تلعب القدس دورًا مهمًّا في نظرة المسيحيين الإنجيليين الأمريكيين لنهاية الزمان

نشرت صحيفة «الإندبندنت» البريطانية مقالًا للكاتب الصحفي الأمريكي، جريج جراتسيوسي، حول الأسباب التي تقف وراء أهمية القدس بالنسبة للمسيحيين الإنجيليين الأمريكيين.

وفي بداية مقاله، أفاد الكاتب أن دونالد ترامب أخبر مؤيديه في مدينة أوشكوش بولاية ويسكونسن، يوم الإثنين أنه اعترف رسميًّا بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأمريكية إليها إرضاءً لمؤيديه من المسيحيين الإنجيليين. وقال «نقلنا عاصمة إسرائيل إلى القدس، وهذا من أجل الإنجيليين».

عام

منذ سنتين
مترجم: انهيار إسرائيل.. كيف ينتظر «الإنجيليون» نهاية العالم للاستيلاء على السلطة؟

وقبل إعلانه عن قرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس في عام 2017م، كانت السفارة في تل أبيب. وقال السيد ترامب: «كما تعلمون، إنه لأمر مدهش؛ إن الإنجيليين متحمسون لذلك أكثر من الشعب اليهودي نفسه. وهذا صحيح، إنه أمر لا يصدقه عقل».

عقيدة وليست سياسة

وأوضح الكاتب أن الحماس المسيحي الإنجيلي لقرار السيد ترامب قد يبدو من منظور آخر جزءًا راسخًا عميق الجذور من الدعم للحكومة الإسرائيلية والوقوف إلى جانبها في معركتها الطويلة مع شعب فلسطين حول الحقوق المتعلقة بالأرض، ولكن الدعم المسيحي لإسرائيل في حقيقة الأمر جزء أصيل من عقيدة الإنجيليين، وليس من قبيل السياسة.

والقدس بالنسبة للمسيحيين هي المحور الأساسي لعقيدتهم الخاصة بعلم الأخرويات؛ بمعنى فهمهم للأحداث التي تقع في آخر الزمان. ويؤمن المسيحيون المحافظون – الذين يحتفظ معظمهم بتفسير حرفي ظاهري للكتاب المقدس- بأن المسيح سيعود إلى القدس، وتحديدًا إلى القدس التي يسيطر عليها الشعب اليهودي. ومن حيث الجوهر، تتلخص عقديتهم في أن أتباع اليهود سيشهدون بعثًا روحيًّا عظيمًا ويعيدون بناء الهيكل في القدس قبل أحداث نهاية الزمان التي تنبأ بها سفر الرؤيا.

لماذا تدافع أمريكا عن إسرائيل

وفي الديانتين اليهودية والمسيحية، كان العبرانيون الأوائل يتعبدون في هيكل سليمان (فى اليهودية: هو معبد بناه سليمان فوق جبل موريا فى أورشليم حوالى سنة 1006 قبل الميلاد وظل المركز الرئيس لعبادة اليهود) الذي دمره البابليون في القرن الخامس قبل الميلاد.

وشُيِّد هيكل آخر في القدس، معبد هيرودس، ويعتقد اليهود والمسيحيون على حد سواء أنه يحتوي على عدد من القطع الأثرية ذات الأهمية الدينية، بما في ذلك تابوت العهد (التابوت الذي حُفظت به ألواح العهد، وفقًا للتراث اليهودي) وحجارة الكهانة أوريم وتميم (كانا على الأرجح شيئين صغيرين أو ربما حجرين، وكانا يُحفظان في صدر رئيس الكهنة الذي يستخدمهما في معرفة إرادة الله في الأمور الكهنوتية أو السياسة القومية). ويعتقد عديد من المسيحيين أن المعابد كانت البيت الفعلي للرب، وأن وجوده على الأرض كان بداخل الهياكل.

عهد الألف عام

وذكر الكاتب أن الرومان دمَّروا معبد هيرودس في عام 70 بعد الميلاد تقريبًا. وفي وقت لاحق، بنى المسلمون مسجد قبة الصخرة – أحد أقدس المواقع في العقيدة الإسلامية – في الموقع الذي كان فيه معبد هيرودس. ويُعتقَد أن حائط المبكى كان جزءًا من توسعة المعبد الثاني، وهو أحد الأجزاء القليلة المتبقية من الهيكل الأصلي.

ويؤمن العديد من المسيحيين الإنجيليين – خاصة أولئك الذين يعيشون في أمريكا، رغم أن المعتقد جرى تصديره  لغيرهم – بما يُسمَّى بعلم اللاهوت التدبيري ما قبل الألفية. وتشير كلمة «الألفية» في مقطع «ما قبل الألفية» إلى عهدٍ مُتنبَّأ به يسوده السلام لمدة ألف عام يحكم فيه المسيح. وكلمة «ما قبل» تعني أن هؤلاء المسيحيين يعتقدون أن المسيح سيعود إلى الأرض قبل عهد الألف عام هذا.

Embed from Getty Images

وعلى الرغم من أن العقيدة التدبيرية ما قبل الألفية ليست شائعة بين المجموعات السائدة الأخرى من المسيحيين – مثل الكاثوليك أو أتباع الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية – فإن وجهة النظر هذه قد هيمنت على تفكير كثير من أتباع الكنيسة البروتستانتية الأمريكية. وقد نُشِرت وجهة النظر هذه في تسعينيات القرن الماضي من خلال سلسلة كتب «Left Behind» التي تقدم سردًا حول حقبة «نشوة الطرب» و«المحنة» كما يراها دعاة التدبيرية ما قبل الألفية.

ونظرًا إلى أن هؤلاء المسيحيين يتمسكون بالتفسير الحرفي الظاهري للكتاب المقدس، فمن الضروري – من وجهة نظرهم العالمية – إعادة بناء الهيكل في القدس على يد شعب يهودي يقوم من جديد، قبل أن يتمكن المسيح من العودة وتحقُّق نهاية الزمان. ووفقًا لاستطلاع رأي أجرته شركة لايف واي/LifeWay (واحدة من أكبر مزودي المنتجات والخدمات المسيحية في العالم) في عام 2017م، يرى 80% من المسيحيين الإنجيليين أن قيام دولة إسرائيل في عام 1948م بمثابة تحقيق لنبوءة توراتية.

عاصمة تاريخية وتوراتية

ولفت الكاتب إلى حديث البروفيسور إليزابيث أولدميكسون، من جامعة شمال تكساس، إلى موقع ڤوكس الإخباري في عام 2018م، والتي أوضحت كيف أن وَعْد الأرض المقدسة جزء لا يتجزأ من العقيدة الإنجيلية، ولا يمكن أن ينفصم عنها.

وقالت السيدة إليزابيث: «إن معتقد الصهيونية المسيحية يتمثل في أن وَعْد الله لليهود بالأرض المقدسة وَعْد أبدي. وهو ليس مجرد وَعْد في العصور الغابرة. وعندما نتحدث عن الأرض المقدسة، وَعْد الله بالأرض المقدسة، فإننا نعني بذلك الأراضي الواقعة على جانبي نهر الأردن. ولذا، فإن معنى إسرائيل الكبرى والتوسع مهم حقًّا لهذا المجتمع. والقدس ما هي إلا مركز لذلك، ويُنظر إليها على أنها عاصمة تاريخية وتوراتية».

وإذا أُعيد بناء الهيكل في موقعه الأصلي، فسيتطلب ذلك تدمير مسجد قبة الصخرة. ومن غير المرجح أن يحدث هذا – على الأقل دون حدوث عنف – في وقتٍ يُشكِّل فيه المسلمون شريحة بارزة من سكان المدينة. وبالنسبة لهؤلاء المسيحيين، نهاية الزمان ليست مجرد سيناريو لنهاية العالم – على الرغم من أنها تتضمن الدمار المروع في شكل محن يرسلها الله على العباد – بل هي تتويج لعقيدتهم وإثبات لصحتها. وهم يؤمنون أن أولئك الذين سلَّموا أنفسهم ليسوع المسيح سيُرفعون بعيدًا عن الأرض ويقومون من جديد في السماء في حدث يُدعى «نشوة الطرب».

Embed from Getty Images

وبالإضافة إلى إعادة بناء الهيكل، فإن إسرائيل مهمة أيضًا لعلم الأمور الأخروية الإنجيلي، لأنهم يعتقدون أنها ستكون موطنًا للمعركة الأخيرة للخير ضد الشر التي يقضي فيها الله على أعدائه ويعلن بداية العهد الألفي للمسيح. كما يعتقدون – بناءً على قراءات معينة من العهد الجديد – أن رحى المعركة ستدور في موقع مجيدو القديم، وهي منطقة في شمال إسرائيل. والمعركة – هرمجدون – في مجيدو هي عنصر أساسي في نبوءة نهاية الزمان.

وفي حديثه إلى مجلة «نيوزويك» في عام 2018م، قال القس نيت بايل: «تتمثل ضربة البداية لأحداث نهاية الزمان في إعادة تعيين الحدود السياسية لإسرائيل وفق موعود الله للإسرائيليين، حسبما جاء في الكتاب المقدس».

ومن غير المحتمل أن السيد ترامب يتمتع بفهم راقٍ لهذه النظرية اللاهوتية أو لنبوءة الكتاب المقدس عمومًا، كما يتضح ذلك من الخطاب الذي ألقاه في جامعة ليبرتي في عام 2016م، استشهد فيه بالآية رقم 17 من الإصحاح الثالث من العهد الجديد والتي تنص على: «وأما الرب فهو الروح، وحيث روح الرب، هناك حرية»، ولكنه أخطأ حيث قال كما جاء في «تو كورنثيانس»؛ وهذا يعني كما جاء في اثنين من مدينة كورنثوس، والصحيح أن يقول: كما جاء في «ذا سكند كورنثيانس»؛ بمعنى كما جاء في رسالة بولس الرسول الثانية إلى أهل كورنثوس. وأي شخص مسيحي إنجيلي، حتى وإن كان أكثر الناس تهاونًا، يعرف أن كتاب العهد الجديد يحتوي على ثلاث عشرة رسالة لبولس الرسول، ومن بينها «رسالة بولس الرسول الثانية إلى أهل كورنثوس».

واختتم الكاتب مقاله قائلًا: ومع ذلك، يحيط كثير من المستشارين بالسيد ترامب – بما في ذلك نائب الرئيس مايك بنس، الذي يفتخر بإيمانه المسيحي المحافظ – من الذين يعرفون أهمية إسرائيل بالنسبة للمجتمع المسيحي الإنجيلي الأمريكي.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد