بما بدا وكأنها لهجة أوروبية شرقية.

يقول ستيوارت: إنه لم يستطع الجزم بحقيقة عمر الشابة التي استقبلته، لكنه خمن أنها في السنوات الأخيرة من عمر المراهقة أو ربما في العشرين. ونظرًا لماضي إيبستين، فقد أدهش ذلك ستيوارت للغاية، موضحًا أن سبب دهشته هو السؤال التالي: لماذا يريد إيبستين أن يكون الانطباع الأول للمراسل الذي قدم لإجراء مقابلة هو أن تفتح له فتاة شابة الباب؟

Embed from Getty Images

قادت الشابة  ستيوارت، وفقًا لروايته، عبر درج هائل يؤدي إلى غرفة في الطابق الثاني تطل على متحف فريك الذي يقع في الجهة المقابلة من الشارع. كانت الغرفة هادئة، والإضاءة خافتة، وضُبط مكيف الهواء على وضع منخفض للغاية. وبعد بضع دقائق كان جيفري إيبستين يتحرك في أرجاء الغرفة، مرتديًا بنطال من الجينز وقميص من ماركة بولو، وصافح ستيوارت وقال له إنه معجب كبير بعمله وتعلو وجهه ابتسامة كبيرة وترحيب دافئ، بالإضافة إلى كونه أنيقًا وحيويًا، ربما كان هذا تأثير اليوجا التي قال إنه كان يمارسها. وبلا شك، كان يمتلك كاريزما قوية، وفقًا لوصف ستيوارت.

قبل أن يغادرا الغرفة، اصطحب إيبستين الكاتب إلى جدار مغطى بصور مؤطرة. وأشار إلى لقطة كاملة لرجل يرتدي الزي العربي التقليدي. وقال «هذا إم بي إس» في إشارة إلى محمد بن سلمان ولي عهد المملكة العربية السعودية. وقال إيبستين إن ولي العهد زاره عدة مرات، وكثيرًا ما كانا يتحدثان إلى بعضهما البعض، بحسب رواية ستيوارت.

ثم قاده إلى غرفة كبيرة في الجزء الخلفي من المنزل، كما يروي ستيوارت. وكان هناك طاولة هائلة حولها حوالي 20 كرسي. جلس إيبستين على رأس الطاولة وجلست ستيوارت إلى يساره. كان إلى يمينه كمبيوتر وسبورة صغيرة وهاتف. وأوضح لستيوارت أنه كان يجري بعض عمليات التداول للعملات الأجنبية.

خلفه، كانت هناك طاولة مغطاة بمزيد من الصور. وجذبت الصور التي جمعت إيبستين مع الرئيس السابق بيل كلينتون، ومع المخرج وودي آلن، انتباه ستيوارت. وهو الأمر، الذي يقول ستيوارت، إنه أصابه بحالة جديدة من الدهشة لاستعراض صور التي جمعت إيبستين مع المشاهير الذين كان لهم فضائحهم الجنسية الخاصة.

أسرار دفينة

وبالحديث عن مسألة «تسلا»، تجنب جيفري إيبستين، وفقًا للكاتب، تفاصيل عمله مع الشركة، وقال إنه كان لديه سببًا وجيهًا ليكون خفيًا، وبمجرد أن أصبح أمر تقديمه للاستشارات للشركة علنيًا، كان عليه أن يتوقف عن فعل ذلك؛ لأنه كان بمثابة «المادة المشعة ذات التأثير الضار». وتوقع أن ينكر الجميع في «تسلا» تحدثهم معه أو كونه صديقًا.

وبحسب ستيوارت، فقد قال إيبستين إن هذا شيء اعتاد عليه، على الرغم من أنه لم يمنع الناس من زيارته أو القدوم إلى حفلات العشاء أو طلب المال منه. (لهذا السبب، قال إيبستين دون أي أثر للسخرية في لهجته، إنه كان يفكر في أن يصبح وزيرًا حتى يثق معارفه في أن محادثاتهم ستظل سرية).

ويشير الكاتب إلى أنه على النقيض من الحديث المتحفظ لإيبستين حول «تسلا»، فقد كان أكثر انفتاحُا في مناقشة اهتمامه بالشابات. فقد قال إن تجريم ممارسة الجنس مع الفتيات المراهقات كان يمثل انحرافًا ثقافيًا، وفي بعض الأوقات من التاريخ كان الأمر مقبولًا تمامًا. وأشار إلى أن المثلية الجنسية أعتبرت لفترة طويلة جريمة، ولا يزال يعاقب عليها بالإعدام في بعض أنحاء العالم.

ثم تحول إيبستين لمناقشة الأسماء البارزة الأخرى في دوائر التكنولوجيا، إذ قال، وفقًا لرواية ستيوارت، إن الناس في وادي السيليكون كانت لديهم سمعة لكونهم مدمني عمل مهوسين، لكن ذلك بعيد عن الحقيقة: كانوا باحثين عن المتعة الجنسية ومتعاطين للمواد المخدرة بانتظام. وقال إنه شهد شخصيات بارزة في مجال التكنولوجيا يتعاطون المخدرات ويرتبون لممارسة الجنس (أكد جيفري إيبستين أنه لم يشرب أو يتعاطى أي نوع من المخدرات أبدًا).

يقول ستيوارت إنه ظل يحاول توجيه دفة الحوار مرة أخرى نحو «تسلا»، لكن إيبستين ظل محافظًا على أسلوبه المراوغ، مضيفًا أن إيبستين قال إنه تحدث إلى السعوديين حول إمكانية الاستثمار في «تسلا»، لكنه لم يقدم أي تفاصيل أو أسماء. وعندما واجهه ستيوارت بمسألة البريد الإلكتروني المزعوم من ماسك، أجاب إيبستين بأن البريد الإلكتروني لم يكن مرسلًا من ماسك نفسه، لكن من شخص مقرب منه. غير أنه، بحسب رواية ستيوارت، لم يفصح عن هذا الشخص.

إيلون ماسك Elon Musk

وبسؤاله حول ما إذا كان هذا الشخص من الممكن أن يوافق على التحدث مع الكاتب، قال إنه سيسأله. وفي وقت لاحق أخبره جيفري إيبستين أن هذا الشخص قد رفض، لكن ستيوارت يشك في أنه قد وجه إليه الطلب من الأساس.

يوضح ستيوارت في مقاله إنه في وقت لاحق، عندما تأمل في تلك المقابلة، أدهشته قلة المعلومات التي قدمها إليه إيبستين بالفعل. وبينما لا يستطيع قول أن أي شيء مما قاله إيبستين كان كذبة صريحة، كان كثير من هذه المعلومات غامضًا أو ناتجًا عن تأملات واستنتاجات، ولا يمكن إثباتها أو دحضها، مشيرًا إلى أن إيبستين كانت تجمعه على الأقل بعض العلاقات مع ماسك، فقد ظهر ماسك في صورة متداولة على نطاق واسع مع جيسلين ماكسويل، المقربة من إيبستين ورفيقته السابقة، في حفل فانيتي فير للأوسكار لعام 2014.

لكن سولبريزيو، المتحدثة باسم ماسك، ترد على هذه المسألة قائلة: إن «جيسلين أقحمت نفسها خلف ماسك دون علمه وهو يقف مستعدًا لالتقاط صورة له».

حب للشهرة واحتياج للرفقة

يصل الكاتب هنا إلى استنتاج مفاده أن إيبستين عمد إلى تلميع دوره في مسألة «تسلا» لتعزيز أهميته الخاصة وجذب الانتباه إليه، وهو الأمر الذي يبدو وكأنه يمثل نمطًا لديه. بعد حوالي أسبوع من تلك المقابلة، يقول ستيوارت إن إيبستين اتصل به وسأله عما إذا كان يود تناول العشاء في يوم السبت مع وودي ألن ومعه. لكن ستيوارت أجاب بأنه سيكون خارج المدينة.

بعد ذلك ببضعة أسابيع، طلب منه الانضمام إليه لتناول العشاء مع المؤلف مايكل وولف ومستشار دونالد ترامب السابق، ستيف بانون. لكن ستيوارت رفضت مجددًا. (لا يعرف الكاتب ما إذا كان هذه العشاء قد حدثت بالفعل أم لا. إذ قال بانون إنه لم يحضر. ولم يرد وولف والمتحدث باسم ألن على طلبات التعليق يوم الاثنين).

مرت عدة أشهر. ثم في وقت مبكر من هذا العام، وبحسب رواية ستيوارت، تواصل إيبستين معه لسؤاله عما إذا كان مهتمًا بتدوين سيرته الذاتية. بدا صوته حزينًا. وشعر ستيوارت أن كل ما يريده إيبستين حقًا هو الرفقة. ولو كان ستيوارت قبل تلك المهمة فلن يكون لديه أي خيار سوى قضاء ساعات في الاستماع إلى حياة إيبستين الملحمية. لكنه كان حذرًا بالفعل من تكوين أي روابط إضافية مع إيبستين، ولم يتردد في إخباره أنه مشغولًا بالفعل بكتاب آخر.

كان هذا آخر ما يعرفه ستيوارت عن إيبستين، بحسب روايته. وبعد إلقاء القبض عليه ثم انتحاره، وقع ستيوارت في الحيرة والتساؤل: أي معلومات ذات قيمة ربما يكون قد أخبره إيبستين بها؟

تعيين قوادات واستعباد جنسي.. «ذي إنترسبت» تكشف حياة مزدوجة يعيشها العتيبة

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد