ما زال متولي عبد الصمد يعيش في حارة اليهود بعد عقودٍ من بداية عمله في هذه المنطقة التي كانت في وقتٍ ما مليئة بمحال المجوهرات المزدهرة والمحال الأخرى التي يديرها مصريون يهود. يتذكَّر عبد الصمد الذي يبلغ الآن 73 عامًا نشاط الحي الصغير بشغفٍ.

قال لموقع Middle East Eye بحُزنٍ: «كنتُ أعمل في محل للفضة يملكه ليفي هاروني، بدأتُ العمل في محله عندما كنتُ صغيرًا، كان عمري 12 عامًا تقريبًا، وكنتُ أجني 70 قرشًا في الأسبوع. كنتُ فخورًا جدًا بوظيفتي لأنَّني كنتُ واحدًا من الصبية المسلمين القلائل الذين يعملون في المحال التي يملكها اليهود. كان المسيحيون فقط يعملون هناك عمومًا، ولكن ليفي كان يعرف والدي ويأتمنني على عمله. ظللتُ أعمل في محله حتى غادر بعد حرب 1967 مباشرةً».

كان تأسيس دولة إسرائيل عام 1948 هو ما غيَّر أقدار سكان مصر من اليهود، فحتى ذلك الوقت كان اليهود يفرُّون إلى مصر من كل أنحاء العالم بحثًا عن ملجأ من الظروف التي تزداد سوءًا في دولٍ مثل إسبانيا وروسيا ورومانيا وبولندا وسوريا والمغرب. ولكن مع وجود إسرائيل ظهرت الاعتقالات والعَزل والترحيل والاضطهاد. خضع يهود مصر لموجات من القمع منذ 1948 حتى 1967، ارتبطت دائمًا بالحروب التي خاضتها مصر مع إسرائيل.

قال الصحفي محمد طارق إنَّ هناك تشابهًا بين العنف الذي واجهه اليهود وبين الإجراءات الصارمة التي تتَّخذها الحكومة حاليًا ضد النشطاء والمُتظاهرين. وقال: «فُجِئ الكثير بمعدلات عنف الدولة تجاه الإسلاميين والنشطاء، ولكن هذا في الحقيقة هو نفسه ما حدث في مصر منذ 60 عامًا مع اليهود؛ القومية المُتطرِّفة، والهستيريا، وخلق عدو للدولة بوصفه شرطًا لازمًا لاستمرارية الدولة الفاسدة القمعية، إنَّه نفس الأمر».

أُعلِنَت الأحكام العُرفية في مصر بعد تأسيس إسرائيل عام 1948، واعتُقِل آلاف اليهود خلال أسبوع واحد. ومَن لم يُحتجَز وُضِع تحت الإقامة الجبرية يقف على بابه ضباط شرطة.

نادية إسحاق، التي تبلغ من العمر الآن 78 عامًا، هي واحدة من اليهود القلائل الذين وُلِدوا بمصر وما زالوا يعيشون فيها، بعد أن عادت لمحل ولادتها في أوائل الألفينيات. ما زالت تذكر ليلة إلقاء الشرطة القبض على أسرتها، فتقول: «كنتُ صغيرةً جدًا، والذكريات تتلاشى كل عام. كل ما أستطيع تذكُّره هو الطرق على الباب، وضابط شرطة يأمرنا بإحضار ملابسنا، ورائحة الليل وبداية الفجر عندما كنا نُشحَن في مؤخرة الشاحنة مع الضباط. ترك والدي ووالدتي فرنسا هربًا من ظل الحرب الوشيكة في 1909، ولكن عواقب حرب أخرى قد وصلت إلينا في بلدٍ مختلف».

احتُجِزت نادية وأسرتها لخمسين يومًا، مع مئات الأسر الأخرى، وعندما أُطلِق سراحهم مُنِحوا مهلة لمغادرة البلاد مدتها شهر. كانت التُهَم المُوجَّهة ضدهم أنَّهم صهاينة، وهو ما أنكرته نادية بشدة فقالت: «لم يكُن أبي أو أمي ينويان خيانة البلد الذي عاشوا فيه ثلاثين عامًا. لقد جاؤوا بحثًا عن السلام والأمان والاستقرار، لم ننخرط قط في أيٍ من الأنشطة التي اتُّهِمنا بالانخراط فيها زورًا ولم ننوِ الانخراط فيها».

واجه ليفي هاروني؛ رئيس عبد الصمد السابق، مصيرًا مشابهًا، كان هاروني محظوظًا لامتلاكه جوازَ سفرٍ بريطانيًا، وكان اليهود ذوو الجنسيات الأجنبية يلقون عمومًا معاملة أفضل من الذين وُلِدوا وتكاثروا في مصر. وُضِع في البداية تحت الإقامة الجبرية خلال حرب قناة السويس عام 1956، ولم يُعتقَل حتى حرب 1967، ورُحِّل وأُمِّمَت ممتلكاته.

نجح هاروني في بيع محاله للمصريين الذين يعملون لصالحه، وكان أحدها من نصيب عبد الصمد، الذي قال: «كان جزءٌ مني سعيدًا بهذه الثروة غير المُتوقَّعة التي جاءت إليَّ، ولكن الجزء الآخر كان حزينًا للغاية على الظُلم والمكروه الذي أصاب الرجل العجوز. تمسَّك بأمل أنَّه سيعود يومًا ما، وجمع الناس الذين منحهم محاله وجعلهم يعِدُونه بأنَّهم سيُعيدون المحال إليه إن عاد. ولكنَّه لم يَعُد قط، وسمعتُ بوفاته بعد ذلك بحوالي 10 سنوات».

لم تكُن نادية إسحاق هي المصرية اليهودية الوحيدة التي عادت إلى وطنها مع بداية القرن الحادي والعشرين. في أوائل التسعينيات من القرن الماضي قيل أنَّ آخر يهودي يعيش في مصر قد مات، ولكن لم تكُن هذه نهاية قصة يهود مصر الطويلة التي تعود إلى زمن الفراعنة. في عام 2000 عاد بعض المصريين اليهود الذين يعيشون في دولٍ أوروبية إلى مصر، لم يكونوا أكثر من 20، وعاد نصفهم إلى أوروبا ثانيةً.

سارة كوهين هي يهودية مصرية المولد تبلغ من العمر 75 عامًا وعادت إلى مصر عام 2002، وتحدَّثت عمَّا مرَّت به عندما عادت، فقالت: «غادرتُ مصر عام 1965، عندما قرَّرتُ العودة كنتُ أعلم بالتأكيد أنَّ الأمور لن تكون كما كانت، ولكنَّني فُجِئتُ تمامًا بما رأيته. لقد قضيتُ بداية شبابي في شوارع القاهرة الجميلة وكنتُ مرتبطة بالمدينة بعُمقٍ. عندما عدتُ بعد 37 عامًا لم تكُن هي نفس المدينة على الإطلاق، فما وجدته كان مدينة مريعة ومزدحمة ومُلوَّثة. الشوارع قبيحة والمباني قبيحة كذلك. لقد نجحوا في تحويل القاهرة المَلَكية إلى رمزٍ للحضرية الوحشية والانحدار».

وفقًا للأشخاص اليهود الذين حاورهم موقع Middle East Eye فهناك الآن ثمانية فقط من اليهود مصريي المولد يعيشون في القاهرة، وهو رقم من غير المُحتمَل أن يرتفع. جميعهم أكبر من 70 عامًا ولكنَّهم يحاولون مع ذلك أن يكونوا نشطين بقدر الإمكان، فيحضرون فعاليات ثقافية ويحتفلون بعطلاتهم الدينية ويزورون المعابد المهجورة المُهمَلة بانتظام.

تقول نادية إنَّ ردود فعل المصريين الذين تلتقيهم مختلطة؛ «أجد تعاطفًا وشفقةً وعروضًا للمساعدة من البعض، بينما يُحدِّق بي البعض الآخر وينظرون إليَّ نظرات عدوانية. ولكنَّني سعيدة بالاتجاه بين الشباب الذين يريدون الاستماع إلى جانبنا من القصة عمَّا حدث في خمسينيات وستينيات القرن الماضي».

وكما أمِل ليفي هاروني بالعودة إلى مصر، فلدى كل من سارة ونادية آمالهما الخاصة بأن يأتي يوم يعيش فيه الناس من كل الأديان سويًّا ثانيةً. وكان هذا الأمل الحافز الرئيس لهما وراء قرار العودة.

تقول سارة: «لدينا حق بالحياة هنا، برغم الصعوبات، وبرغم ما تحوَّلت إليه مصر في ظل حُكم الضباط الأحرار المزعومين. برغم كل ذلك، تظل مصر بلدي، وأعتبر نفسي واحدة من القلائل الذين يُصرِّحون بذلك، وأتمنَّى أن أعيش فترة طويلة بما يكفي لأُظهِر على نطاق أوسع أنَّ ما زال هناك بعض المصريين اليهود الذين يعيشون في هذا البلد».

أمِل الكثيرون أن تكون عودة هذه الحفنة من اليهود إلى وطنها بداية حقبة جديدة، ولكن الحكومة فشلت في تقديم أي مساعدة للأقلية التي تحاول إعادة تشكيل حياتها هنا. فحتى العثور على شخصٍ ما لأداء طقوس الدفن وفقًا لمعتقداتهم يُشكِّل مشقَّةً. لم يكُن طارق متفائلًا عند سؤاله عمَّا إذا كان سيكون هناك المزيد من الدعم من قِبل الحكومة في مواجهة المشاكل التي يواجهها المجتمع اليهودي. وقال: «توقَّعتُ في الحقيقة أن تخاطب الحكومة هذه المشكلة عندما تولَّى الرئيس السيسي السُلطة، وأن تستخدم هذه المشكلة في بحثها عن المزيد من الشرعية الدولية، ولكنَّها لم تفعل. ولا يبدو أنَّها ستبدأ في فعل ذلك قريبًا».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد