كتبت صحيفة «الجارديان» البريطانية تقريرًا عن واحدة من أسوأ قصص العنف الأسري المعروفة في التاريخ: قصة الفتاة الأمريكية المعروفة بـ«جيني»، التي حازت اهتمام الإعلام فترة طويلة من الزمن.

حكى التقرير بداية اكتشاف حالة جيني عندما تعثرت إلى مكتب من مكاتب الخدمة الاجتماعية، بإحدى مقاطعات لوس أنجلوس، طفلة متشردة شاحبة تمسك يديها بطريقة غريبة، كالأرانب. كانت الفتاة تبدو في حوالي السادسة أو السابعة. والدتها الضريرة كانت تبحث عن مكتب يقدم خدمات لفاقدي البصر، وقد دخلت الغرفة الخطأ.

لكنَّ الفتاة الصغيرة أذهلت موظفي الخدمة الاجتماعية.

في البداية افترضوا إصابتها بالتوحد. ثم اكتشفوا أنها لا تستطيع الكلام. كانت مصابة بسلس البول، ويسيل لعابها وتبصق. كان لها صفان تقريبًا من الأسنان الزائدة، وهي حالة طبية نادرة تعرف بـSupernumeraries أو الأسنان الفائضة. كانت تستطيع بالكاد أن تمضغ أو تبلع، ولم يكن بإمكانها أن تركز عينيها بشكل كامل أو تمد أطرافها. كانت تزن 59 رطلًا فحسب (26 كيلوجرامًا)، واتضح أنها كانت في الـ13 من عمرها.

اسمها جيني (وهو اسم أعطي لحماية هويتها). كان أبوها المختل قد ربطها بسترة مصنوعة يدويًا في غرفة صامتة في منزل في إحدى الضواحي مذ كانت طفلة صغيرة. حرم عليها أبوها البكاء والتحدث أو عمل ضوضاء وكان يضربها وينبح في وجهها مثل الكلب.

بحسب التقرير، فقد عرضت قصة جيني في الأخبار بصفتها واحدة من أسوأ حالات سوء معاملة الأطفال في الولايات المتحدة. وتساءل والتر كرونكايت، كيف يمكن لحي سكني هادئ في شارع جولدن وست، بمدينة تمبل، وهي بلدة هادئة بكاليفورنيا، أن يخرج منه طفلة متوحشة، محرومة من اللمسة الإنسانية إلى درجة أنها تقارن بحالات مثل حالة الطفل الذئب بولاية هسن في القرن الـ14، والطفل الدب في ليتوانيا عام 1661، وفيكتور أوف أفيرون، وهو طفل تربى في غابات فرنسا وقت الثورة؟

بمرور الوقت، قلَّ ذكر جيني في عناوين الأخبار، فقد كانت فيتنام تحترق، وكان فريق البيتلز في وسط انفصاله، لكنها، مع ذلك، حافظت على اهتمام العلماء، خصوصًا اللغويين منهم، الذين اعتبروها صيدًا ثمينًا لنموها دون لغة أو تدريب اجتماعي، فكانوا يتساءلون هل يمكنها الآن أن تتعلم اللغة.

وفي محاولة للإجابة على هذا السؤال، أجرى الباحثون مسحًا لمخها وتسجيلات صوتية، وأجروا تجارب لا عد لها، وجمعوا ركامًا من البيانات، والأوراق البحثية المنشورة. وبالتدريج فقدوا هم أيضًا اهتمامهم، باستثناء القليلين منهم.

وأضاف التقرير أنه بحلول سبعينيات القرن المنصرم، كان قد ضرب ستار من الغموض حول جيني. ولما كانت تحت وصاية كاليفورنيا، فقد أودعتها السلطات في مؤسسات تديرها الولاية، وأخفت مكان وجودها. وبعد أربعة عقود، يبدو أنها ما زالت تحت رعاية الدولة.

وقالت سوزان كرتيس، أستاذة اللغويات بجامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس، والتي درست حالة جيني وصادقتها: «أنا متأكدة أنها ما زالت حية، لأنني سألت عنها في كل المرات التي حاولت فيها الاتصال بها، وقد أكدوا لي أنها بخير. لم يتركوني أبدًا أتواصل معها. لقد باءت كل محاولاتي لزيارتها أو الكتابة لها بالفشل. أظن أنَّ آخر تواصل لي معها كان في بداية الثمانينيات».

وقد رفضت السلطات الإجابة عن تساؤلات الجارديان. وقالت كيم تسوشيدا، منسقة قانون السجلات العامة بقسم الخدمات الاجتماعية في كاليفورنيا: «لو أنَّ جيني حية، فإنَّ المعلومات المتعلقة بها سرية ولا تطابق معايير المعلومات المتاحة بموجب قانون السجلات العامة. نقترح أن تتواصلوا مع مقاطعة لوس أنجلوس بخصوص طلبكم». فعلت الجادريان ذلك، فحولتْ مقاطعة لوس أنجلوس استفسار الصحيفة إلى سلطات الصحة العقلية، التي لم تستجب إلى الطلب المكتوب.

ومع اقتراب جيني من عيد ميلادها الستين، ما زال مصيرها غامضًا. هل تعلمت الكلام؟ هل تعلمت التواصل مع الناس؟ وأن تكون سعيدة؟ عدد قليل من الناس على علم بإجابات هذه الأسئلة.

لكنَّ لهذه القصة فصلًا إضافيًّا: مصير الأفراد الآخرين. فيبدو أنَّ الجميع، كما اتضح، قد تشوهوا، من جراء تلك القصة، نفسيًا ومهنيًا بطرق لم يتوقعها أحد، وما زال بعض هذه الآثار مستمرًا حتى اليوم.

كان هناك العلماء والمهتمون الذين درسوا حالة جيني، وفي بعض الحالات، أحبوها. انهار تعاون أولئك الناس واستحال نزاعات وثأرًا وتشويهًا للسمعة.

كان هناك الكاتب الذي أرخ لهذه الملحمة واكتشف أنها تسيطر على حياته، فانتقل إلى باريس ليهرب، لكنَّ قصة جيني تبعته وفرضت نفسها بطرق أخرى.

كان هناك الأخ الأكبر لجيني، الذي عانى هو الآخر من أبيه. وبحسب كلماته فقد عاش «كالميت» وخذل ابنته، التي بدورها خذلت بناتها.

تبدأ القصة بوالد جيني، كلارك وايلي، الذي نشأ في دار رعاية في منطقة شمال غرب المحيط الهادئ، وكان يعمل على إحدى الماكينات في خطوط تصنيع الطائرات في لوس أنجلوس أثناء وبعد الحرب العالمية الثانية. تزوج وايلي من إيرين أوجلسبي، وهي مهاجرة عجفاء تصغره بعشرين عامًا. ولما كان وايلي رجلًا متحكمًا لا يحب الضوضاء، فإنه لم يُرِد إنجاب أطفال. لكن الأطفال جاؤوا. ماتت الأولى، رضيعةً، بعد تركها في مرآب بارد. ماتت الثانية بسبب تعقيدات في عملية الولادة. كان الثالث ولدًا اسمه جون، وقد نجا، وتبعته بخمسة أعوام الفتاة التي سوف تصير معروفة باسم جيني.

عندما قتل سائق شاحنة مخمور أم وايلي عام 1958، انجرف وايلي مع مشاعر الغضب والبارانويا، فتعامل بوحشية مع جون، وحبس ابنته ذات العشرين شهرًا وحدها في غرفة صغيرة، معزولة وبالكاد قادرة على الحركة. عندما لا تكون جيني جالسة على القصرية، كانت تُربط بسترة قماشية وسلك محبوك. فرض وايلي الصمت باستخدام قبضته وقطعة من الخشب. وهكذا قضت جيني حقبة الستينيات.

أما إيرين التي كان يسيطر عليها الخوف وضعف البصر، فقد هربت أخيرًا عام 1970. حدثت الأمور بسرعة بعد أن ضلت الأم طريقها إلى مكتب الخدمة الاجتماعية. قتل وايلي نفسه، بعد اتهامه بسوء معاملة الأطفال، وترك ملحوظة كتب فيها: «لن يفهم العالم أبدًا».

نقلت جيني، التي أصبحت تحت وصاية المحكمة، إلى مستشفى للأطفال في لوس أنجلوس. طلب أطباء أطفال، وعلماء نفس، ولغويون، وخبراء آخرون من كل الولايات المتحدة فحص جيني ومعالجتها، التي كانت بالنسبة لهم فرصة نادرة لدراسة المخ وتطور الكلام، أي دراسة كيف يجعلنا المخ بشرًا.

كان باستطاعة جيني أن تقول بضع كلمات، مثل «أزرق»، و«برتقالي»، و«أم»، و«اذهب»، لكنها ظلت ساكتة ومتحفظة عمومًا. كانت جيني تتقافز كالأرانب، وكانت تتبول وتتبرز عندما تشعر بالتوتر. قال الأطباء إنهم لم يروا طفلًا أكثر تحطمًا منها في حياتهم.

كان التقدم واعدًا في البداية. تعلمت جيني اللعب والمضغ وارتداء ملابسها بنفسها والاستمتاع بالموسيقى، ووسعت من قاموس مفرداتها وكانت ترسم صورًا لتوصيل الكلمات التي لم تكن تعرفها. وكان أداؤها جيدًا في اختبارات الذكاء.

وقالت كرتيس، وهي واحدة من الأعضاء القليلين الذين ما زالوا على قيد الحياة من الفريق البحثي: «اللغة والفكر مختلفان عن بعضهما البعض. بالنسبة للكثيرين منا، فإنَّ أفكارنا يعبر عنها لفظيًا. أما جيني، فإنها لم تعبر عن أفكارها لفظيًا أبدًا تقريبًا، لكن هناك أكثر من طريقة للتفكير. كانت ذكية. كان يمكنها أن تحمل عددًا من الصور تحكي حكاية. كان يمكنها عمل كل أنواع الهياكل المعقدة من العصي. وكان لديها علامات أخرى للذكاء. كانت أنوار دماغها مضاءة».

عقَدَتْ كرتيس، التي كانت تبدأ حياتها الأكاديمية في ذلك الوقت، صلة قوية مع جيني أثناء نزهات السير ورحلات التسوق (معظمها لشراء الجرادل البلاستيكية، التي كانت جيني تجمعها). كما سحر فضول جيني وروحها طباخي المستشفى، والحراس، وغيرهم من الموظفين.

أظهرت جيني أنَّ المعجم اللغوي ليس له حد أدنى على ما يبدو. لكن النحو وصياغة الكلمات في جمل كان أعلى من قدرتها، ما عزز من الرأي القائل بأنَّه بعد سن معينة يكون الوقت قد فات لتعلم هذه الأمور. وقالت كرتيس إنَّ فرصة تعلم هذه الأمور يبدو أنها تنتهي بين سن الخامسة والعاشرة.

هل اللغة هي ما يجعلنا بشرًا؟ تقول كرتيس «إنَّ هذا سؤال تصعب الإجابة عليه. من الممكن أن تعرف القليل جدًا من اللغة وأن تظل إنسانًا بشكل كامل، فتحب وتكون علاقات مع الناس، وتتفاعل مع العالم. من المؤكد أنَّ جيني قد تفاعلت مع العالم. كان بإمكانها أن ترسم بطرق يمكنك من خلالها أن تفهم بالتحديد ما تريد توصيله إليك».

ومع ذلك، فلم يحدث تقدم كبير على نمط ما حدث مع هيلين كيلر. على العكس، فبحلول عام 1972، كانت الخلافات قد فرقت بين المعتنين بجيني والعلماء. فقد اصطدم جان بتلر، مدرس إعادة التأهيل، مع الباحثين وجند إيرين، أم جيني، في حملة ليكون صاحب السلطة على عملية العلاج، واتهم كلا الفريقين الفريق الآخر بالاستغلال.

انتهى تمويل البحث، وانتقلت جيني إلى دار رعاية غير مناسبة. استعادت إيرين الوصاية على جيني لفترة وجيزة، لكنها وجدت نفسها غير قادرة على تحمل هذه المسؤولية، فأعيدت جيني إلى دار رعاية أخرى، ومنها انتقلت إلى سلسلة من مؤسسات الدولة تحت رعاية موظفي الخدمة الاجتماعية الذين منعوا وصول كرتيس وآخرين إليها. وسرعان ما انعكس تقدم جيني، ربما للأبد.

أما روس رايمر، وهو صحافي كتب عن القصة في مقالين في مجلة النيويوركر، وكتابًا بعنوان: «جيني: مأساة علمية»، فقد رسم صورة قاتمة لصور عيد ميلادها الـ27.

قال روس واصفًا جيني: «امرأة ضخمة متلعثمة، بتعابير وجه تشبه البقرة في عدم الفهم… كانت عيناها تركزان بصعوبة على الكعكة. وكان شعرها مبعثرًا برثاثة أعلى جبهتها، معطيًا إياها سمت واحدة مجنونة».

وقال جاي شورلي، أستاذ الطب النفسي والعلوم السلوكية، والذي كان حاضرًا تلك الحفلة، وحفلة عيد ميلادها الـ29، إنها كانت تعيسة، منحنية، ولم تتواصل بالعين إلا نادرًا. كان منظرها يقطع نياط القلب».

ومنذ ذلك الحين، وقد أسدل ستار على حياة جيني، لكنَّ خيطًا من الحزن ما زال يربط أولئك الذين تركتهم خلفها.

بالنسبة للعلماء الذين ما زالوا على قيد الحياة، فإنًّ شعورهم ناحية جيني هو الندم المشوب بالحزن. فقد قال شورلي: «لقد كانت إنسانة منعزلة، محبوسة كل تلك السنوات الطويلة، ثم خرجت لتعيش في عالم أكثر عقلًا لفترة من الزمان، واستجابت لهذا العالم، ثم أغلق الباب فانسحبت مرة أخرى، وكانت روحها متعبة».

كرتيس، التي كتبت كتابًا عن جيني، وهي واحدة من باحثين قلائل خرجوا من تلك الملحمة دون المساس بمصداقيتهم، تشعر بالأسى البالغ حتى يومنا هذا. وقالت كرتيس: «لم أعد على تواصل معها، لكن ليس الأمر بيدي. فلم يسمحوا لي أبدًا بالاتصال بها. لقد باءت محاولاتي لزيارتها أو الكتابة إليها بالفشل. أتوق لرؤيتها. هناك فجوة في فؤادي وروحي من عدم القدرة على رؤيتها، لا أستطيع التخلص منها».

وقال رايمر في مقابلة صحافية إنَّ قصة جيني قد أثرت على كل أطرافها، بما فيهم هو نفسه. وأضاف رايمر: «كانت سنوات طويلة وصعبة ومتعبة. تحكمت هذه القصة في حياتي وفي رؤيتي للعالم. أثرت فيّ الكثير من الأشياء حول هذه القضية. ربما يكون هذا جبنًا، لكنني شعرت بالراحة عندما استطعت الهرب من هذه القصة، لأنَّ الأمر كان غير محتمل كل مرة كنت أدخل فيها تلك الغرفة (التي كبرت فيها جيني)».

لكنًّ رايمر اكتشف عدم قدرته على الهرب بشكل كامل، فقال: «كنت أنخرط في قصة أخرى، لكن كان عليَّ أن أواجه القدر الذي تشبهني به جيني. كونها مجبرة على الصمت، وغير قادرة على التعبير عن نفسها. أظنَّ أنَّ هذا الأمر يعبر عن كل الناس. أظنَّ أنَّني حين كنت أكتب عنها، كنت أكتب عن نفسي، إلى حد ما».

وقال رايمر إنَّ جيني قد اخترقت الرواية الأخيرة التي كتبها، بعنوان «شفق باريس»، وتدور أحداثها في فرنسا عام 1990. وقال: «تفصل الرواية، كما تفعل قصة جيني بشكل أكثر حرفية، محاولة هروب من غرفة رطبة صغيرة وحياة خانقة، إلى مستقبل مشرق، وتنتهي المحاولة بالفشل. الرواية عن الصلة بين العلم والمشاعر. وها أنا ما زلت أحاول حل بعض هذه المشكلات. لقد طرحت جيني عليّ، في تجربتي الصحافية، بطريقة لم أكن لأتوقعها أبدًا، أسئلة سوف تظل تصاحبني للأبد».

أما جون، أخو جيني، فلم يتخلص أبدًا من إرث إساءة كلارك وايلي. فقد أخبر إي بي سي نيوز عام 2008، بعد ما تعرض له من ضرب، وبعد أن شهد معاناة أخته: «أشعر أحيانًا أنَّ الله قد تخلى عني. وربما أكون أنا من تخليت عنه». كانت آخر مرة رأى جون فيها جيني عام 1982، وفقد التواصل مع أمهما، التي ماتت عام 2003. وقال جون: «حاولت إخراج جيني من مخي بسبب ما كنت أشعر به من عار، لكنني سعيد أنها حصلت على بعض المساعدة».

بعد أن وقعت لجون بعض المشكلات القانونية، استقر في أوهايو وعمل نقاشًا للمنازل وتزوج وأنجب فتاة تدعى باميلا. لكن زواجه انهار، ولجأت ابنته للمخدرات.

في 2010، وجدت الشرطة باميلا في حالة سكر واتهمتها بتعريض ابنتيها للخطر. لا معجزات هنا، ولا نهايات سعيدة. توفي جون، الذي كان مصابًا بالسكر عام 2011. وماتت باميلا، التي من الظاهر أنها لم تر عمتها أبدًا، في 2012.

بحسب الفولكلور العربي، فإنَّ جيني (التي تعني «جِنًّا» بالعربية) هي روح محبوسة في زجاجة أو مصباح، بإمكانها أن تحقق الأمنيات لو أطلق سراحها. سحرَتْ هذه المتشردةُ التي كانت تتقافز في العالم سنة 1970، العديدَ من الناس الذين التقتهم في هذه الفترة الوجيزة بعد تحريرها.

لكنَّ تحقيق الأمنيات كان أبعد من قدراتها، مثل أشياء كثيرة، ربما لأنها لم تهرب بحق أبدًا.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد