ليس من الضروري أن تعكس الوظيفة الاستخدام الأمثل لإمكانياتِك، بل يجب أن تكون مثمرة.

نشرت مجلة «ذي أتلانتك» الأمريكية مقالًا للكاتب آرثر سي بروكس، أستاذ ممارسة القيادة العامة في كلية هارفارد كيندي وأستاذ ممارسة الإدارة في كلية هارفارد للأعمال، تناول فيه الرضا الوظيفي وملامحه ومظاهره.

ويستهل الكاتب مقاله بقوله: في كل عام، يسأل مركز جالوب عينة من البالغين الأمريكيين سؤالًا ملغومًا إلى حد ما: ما مدى حبك لعملك؟ وقد تفاجئك النتائج، فقد ارتفعت النسبة التي تقول إنهم «راضون تمامًا» عن العمل بدرجة كبيرة خلال العقدين الماضيين، من 41% في عام 2001 إلى 55% في عام 2019. وفي عام 2020، على الرغم من حقيقة أن ملايين الأمريكيين قد تحولوا إلى العمل عن بُعد، قال 89% إنهم راضون «تمامًا» أو «إلى حد ما».

يقول الكاتب: أُدرِّس لطلاب الدراسات العليا الذين تصوروا بعناية حياتهم المهنية المثالية، وكثير منهم يتدربون على الالتحاق بوظائف في الشركات أو الحكومة.

دولي

منذ 3 شهور
مترجم: الملايين لا يجدون وظائف ومنازل.. كيف تحول الحلم الأمريكي إلى كابوس؟

وقد وجدوا هذه الإحصائية مفاجئة لأنهم يفترضون عمومًا، مثل كثير منا، أنه لكي تكون راضيًا، يجب أن تشغل الوظيفة التي تحلم بها – تلك الوظيفة التي تلبي مهاراتك وشغفك، وتحقق عائدًا جيدًا، وتكون متحمسًا للعمل كل يوم. ومستحيل أن يكون 89% من الناس لديهم هذا، أليس كذلك؟

لكن هذا الاعتقاد يستند إلى سوء فهم لما يحقق الرضا الوظيفي. لكي تكون سعيدًا في العمل، لا يتعين عليك شغل وظيفة رائعة تعكس ذروة إنجازك التعليمي أو الاستخدام الأمثل «لإمكانياتِك»، ولا يتعين عليك جني كثير من المال من هذه الوظيفة. ما يهم ليس «ماهية» الوظيفة بقدر ما يهم «من» و«لماذا»: يأتي الرضا الوظيفي من الأشخاص والقيم والشعور بالإنجاز.

البطالة مصدر التعاسة

يؤكد الكاتب أنه لا شك أن جزءًا كبيرًا من النسبة المئوية للرضا الوظيفي يرجع إلى حقيقة أن الحصول على أي وظيفة يجعل الناس أكثر سعادة. والبطالة أحد أكبر مصادر التعاسة التي يمكن أن يواجهها الناس.

Embed from Getty Images

وباستخدام بيانات من المسح الاجتماعي العام، وجدتُ أن البالغين الأمريكيين الذين أفادوا بأنهم من المحتمل «جدًّا» أو «إلى حد كبير» أن يفقدوا وظائفهم في عام 2018 كانوا عرضة للقول إنهم «ليسوا سعداء جدًّا» بحياتهم أكثر بثلاث مرات من الذين شعروا بأنه «من غير المحتمل» أن يفقدوا وظائفهم. وربط عديد من الدراسات بين مستوى البطالة في بلد ما وزيادة معدلات الانتحار. وفي عام 2014، وجد الاقتصاديون أن زيادة نقطة مئوية واحدة في معدل البطالة تقلل من الرفاهية الوطنية بأكثر من خمسة أضعاف زيادة نقطة واحدة في معدل التضخم.

ويوضح الكاتب أنه عندما يكون لدى المرء وظيفة، فإن العوامل التي تؤثر في الرضا لا علاقة لها بمجال العمل. أولًا، هناك متغيرات لا يمكن السيطرة عليها: وجدت دراسة واحدة في مجلة علم النفس التطبيقي للتوائم المتطابقة الذين ترعرعوا بعيدًا عن بعضهم بعضًا أن نحو 30% من الرضا الوظيفي وراثي. وهناك متغيرات عملية: وجد الاقتصاديون أن زيادة الأجور تزيد من الرضا الوظيفي، ولكن على المدى القصير فقط. والتأثير يتلاشى بسرعة مع مرور الوقت. وفي جميع المهن، تعد الزيادات المنتظمة في الأجور أفضل لتحقيق السعادة من الزيادات غير المتكررة والأكبر.

القيم المشتركة

لفت الكاتب إلى أن بعض الجوانب الأكثر صعوبة في الوظيفة هي الجوانب التي تجعل الوظيفة مجزية للغاية: القيم التي تحتفظ بها شركتك وزملاؤك في العمل. وأظهرت الأبحاث، على سبيل المثال، أن الرضا الوظيفي في جميع أنحاء العالم يعتمد على الشعور بالإنجاز، والاعتراف بالعمل الجيد، والتوازن بين العمل والحياة. وللعمل الجماعي أيضًا تأثير قوي في الثقافات الجماعية، ولكنه أقل تأثيرًا في الثقافات الفردية. وجد عالم النفس الراحل ريتشارد هاكمان أن الرضا الوظيفي كان مرتبطًا بقوة بمركزية القائد: في إحدى دراساته، كان رضا الموسيقيين الذين عملوا في أوركسترا سيمفونية، حيث يحكم المايسترو الأوركسترا بقبضة من حديد، عن فرص نموهم أقل بنسبة 21% من الموسيقيين في رباعي الآلات الوترية الذين ليس لهم قائد.

وأظهرت عقود من الدراسات أن الأشخاص الأكثر رضًا عن عملهم هم أولئك الذين يجدون تطابقًا أساسيًّا بين قيم صاحب العمل وقيمهم الخاصة. وهذا صحيح عندما يكون للقيم أهمية أخلاقية أو فلسفية أو روحية خاصة. على سبيل المثال، وجدت دراسة أجريت عام 2012 على الممرضات الإيرانيات أن أسعد الممرضات يعتقدن أن عملهن كان «مهنة ربانية ووسيلة يمكنهن من خلالها تحصيل المتعة والرضا الروحيين».

Embed from Getty Images

ويشعر عديد من زملائي بالطريقة نفسها تجاه مهنة التعليم العالي، وكما كتب الفيلسوف الراحل مايكل نوفاك، يمكن العثور على هذا الشعور بالانجذاب القوي في الأعمال التجارية أيضًا.

الرضا الوظيفي والنوع الفعلي للوظيفة

ويشير الكاتب إلى أن الباحثين الذين بحثوا عن علاقات واضحة بين الرضا الوظيفي والنوع الفعلي للوظيفة التي يشغلها المرء باءت جهودهم بالفشل الذريع. ونشرت «كارير بليس»، وهي شركة مكرسة لمساعدة الناس على العثور على قدر أكبر من السعادة في العمل، نتائج دراسة استقصائية حول «الوظائف الأسعد» و«الوظائف غير السعيدة»، وفقًا لتصنيف أولئك الذين يشغلونها. تُظهر أحدث تصنيفاتها، من عام 2018، أن الوظائف الأسعد متباينة تمامًا: مساعد تدريس، ومحلل ضمان جودة، ومطور شبكة، وأخصائي تسويق. الوظائف غير السعيدة هي بالمثل ليست لها ملامح، وغير مرتبطة إلى حد ما بالتعليم والدخل: محاسب، وحارس أمن، وأمين صندوق، ومشرف.

وعندما يطلب طلاب الدراسات العليا نصيحتي بشأن اختيار وظيفة أو مسار وظيفي، لا أطلب منهم العثور على أفضل توافق ممكن بين اهتماماتهم وبين واجبات وظيفية محددة. ومن الواضح أنه يجب عليهم عدم الاشتغال بمهنة يكرهونها. لكني أخبرهم بأنه يمكن العثور على الرضا في جميع أنواع الوظائف. وبدلًا من السعي بلا هوادة للحصول على مهنة «التوافق التام» التي هم على يقين من أنها ستجعلهم سعداء، فإن النهج الأفضل هو المرونة بشأن الوظيفة المحددة، أثناء البحث عن القيم والثقافة التي تتناسب مع قيمهم وثقافتهم.

الإنجاز مهم في الرضا الوظيفي

مهما كانت الوظيفة التي ينتهي بهم المطاف إليها، فإن إيجاد شعور بالإنجاز بداخلها أمر بالغ الأهمية للرضا الوظيفي، فهو يساعد على تحديد الأهداف في عمل الفرد، مثل زيادة المهارات أو المسؤولية. غير أن بعض الأهداف تؤدي إلى سعادة أكثر من غيرها. بينما تزيد الأجور من الرضا مؤقتًا؛ لأن المال بصفته هدفًا وظيفيًّا لا يفعل ذلك. وتُظهر أعداد كبيرة من الأبحاث أن السعي وراء المكافآت الخارجية عن العمل، مثل المال، يضر في الواقع باهتمامك بهذا العمل. ولتحقيق الرضا الحقيقي، يجب أن تسعى إلى تحقيق أهداف داخل العمل – هدفين على وجه الخصوص.

هدفان مهمان

يوضح الكاتب أن الهدف الأول هو النجاح. يمكنك التفكير في النجاح على أنه نقيض للعجز المكتسب، وهو مصطلح صاغه عالم النفس مارتن سيليجمان للإشارة إلى الاستسلام الذي يتعرض له الناس عندما يتحملون مرارًا مواقف غير سارة خارجة عن إرادتهم.

Embed from Getty Images

ويمنحك النجاح المكتسب بدلًا من ذلك إحساسًا بالإنجاز (الذي أظهر سيليجمان أنه مصدر للسعادة، والذي ينبئ بشدة بالسعادة في العمل) والفعالية المهنية (فكرة أنك فعَّال في وظيفتك، مما يزيد من الالتزام بمهنتك، وهو أيضًا مقياس جيد للرضا الوظيفي). وأرباب العمل الذين يقدمون إرشادات وتعليقات واضحة، ويكافئون أصحاب الكفاءة، ويشجعون موظفيهم على تطوير مهارات جديدة هم الأكثر احتمالًا لإعطائك هذه المشاعر. ابحث عن مدير يتصرف بهذه الطريقة – وإذا كانت لديك الفرصة، فكن من هذا النوع من المديرين.

والهدف الثاني الذي يستحق المتابعة في العمل هو خدمة الآخرين – الإحساس بأن وظيفتك تجعل العالم مكانًا أفضل. وهذا لا يعني أنك بحاجة إلى التطوع أو العمل في مؤسسة خيرية لتكون سعيدًا (أظهر بحثي الخاص أن العمل غير الربحي ليس مرضيًا بطبيعته أكثر من العمل لحساب ربحي أو لصالح الحكومة).

على العكس من ذلك، يمكنك العثور على خدمة تقدِّمها في أي وظيفة تقريبًا. أوضح أحد طلابي هذه النقطة بشكل أفضل مما أستطيع، في مقال رأي كتبه ليشرح سبب تخليه عن الوظائف في مجال دراسته الأكاديمية ليصبح نادلًا في برشلونة. وكما قال باللغة الإسبانية، فإن زبائنه «جميعهم مهمون ومتساوون. إنهم متشابهون على الطاولة ويجب أن يكونوا متشابهين في نظر النادل إنه لأمر رائع أن تكون قادرًا على خدمة السياسي على الصفحة الأولى من الصحيفة تمامًا كما تخدم الطفل الذي يتصفح الأخبار أثناء انتظار صديقته».

ويختتم الكاتب مقاله قائلًا: بالنظر إلى أن الرضا الوظيفي يعتمد على معايير غير متبلورة إلى حد ما مثل الأشخاص والقيم بدلًا من الخصائص الملموسة مثل واجبات الوظيفة والمال، فمن الجدير بالذكر أن الوظيفة الجيدة يمكن أن تصبح سيئة دون أسباب واضحة لأي شخص خارجي. والقول إن عدم الرضا الوظيفي ثمن سقوط الرجل قد يكون قولًا مبالغًا فيه، وعلى الرغم من أن الوظيفة الجيدة قد لا تكون مثالية تمامًا، فإننا عندما نعرف أسرار المهنة المُرضِية، يمكن أن يكون العمل متعة حقيقية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد