نشرت مجلة «تايم» الأمريكية مقالًا للصحافي جوزيف هينكس تحدث فيه عن العلاقات السعودية الأمريكية وما قد يطرأ عليها من تغيرات في حال انتُخِب بايدن رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية، خاصة في ملف حقوق الإنسان.

استهل جوزيف مقاله بالقول: إن الباحث القانوني السعودي، عبد الله العودة (نجل الداعية السعودي المعتقل سلمان العودة)، أصبح خبيرًا في اكتشاف المضايقات التي يتعرض لها بدعم من المملكة. ومن وابل الإهانات إلى التهديدات اليومية بالقتل من شبكة الروبوتات والمتصيدين عبر الإنترنت والمعروفة باسم «الذباب الإلكتروني» الخاص بالنظام، يقول العودة إنه تعلَّم كيف يميِّز بين المخاطر الحقيقية والمضايقات العابرة، ويقول إنه يبلِّغ السلطات المختصة عن هذه التهديدات، ثم يواصل دفاعه عن حقوق الإنسان دون كلل.

دولي

منذ شهر
«بلومبرج»: هؤلاء القادة سيخسرون أيضًا إذا هُزم ترامب في الانتخابات القادمة

إلا أن الرسالة الأخيرة التي وردت إليه اختلفت عن سابقاتها في محتوى خطابها ولهجتها. وفي يوليو (تمّوز) تلقى عبد الله رسالة على «تويتر» من شخص أقسم أنه «سيستفيد مما أسماه الفوضى الجارية في الولايات المتحدة وسيقتلني في الشارع»، وفقًا لما أخبر به العودة مجلة «تايم» عبر الهاتف من واشنطن حيث يعمل زميلًا في جامعة جورج تاون. ومع أن الرسالة جاءت بتوقيع معتاد؛ «نهايتك قريبة أيها الخائن»، إلا أن العودة صُدِم أكثر بما فهم أنه إشارة إلى الاحتجاجات والاضطرابات في الأشهر التي تسبق الانتخابات الأمريكية.

الانتخابات الأمريكية والأمل في النجاة من النظام السعودي

يلفت كاتب المقال إلى أن المتصيِّدين عبر الإنترنت ليسوا وحدهم على الإطلاق مَنْ يراقبون عن كثب الانتخابات الأمريكية التي ستُجرى في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني). وبالنسبة للمعارضين السعوديين الذين يعيشون خارج المملكة، للانتخابات الأمريكية آثار شخصية وسياسية عليهم.

فمن جهة، هناك الرئيس الحالي الذي تباهى بأنه أنقذ رقبة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان من الاتهامات بشأن دوره غير المثبت في مقتل المعارض وكاتب العمود في صحيفة «واشنطن بوست»، جمال خاشقجي. ومن جهة أخرى هناك المنافس الديمقراطي، جو بايدن، الذي صرَّح العام الماضي أنه سيجعل السعودية دولة «منبوذة»؛ إذ خصَّها «بقتل الأطفال» في اليمن وقال: «إن هناك تعويضًا اجتماعيًا ضئيل للغاية في ظل القيادة السعودية الحالية».

وبالنسبة للبعض مثل العودة، تُقدِّم هذه الكلمات بصيصًا من الأمل في أن أقاربه المحتجزين في المملكة ربما يحظون بفرصة الإفراج عنهم في حال فاز بايدن في انتخابات نوفمبر. ويقول العودة، الذي اعتُقِل والده الداعية الإسلامي سلمان العودة في 2017 ويواجه اليوم عقوبة الإعدام: «آمل أن تتمكن الإدارة الجديدة، التي تبشر بوجود نهج جديد في التعامل مع السعودية، من المطالبة حقًا بالإفراج عن السجناء السياسيين». يصف الكاتب العودة بأنه متحفظ ويعي أنه لا يجب تصديق كثير من خطابات الانتخابات الأمريكية، وينقل عن العودة قوله: «الأمر المؤكد بالنسبة لي أن إدارة بايدن لن تكون متوافقة مع السعودية ومُحِبة لها كما هي الحال بالنسبة لإدراة ترامب».

وسلمان العودة واحد من مئات المعتقلين أو المسجونين في السعودية نتيجةً لنشاطه الناقد للحكومة. يقول عبد الله العودة إن والده اعتُقل بعد ساعات فقط من نشره تغريدة على حسابه على «تويتر»، الذي يتابعه 14 مليون متابع، طالبَ فيها المملكة بإنهاء حصارها للإمارة الخليجية الصغيرة قطر. ومع أنه بقي في الحبس الاحتياطي لمدة ثلاث سنوات، إلا أن السلطات السعودية أعدمت عددًا قياسيًّا من الأشخاص عام 2019. وتشمل التُّهم التي وجهتها المحكمة لسلمان العودة؛ نشر الفساد من خلال الدعوة إلى ملكية دستورية، وإثارة الفتن بين العامة، والانتماء لجماعة الإخوان المسلمين، «والسخرية من منجزات الحكومة».

سلمان العودة

سلمان العودة الداعية الإسلامي المحبوس في السعودية

ترامب والمملكة.. تحالف وتناغم

يواصل الكاتب مع العلاقات الوثيقة بين ترامب والسعودية، فيقول: كانت السعودية الوجهة الأولى لرحلات ترامب الخارجية في مايو (أيار) 2017، وهي الزيارة التي ضبطت نغمة التحالف القوي بين البلدين الذي استمر منذ ذلك الحين. وتصدَّرت صور ترامب عناوين الصحف وهو يضع يديه على كرة مضيئة مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والعاهل السعودي الملك سلمان. وكذلك تصدَّرت ادعاءاته بشأن عدد الوظائف التي ستوفرها الصفقات الوفيرة التي عقدها في المملكة والتي تتراوح بين 450 ألف إلى مليون وظيفة (العدد الحقيقي يتراوح بين 20 إلى 40 ألف وظيفة، وفقًا لتقرير مايو الصادر عن مركز السياسة الدولية).

لكن الاجتماعات اللاحقة التي جرت خلف الكواليس بين صهر ترامب ومستشاره الخاص، جاريد كوشنر، ومحمد بن سلمان الذي يشتهر بالأحرف الأولى من اسمه الثلاثي (إم بي إس)، أثبتت أنها لا تقل أهمية عما أعلنه الرئيس رسميًّا. وأوردت تقارير أن محمد بن سلمان تفاخر أمام ولي عهد أبوظبي المتنفِّذ، محمد بن زايد، بأن كوشنر «في جيبه».

Embed from Getty Images

يقول ستيفن مكينيرني، المدير التنفيذي في شركة مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط (بوميد) غير الحزبية والتي تتخذ من واشنطن مقرًا لها: «من غير الواضح ما إذا كانت علاقة عائلة الرئيس الأمريكي بابن سلمان تأتي نتيجة الاحتواء العام الذي يبذله ترامب للأنظمة الاستبدادية، أو للعلاقات التاريخية بين الولايات المتحدة وآل سعود التي يعود تاريخها إلى 1943، أو للمصالح التجارية. والواضح للعيان أن ترامب وعائلته – لا سيما جاريد كوشنر – تربطهم علاقة شخصية وثيقة بابن سلمان».

وقد فُسِّر هذا التقارب بأنه السبب في إحجام الولايات المتحدة عن مواجهة السعودية بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان. ومع أن مكينيرني يقول إن هذا ما كان عليه الحال مع معظم الإدارات الأمريكية السابقة، إلا أن المدى الذي وصل إليه ترامب في التغطية على محمد بن سلمان أثار القلق حتى بين أولئك الذين لديهم مصلحة مباشرة في بقاء الوضع على ما هو عليه، «وفي بعض الأوقات كان هناك إحباط حقيقي في الحزبين، بل غضب عارم، من ترامب». 

خاشقجي.. جرائم ولي العهد في أيدٍ أمينة!

يشير كاتب المقال إلى أنه ليس هناك مثال على ذلك أوضح من حالة جمال خاشقجي، الصحافي السعودي الذي قُتِل وقُطِّعت أوصاله في قنصلية بلاده في إسطنبول في أكتوبر (تشرين الأول) 2018. وبعد أسبوعين من مقتل خاشقجي، أعلن ترامب أنه يرجح إمكانية قتله على يد «قاتل خبيث»، وهو ما تماشى مع الرواية السعودية التي أعلنتها الحكومة بعد تزايد الغضب من الحادثة. وبعد أن ذكرت «واشنطن بوست» أن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية خلُصت إلى أن محمد بن سلمان أمر بقتل خاشقجي، كذَّب ترامب التقرير. وفي عام 2019، تجاهل ترامب قانونًا يطالب بتقديم تقرير إلى الكونجرس حول المسؤول عن مقتل خاشقجي.

وفي مارس (أذار) الماضي، أرسل قادة من الحزبين في لجنة المخابرات بمجلس الشيوخ رسالة إلى القائم بأعمال مدير المخابرات الوطنية، ريتشارد جرينيل، طالبوه فيها برفع السرية عن المعلومات المتعلقة بقتل السعودية لخاشقجي بعد إعطائهم نسخة منقوصة من التقرير.

الصحافي الراحل جمال خاشقجي

تقول أجنيس كلامارد، مقررة الأمم المتحدة الخاصة بعمليات القتل خارج نطاق القانون، لمجلة «تايم»، في إشارة إلى التعليقات الشهيرة التي أدلى بها الرئيس لمراسل التحقيقات المحنَّك بوب وودوارد والتي أنقذت رقبة ولي العهد السعودي: «ليس لدي أدنى شك أن دونالد ترامب حمى محمد بن سلمان وأنقذه» وأضافت أن «ترامب حمى الفرد وليس الدولة».

وتقول أجنيس إنها تتوقع من إدارة بايدن «ألا تقوِّض عمليات الولايات المتحدة الديمقراطية على الأقل»، كما فعل ترامب في اعتراضه على مشاريع القوانين التي تقدم بها الحزبان المتعلقة بقتل خاشقجي وحظر بيع الأسلحة للسعودية التي تستخدمها في حرب اليمن. وفي مايو أقال ترامب لجنة رقابية تابعة لوزارة الخارجية كانت بصدد التحقيق في إعلان «حالة الطوارئ الوطنية» من أجل إجازة مبيعات الأسلحة تلك. وتضيف أجنيس أنها تتوقع «ألا يسوِّغ بايدن الانتهاكات التي يرتكبها الآخرون أو يوحي أن الولايات المتحدة لا تهتم بهذه الانتهاكات بسبب مصالحها الاقتصادية».

هل يعِد بايدن بتغيير حقيقي؟

يقول الكاتب: إن بايدن بصفته مرشحًا ديمقراطيًّا اتَّخذ نبرة صارمة تجاه السعودية. وجاء في بيان على موقع حملته على الإنترنت أنه في حال انتُخِب بايدن رئيسًا، فإنه «سيعيد تقييم» العلاقات مع السعودية، «وينهي الدعم الأمريكي لحرب السعودية في اليمن، وسيتحقق من أن أمريكا لا تتخلى عن قِيمها عند بوابة أي صفقة لبيع الأسلحة أو شراء النفط». ويضيف البيان أن بايدن «سيدافع عن حق النشطاء والمعارضين السياسيين والصحافيين في العالم في التعبير عن آرائهم بحرية دون خوف من الاضطهاد أو العنف».

ويبقى ما يعنيه ذلك سؤالًا مفتوحًا من الناحية العملية، لا سيما أنه حينما كان بايدن نائبًا للرئيس، دعمت إدارة أوباما حرب السعودية في اليمن وباعت أسلحة للمملكة أكثر مما فعل أيٌّ من أسلافها الديمقراطيين أو الجمهوريين. يقول ماكينيرني: «أعتقد أنه سيكون هناك بعض الجدل الدولي بين أولئك الذين يريدون تغييرًا حازمًا جدًّا في علاقة الولايات المتحدة والسعودية وأولئك الذين سيكونون أكثر حذرًا، والنهج الأكثر حذرًا سيكون متماشيًا مع السوابق التاريخية».

وقالت عدة مصادر دبلوماسية واستخباراتية لرويترز في مقابلاتها الأخيرة أنه من غير المرجح أن يقلب بايدن العلاقات السعودية الأمريكية رأسًا على عقب، لكنه قد يضع شروطًا أكثر صرامة على الدعم الأمريكي مثل المطالبة بتنازلات وطنية كإطلاق سراح المُدافِعات عن حقوق المرأة المسجونات لدى النظام السعودي. 

المطالبات بالحقوق خلف قضبان النظام السعودي

ومن أبرز هؤلاء المُدافِعات؛ لجين الهذلول التي اعتقلتها السلطات السعودية قبل أسابيع فقط من رفع الحظر الذي فرضته المملكة مدة طويلة على قيادة السيارات. وقالت عائلة لجين: «إن السلطات السعودية عذَّبتها واعتدت عليها جنسيًّا أثناء وجودها في السجن». وفي 27 أكتوبر بدأت لجين إضرابًا جديدًا عن الطعام احتجاجًا على رفض السلطات السماح لعائلتها بزيارتها للشهر الثاني على التوالي.

مجتمع

منذ سنة واحدة
سُجنت وعُذبت وأجبرت على الطلاق.. كيف دمر ابن سلمان حياة لجين الهذلول؟

وقالت لينا الهذلول، شقيقة لجين المقيمة في برلين، لمجلة تايم: «إنها ليس لديها شك أن السلطات السعودية كانت ستتعامل مع أختها على نحو مختلف لو أن إدراة ترامب أثارت أي اعتراض». وأضافت أن «الشيء الوحيد الذي يسمح لهم في السعودية بتجاهل الضغوط الدولية هو أن البيت الأبيض لم يتحدث عن المسألة، ولم يوصل رسالة واضحة للسعوديين تفيد بأنها لا توافق على ذلك».

ويرى الخبراء أن هناك فرصة ضئيلة جدًّا في أن يغيِّر ترامب مساره إذا ما أعيد انتخابه، وسيمثل ذلك «اختبارًا حقيقيًّا» لمرونة المؤسسات الديمقراطية الملزمة بدعم النظام القائم على القواعد والأسس»، وفقًا لأجنيس. 

وفي هذه الأثناء، لا يقف الجميع منتظرًا أن تأتي العدالة من المكتب البيضاوي، ففي الأسبوع الماضي، رفعت خديجة جنكيز، أرملة خاشقجي، دعوى قضائية فيدرالية في محكمة واشنطن العاصمة تهدف لمقاضاة ابن سلمان وأكثر من 20 من «المتآمرين» معه على قتل زوجها. وانضمت إلى خديجة منظمة الديمقراطية للعالم العربي (DAWN) كمدعٍ في الدعوى القضائية، وهي منظمة المجتمع المدني التي كان يعمل خاشقجي على تأسيسها قبل وفاته.

واختتم الكاتب مقاله مع عبد الله العودة الذي يشغل منصب مدير أبحاث في منظمة (DAWN) والذي يقول: «مجرد أن نرفع دعوى هنا في واشنطن العاصمة يُعد دلالة على أننا ما زلنا نؤمن أن هناك طرقًا أخرى للضغط على الحكومة السعودية، وهذا هو الحال بغض النظر عمن سيفوز بالانتخابات».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد