«غادرت العراق منذ أكثر من 40 عامًا. لكن العراق لم يغادرني أبدًا». هكذا قالت «لندا منوحن» البالغة من العمر 67 عامًا. وُلِدت في العراق وعاشت بها أعوامها الأولى، قبل أن يجبرها الاضطهاد والإيذاء على الهروب إلى إسرائيل.

عمِلت لِندا مراسلة ببرامج التلفاز والراديو، ومحللة استخباراتية مع الشرطة الإسرائيلية، ومستشارة لعددٍ من الوزارات، معتمدة على إتقانها اللغة العربية. لكن تجاربها الأليمة في العراق آذتها إلى درجة تجنب الحديث عنها علنًا طوال هذه المدة.

قصة لِندا واحدة من قصص عديدة جمعها مشروع «أصوات السفارديم»، بقيادة «هنري جرين»، أستاذ الدراسات الدينية والمُدير التنفيذي للمشروع. وهذا التقرير بموقع صحيفة «هآرتس» يستعرض المشروع الذي يهدف إلى توثيق حكايات اليهود العرب في منفاهم.

اقرأ أيضًا: اليهود الشرقيون.. من نخبة العرب إلى الهامش في إسرائيل

أصوات السفارديم

يتحدِّث جرين للصحيفة عن يهود السفارديم، أو «اليهود العرب»، وكيف كانوا مندمجين في مجتمعاتهم حتى بداية أربعينيات القرن الماضي، حين بدأت أعمال التمييز ضد اليهود تزامنًا مع صعود المشروع الصهيوني. «في الأعوام التي تلت إنشاء دولة إسرائيل، تعرَّض أكثر من 95% من يهود السفارديم للاعتداءات والصدمات، وتشتتوا في أنحاء العالم. ولم يحكِ أحدٌ قصتهم».

لهذا الغرض قام مشروع «أصوات السفارديم» في 2009، على غرار معهد مؤسسة المحرقة بجامعة جنوب كاليفورنيا. يقول جرين: «تظهر أبحاثي أن المجتمع المتعرِّض لصدمة يستغرق ثلاثة أجيال قبل أن يجد صوته، ويكون منظوره، ويبدأ في حكي قصته. ونموذج السفارديم تأخر أكثر من ذلك، خاصةً في إسرائيل، لأنَّ السفارديم أقلية داخل أقلية».

وتحدَّث ديفيد لانجر، المُدير الإعلامي للمشروع إلى «هآرتس»، عن الشكل الذي صممه للمشروع، والذي يتضمن التقاط صور فوتوغرافية ومقاطع مصورة للأشخاص بالأبيض والأسود. «يمكِّن المشروع الناس من حكي قصصهم وقصص آبائهم وأجدادهم. هدف المشروع الكبير هو إعادة سرد قصة الحضارة اليهودية بحيث تشمل حضارة اليهود السفارديم الثرية أيضًا».

آخر يهود العراق

حاليًا، يركز المشروع على يهود العراق، بتمويلٍ من رجلي الأعمال اليهوديين العراقيين، الأخوين دينيس وروبرت شاشا. اشترك الأخوان مع الصحافية تامار مراد في تحرير مجموعة من قصص حياة اليهود في العراق وهروبهم منها، في كتاب بعنوان «آخر يهود العراق» نُشر في 2008.

كان عام 1941 هو بداية النهاية لتواجد الشعب اليهودي في العراق، إذ شهد أحداث «الفرهود» العنيفة التي استهدفت اليهود في بغداد في عيد الشفوعوت اليهودي، وشهِدت مقتل 180 يهوديًّا وجرح نحو ألف، وتدمير 900 من منازل اليهود.

ومع بدء حرب الاستقلال الإسرائيلية في 1947، بدأت الحكومة العراقية في استهداف اليهود بطردهم من الوظائف المدنية، واعتقال أعداد كبيرة منهم. استهدفت التفجيرات معابد اليهود، وأعدم النظام في 1948 رجل أعمال يهودي شنقًا في ساحة عامة لإدانته ببيع الأسلحة لإسرائيل، رغم إعلانه معارضته للصهيونية.

في وسط أجواء التوتر والرعب هذه وُلِدت لِندا منوحن، في عام 1950. وبينما جلبت إسرائيل أغلب اليهود العراقيين عن طريق الجو إلى أراضيها، بقيت عائلة منوحن. لكن التوترات لم تنته، وإنما اشتعلت مرة أخرى مع وقوع حرب 1967.

تتذكر لِندا شعورها بالخوف في هذه الأثناء، خاصةً بعد استدعاء السلطات لوالد أحد أصدقائها من أجل استجوابه، فقط ليعود إلى عائلته جثة هامدة. ثم أعدمت الحكومة في 1969 تسعة يهود شنقًا في أحد ميادين بغداد العامة بتهمة التجسس لحساب إسرائيل.

في ذلك الوقت، لم يكن بإمكان اليهود مغادرة العراق قانونيًّا. ولم يوافق والد لِندا على الرحيل. عمله بالمحاماة أورثه إيمانًا بالقانون منعه من الهروب غير القانوني. لكن لِندا وأخاها لم ينصاعا لرغبات والديهما، واستعانا بمهرِّبين قادوهما إلى إيران ومنها إلى إسرائيل. وبعدها بفترة قصيرة لحقت بهما الأم.

«لقد أحببت بغداد، وأهلي، والمناخ الكوزموبوليتاني، والطعام والأصوات والمناظر. لكنني علمت أن البقاء لم يعد ممكنًا».

وفي عشية يوم الغفران في عام 1972، كان والدها في طريقه إلى المعبد حين ألقت السلطات العراقية القبض عليه، وكانت هذه آخر مرة شوهد فيها. ووثَّقت لِندا رحلة البحث عنه – التي لم تكلَّل بالنجاح- في فيلمها الوثائقي «ظلالٌ في بغداد».

اقرأ أيضًا: «هآرتس»: عندما كان العرب ويهود المشرق يحلمون بوطن مشترك

شاعران

غادرت لِندا العراق في سنِّ كبيرة نسبيًّا، لكن التوأمين هرتزل وبلفور حكاك غادراها في عامهما الثاني. غب شقتهما الصغيرة بالقدس في أحد الأحياء اليهودية المتطرفة، تحدَّثا إلى مشروع «أصوات السفارديم» عن صعوبات الهجرة والاندماج في المجتمع الإسرائيلي.

«حين جئنا، طُلب منَّا أن نخلع عنَّا عراقيتنا. وصفت الكتب المدرسية القرى في أوروبا، ويهود «الحالوتسم» الأوائل، بينما خلت من أوصاف اليهود الشرقيين. لكننا لم نقدر على خلع هويتنا، حتى مع وصولنا إلى إسرائيل في سن صغيرة جدًّا. فالهوية ليست شيئًا قابلًا للقص واللصق».

الأخوان حكاك شاعران، يكتبان عن الحياة في العراق، والتحديات التي واجهها الآباء والأجداد ممن لم يقدروا على التعبير عن أنفسهم. اختار هرتزل قصيدة قرأها أمام الكاميرا تقول:

الساعة الشمسية في شارع يافا
يتجافى جنبها عن المضاجع
تتوق إلى ظلها، إلى العائدين، إلى انكسارهم
إلى وقع أحذيتهم
وكنَّا الخلاص إلى منتهاه، وجرحًا يفيض
وهمس الصلاة
صحونا به
ومنه إليه خرجنا نداوي العالم
وما زلت آتي هنا أبتاه
وقد نفد مني الكلام والدواء.

أما بلفور فيتحدث عن هجرة جده إلى أرض إسرائيل. ومنفاه النفسي فيها، في أرضٍ لم ينتمِ إليها منذ طفولته. يقول في شعره:

جدِّي ملكٌ حزين
جاء إلى الدنيا في ثيابٍ مطرزة من حرير
وحين أرسلوه إلى منفاه
تمزقت الثياب، وتبعثرت الجلالة
فقط حين مات، كفَّنوه بوشاح الصلاة
وشاحٌ ورثه عن أبيه
يزدان بأحرف مقدسة زرقاء
وعلى الوشاح رأيت في مخيلتي خطوطًا ذهبية
تضيء بنورٍ رقيق
جدي مراد، ابن رافائيل حكاك.

ينهي بلفور حديثه قائلًا: «الهوية مزيجٌ من المكان والزمان. إن اتصلت بالمكان فقط، تكون هويتك أفقية مسطحة. إن أراد شخص معرفة هويته، فسيجد الإجابة في محور الزمن الذي سبقه».

على موقع المشروع توجد مقاطع أخرى، تحكي قصصًا مثل مراسم دفن لفافات التوراة العتيقة التي عثرت عليها القوات الأمريكية في حصن صدام حسين. وكان جرين يأمل في مقابلة «سليم فتال»، مدير إذاعة البث العربية في إسرائيل، والمعروف في مجتمع السفارديم بـ«أمين ذكرى الفرهود». لكن فتال توفي في أواخر مايو (أيار).

«شيوخ اليهود العراقيين يموتون، وذكرياتهم تبهت. ومن هنا يستمد المشروع أهميته وعجالته».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد