تناولت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية والكاتب ريك جلادستون قضية السجين الأمريكي جون داونز المحكوم عليه بالسجن مدى الحياة في قطر بتهمة التجسس لصالح إيران، ويتناول أوضاعه داخل السجن من خلال لقاء تليفوني نظمته مجموعة حقوقية أمريكية مع داونز من داخل السجن مع الصحيفة الأمريكية.

في قطر يقع السجن المركزي على بعد مسافة قريبة من قاعدة العديد الجوية، والتي تعد أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط. هكذا قال جون ويسلي داونز مازحًا، ربما كان يعني أن الجنود الأمريكيين هناك كان بإمكانهم تحريره. على مدار أكثر من 13 عامًا كان دوانز (62 عامًا)، القادم من مدينة أركنساس الأمريكية، والذي يعمل عالمًا في فيزياء الأرض، محتجزًا في قطر، تلك الدولة الصغيرة الثرية في منطقة الخليج العربي.

بحسب التقرير، أُلقِي القبض على داونز في عام 2005 وحُكِم عليه بالسجن مدى الحياة بتهمة التجسس والتآمر لبيع معلومات حساسة عن مخزون الغاز الطبيعي في البلاد لصالح إيران. كان داونز الأمريكي الوحيد داخل السجن المكون من طابقين في وسط الصحراء، والذي يضم مجموعة من المدانين بجرائم مختلفة، من القطريين والأجانب، والذين تم تقسيمهم بحسب الجنس.

من بين تلك المجموعة تجار مخدرات كولومبيين، وشيخ ثري عربي، واثنان من الفلسطينيين الذين وصفهم دوانز باللطفاء، والمسجونين في قضية مالية، بحسب لقاء تليفوني أجرته «نيويورك تايمز» مع داونز. الصديق المقرب من داونز كان رجلًا صينيًا متهمًا بالتزوير المالي، والذي أصبح طالبًا لداونز لتعلم الإنجليزية، كما أصبح فيما بعد واحدًا من اثنين كانا بمثابة حرسه الشخصي بصفة غير رسمية.

قصة تورط داونز

بحسب التقرير، يرى داونز وعائلته وممثلوه القانونيون والدبلوماسيون الأمريكيون، ومن بينهم السيناتور جون بوزمان، عضو الحزب الجمهوري بولاية أركنساس، أن اتهامه بالتجسس هو اتهام باطل، وأن العقاب الذي تلقاه هو غير عادل على الإطلاق، على الرغم من إقرارهم بجزء من المزاعم التي اتهمته قطر بها.

مدينة رأس لفان الصناعية في قطر، أهم مراكز إنتاج الغاز المسال

أثناء عمل داونز في قطر كمدير جيولوجي لصالح شركة قطر للبترول، والتي تعد شركة الطاقة الوطنية، حاول في عام 2005 بيع بعض المعلومات التي وصفها بعديمة الفائدة بشكل سري حول مخزون الغاز القطري لإيران في مقابل 20 ألف دولار، وهو المبلغ الذي قال إنه كان بحاجة إليه لتسديد مصاريف دراسة ابنه الجامعية. في ذلك الوقت قال دوانز ومحاموه إنه كان يعاني من ضائقة مالية.

في ذلك الوقت، قرر داونز أيضًا الانتقال إلى السعودية في وظيفة ذات راتب أعلى، وهو القرار الذي يقول محاموه إنه أغضب مديري شركة قطر للبترول، ودفعهم لإلغاء حافز كان يفترض أن يحصل داونز عليه، وهو ما دفعه إلى الشعور بالاستياء الشديد. لم تتم الصفقة مع إيران على الإطلاق؛ إذ أُحبِطت من جانب رجال الاستخبارات القطريين، والذين تمكنوا من إدانته من خلال رسالة أرسلها داونز إلى السفارة الإيرانية في قطر، بحسب محامي داونز.

خلال مكالمته مع صحيفة «نيويورك تايمز» يعترف داونز أنه ارتكب فعلًا أحمقًا، وأنه ظن أن عقد صفقة مع الإيرانيين يمكن أن يفيده، كما وصف قراره بـ«غير العقلاني الناتج عن مشاكل مالية»، وأنه لم يكن لديه الشجاعة على الإطلاق لتسليم تلك المعلومات للإيرانيين. وفي الوقت الذي يعترف فيه محامو داونز بخيانته لمكان عمله، إلا أنهم يرون أنه لا ينبغي على الإطلاق اتهامه بالتجسس، وأن العقاب العادل من وجهة نظرهم هو طرده من قطر.

تفاصيل السجن والمحاكمة

إن السؤال عما إذا كان سيستكمل داونز مدة عقوبته في سجن قطر متوسط الحراسة، الذي يدير مكتبته حاليًا، أصبح سؤالًا في الوسط الجيوسياسي في أمريكا وقطر وإيران والسعودية. تقول عائلته: إن مكالمة من ترامب لأمير قطر ستكون كافية لإطلاق سراحه، ولكن إدارة ترامب، والتي تحمل عداءً قويًا لإيران، ووجهة نظر غير واضحة حول قطر، على الرغم من تعاونها عسكريًا مع الولايات المتحدة، زاد من الشكوك حول ما إذا كان ترامب ينوي التدخل لتحرير أمريكي متهم بالتجسس لصالح إيران، حتى إذا كان قد تمت محاكمته وإدانته بصورة غير عادلة.

صورة لداونز داخل السجن. قطة مملوكة لأحد السجناء الخليجيين الأثرياء والمحبوس داخل زنزانة خاصة. المصدر: «نيويورك تايمز»

بحسب التقرير، سلطت قضية داونز الضوء على ما وصفته صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية بالنظام القضائي الغامض في قطر، والذي منح داونز فرصةً ضئيلةً للدفاع عن نفسه ضمن محاكمة عُقِدت باللغة العربية التي لا يتحدثها داونز. لم يسمح لعائلته، ولا للمسئولين القنصليين الأمريكيين، بحضور أغلب الإجراءات، كما أن المحامين لم يكن أمامهم الفرصة لفعل الكثير لتحدي ذلك الادعاء الموجه لداونز.

منذ ذلك الحين، عينت عائلته فريقًا قانونيًا آخر، والذي زعم بأن داونز اتُهِم بالتجسس بشكل خاطئ على أساس افتراض غير مبرر حول نيته تزويد إيران بكمية كبيرة من البيانات الداخلية لشركته. يقول راندي بابيتي، عضو فريق الدفاع عن داونز: «إن السلطات القطرية لم تعرف بالتحديد ما كان ينوي فعله، فقط قاموا بجمع جميع البيانات على مكتبه، واعتبروا أن تلك المعلومات هي التي كان ينوي إعطاءها لإيران».

أكد المدعون القطريون أن تلك المعلومات تساوي مليارات الدولارات، بحسب التقرير، ولكن بابيتي يقول إن داونز لم يعطها لإيران على الإطلاق، حتى إذا أخذنا في الاعتبار أنه تفاوض حول ذلك؛ فما عُرِض عليه من الجانب الإيراني لم يتجاوز 20 ألف دولار، كما يضيف أن تلك القضية استُخدِمت بغرض الدعاية الإعلامية في قطر، وأن عددًا من المعلومات المضللة اختلط بالمعلومات الحقيقية؛ ليخرج ما وصفه بالنتيجة غير المعقولة.

يقول بابيتي: إن ما حدث هو أن جيولوجيًا حاول جمع بعض المال لتأمين المصاريف الدراسية لابنه في الوقت الذي ظن فيه أنه تم خداعه فيما يتعلق بالحصول على حوافزه المالية من الشركة، وأن ذلك الأمر تحول إلى قضية تجسس. قدم فريق الدفاع عن داونز عريضة لفريق الأمم المتحدة المعني بالاحتجاز التعسفي، مطالبين باتخاذ إجراء عاجل، ومطالبة قطر بالإفراج عن داونز بشكل عاجل.

محاولات أمريكية للإفراج عن داونز

بحسب التقرير، وصفت العريضة التي قدمها فريق الدفاع عن داونز الحكم الصادر بشأنه بـ«عقوبة تعسفية بالسجن مدى الحياة تستند على ادعاء كاذب ودوافع سياسية باعتباره جاسوسًا أجنبيًا». ومن غير الواضح ما إذا كانت لجنة الأمم المتحدة ستتخذ قرارًا ما. تستهدف العريضة أيضًا تغيير ما يصفه بابيتي بالسرد الخاطئ حول اعتبار داونز جاسوسًا أجنبيًا، وهو ما يتم نشره من جانب المسئولين القطريين.

لقاء دونالد ترامب مع الأمير تميم

ما يزيد من التشويش حول قضية داونز هو ما المقابل الذي قد تتلقاه قطر مقابل الإفراج عنه؛ إذ تسعى قطر للحصول على دعم إدارة ترامب في أزمتها مع السعودية، وربما يتم التعامل مع قضية داونز كورقة للمساومة. بحسب التقرير، رفض المسئولون القطريون التعليق على القضية.

يشير التقرير إلى أن عائلة داونز بما في ذلك أطفاله الثلاثة دائمًا ما حاولوا جاهدين المطالبة بإطلاق سراحه، وسعوا إلى الحصول على المزيد من المعلومات حول القضية، إلا أن جهودهم جرى تكثيفها في الشهور الأخيرة. تقول شقيقته جولي: «إن العائلة حصلت على تأكيدات من الجانبين القطري والأمريكي بأن الحكم بالسجن مدى الحياة يمتد لـ25 عامًا، وأنه يمكن إطلاق سراح السجين بعد تجاوزه نصف المدة إذا ما كان سلوكه جيدًا خلال فترة الحبس. مع أخذ ذلك في الاعتبار»، تقول شقيقته: إنه «كان من المفترض أن يطلق سراح داونز مطلع هذا العام».

وكان السيناتور بوزمان قد كتب للرئيس ترامب في مارس (آذار) الماضي مطالبًا إياه بحل قضية داونز في الوقت الذي كان من المتوقع زيارة أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني إلى واشنطن في أبريل (نيسان) من العام الجاري، ومن غير المعلوم ما إذا كان ترامب قد ناقش القضية مع أمير قطر من عدمه.

العودة للمنزل فحسب

المتحدث باسم بوزمان – باتريك كريمر – قال: «إن مكتبه لم يتلق أي رد على الإطلاق من البيت الأبيض، وأن البيت الأبيض قد أحال التساؤلات حول داونز إلى وزارة الخارجية، وأنهم لم يحصلوا على أية أخبار حول إطلاق سراحه، إلا أن السفارة الأمريكية في قطر ستواصل تقديم كل المساعدات القنصلية الممكنة لداونز وعائلته. في الوقت ذاته، يسعى داونز قدر الإمكان إلى الاستفادة من المأزق الذي وقع فيه».

في اللقاء التليفوني مع الصحيفة الأمريكية، والذي أجراه من داخل السجن، والتي رتبتها وكالة «ديفيد هاوس» والمتخصصة في إدارة الأزمات فيما يتعلق بقضايا الأمريكيين المدانين في الخارج، قال داونز: إنه تعلم اللغتين الصينية والإسبانية، وأنه يُسمح لعائلته بزيارته بشكل دوري، كما أن لديه راديو، ولكن لا يمكنه استخدام الإنترنت. حينما وصل لمكانه في السجن للمرة الأولى، ظن بعض المساجين العرب أنه إسرائيلي، وكانوا ينادونه باسم «موساد» بغرض الضحك.

وباعتباره أمين مكتبة السجن، فقد جمع داونز مجموعة من الكتب بعضها جاء من خلال عائلته، ويقول إن المقترضات من السجن النسائي يكتبن له ما يردن من خلال مراسلات ورقية، كما تحدث عن تفضيلاتهن واختياراتهن من الكتب. وعلى الرغم من أن داونز لم يتعرض لسوء المعاملة، إلا إنه يؤكد أن السجن يسبب حالة من العزلة والشعور بالوحدة، وأن ذلك الأمر يزداد كونه الأمريكي الوحيد هناك. وبسؤاله عن أكثر شيء يريده بقوة، قال داونز: إنه يريد العودة لمنزله فحسب، وأن يعتني بأحفاده، وأنه لا يريد أي شيء خلاف ذلك.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد