عدَّ الصحافي جو مايس، مراسل وكالة «بلومبرج» لشؤون المملكة المتحدة والبريكست، تقريرًا نشره موقع الشبكة الإخبارية الأمريكية سلَّط فيه الضوء على إستراتيجية رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، لمواجهة تداعيات البريكست (خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي)، متسائلًا هل تؤدي الأزمات المتلاحقة، مثل نقص سائقي الشاحنات وسلاسل الإمداد، إلى تراجع رئيس الحكومة البريطانية عن بعض سياساته الخاصة بالبريكست؟

البريكست وخطوة ملغومة

استهلَّ الكاتب تقريره بالقول إن تردُّد جونسون في اللجوء إلى الاتحاد الأوروبي لتخفيف حدة الأزمة الحالية التي تعاني منها سلاسل الإمداد والتوريد، التي أدَّت إلى خلو رفوف الأسواق والمتاجر البريطانية من السلع، أبرَزَ أن الحكومة البريطانية الحالية تضع «البريكست» أولًا في سُلَّم أولوياتها.

دولي

منذ 9 شهور
جورج فريدمان: من زاوية جيوسياسية.. هذه أهم مشكلة تواجه بريطانيا بعد «البريكست»

ويُوضح التقرير أن جونسون، الذي كان من قيادات حملة الخروج من الاتحاد الأوروبي متعهدًا بـ«استعادة السيطرة» على الحدود البريطانية، وتأمين مزيد من فرص العمل للبريطانيين، ينظر إلى فكرة اللجوء السريع إلى العمالة الرخيصة القادمة من الاتحاد الأوروبي لسد فجوة النقص الوطني في سائقي الشاحنات، على أنها خطوة محفوفة بالتحديات والمخاطر من الناحية السياسية.

يقول جوليان جيسوب، المحلل الاقتصادي في معهد الشؤون الاقتصادية البحثي المتخصص في السوق الحرة، إن قيام جونسون بهذه الخطوة سيكون إقرارًا ضمنيًّا بمزايا عضوية الاتحاد الأوروبي. ويضيف جيسوب، أحد المدافعين عن الخروج من الاتحاد الأوروبي، قائلًا: «إنهم (البريطانيون) لا يريدون الاعتراف بأن حرية حركة تنقل العمال (عبر الحدود الأوروبية) جلبت بعض الفوائد للمملكة المتحدة. وربما يبدو هذا الأمر وكأنه فقدان للثقة في البريكست».

سؤال يفرض نفسه

ويستدرك التقرير موضحًا أن النقص في سلاسل الإمدادات، الذي نتج جزء منه بسبب البريكست، تسبب في حدوث فوضى للشركات والمستهلكين. واضطرت مجموعة «ناندوز» (سلسلة مطاعم الوجبات السريعة) إلى إغلاق بعض منافذها لبيع الوجبات السريعة في ظل نقص الدجاج، بينما خَلَت مخازن شركة «ماكدونالدز» في بريطانيا من اللبن المخفوق (ميلك شيك). وحذَّرت صناعة الضيافة والأغذية في البلاد من أن هذا النقص سوف يتفاقم ويزداد سوءًا مع زيادة الطلب في وقت لاحق من العام الجاري.

وفي هذا الصدد، يقول تيم بيل، أستاذ السياسات في كلية كوين ماري بجامعة لندن، إن: «خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يسفر دائمًا عن توتر في فلسفة سياسة حزب المحافظين بين الالتزام بحرية الأسواق، والتمسك بالسيادة الوطنية. لكنهم في النهاية اختاروا السيادة الوطنية».

Embed from Getty Images

ويُشير التقرير إلى أن السؤال الأساسي الذي يفرض نفسه خلال الأسابيع المقبلة: هل سيظل جونسون متمسكًا بموقفه من الاتحاد الأوروبي إذا تفاقمت الأزمة أم يتراجع عنه؟ ومن المرجح أن تؤدي عودة المدارس ورفع القيود المفروضة للحماية من فيروس كورونا المستجد إلى زيادة الضغط على سلاسل الإمداد. وفي يوم الاثنين، حذَّر رئيس أكبر مجموعة ضغط تجارية في البلاد، من أن نقص العمالة قد يستمر في المملكة المتحدة لمدة عامين تقريبًا.

نقطة تحول تلوح في الأفق؟

يُنوه بيل إلى أن جونسون ربما وصل إلى مرحلة قد يكون فيها تغيير المسار السياسي مناسبًا ومحتملًا. وأوضح بيل أنه: «إذا شاهدنا كثيرًا من أخبار «إلغاء فعاليات أعياد الميلاد (الكريسماس)»، فإننا على الأرجح سندرك أن الحكومة تتراجع عن سياساتها. وقد يؤدي ذلك إلى نشر قليل من الأخبار السيئة لبضعة أيام، لكن هذا لا يُضاهي الصعوبات التي قد تواجهها الحكومة البريطانية إذا ظل النقص في المنتجات على رفوف المتاجر مستمرًّا».

ويلفت التقرير إلى أنه في ظل عدم وجود مؤشرات على حدوث تغيير في موقف جونسون، سيتعين على الشركات أن تتحمل العبء الأكبر. إذ كشف تقرير نشره مكتب الإحصاء الوطني البريطاني في يوم 26 أغسطس (آب) أن 7% من الشركات كانت غير قادرة على توفير المواد أو السلع أو الخدمات التي تحتاج إليها من داخل المملكة المتحدة خلال الأسبوعين الماضيين.

وعلى الرغم من الدعوات المتكررة من جانب قطاع الخدمات اللوجستية المطالبة بمنح سائقي الاتحاد الأوروبي تأشيرات مؤقتة لدخول بريطانيا بهدف التخفيف من حدة أزمة سائقي الشاحنات في بريطانيا، وبالتزامن مع ما أفاده قطاع النقل أن هناك عجزًا يُقدر بـ100 ألف سائق للشاحنات الثقيلة، أصرت الحكومة البريطانية على رفضها الاستجابة لهذه الدعوات، وحثَّت الشركات على تدريب مزيد من البريطانيين وتوظيفهم في مهنة سائق، إلى جانب زيادة الأجور وتحسين ظروف العمل لجذب مزيد من العمال البريطانيين.

جذور الأزمة

من جانبها، أصدرت وزارة الأعمال والطاقة والإستراتيجية الصناعية في بريطانيا بيانًا لها تقول فيه: «نتمنى أن نرى أصحاب الأعمال يستثمرون في القوى العاملة المحلية البريطانية على المدى البعيد. كما نحرص على التعاون الوثيق مع قطاع النقل لمواجهة التحديات الراهنة».

ويشير التقرير إلى أن جذور أزمة نقص السائقين في بريطانيا بالتأكيد معقدة وتاريخية.

Embed from Getty Images

إذ لم يكن لدى بريطانيا ما يكفي من سائقي الشاحنات قبل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى أن الأجور منخفضة وعدد ساعات العمل تخالف القوانين المعمول بها، وقلة عدد ساحات وقوف السيارات والمراحيض، وهذا كله أدَّى إلى أن يصبح القطاع غير جذاب للسائقين المحتملين، إلى جانب أن التغيير الضريبي الأخير يعني أن مهنة السائق أقل ربحًا.

وفي الوقت الذي لا تعاني بريطانيا وحدها من أزمة نقص العمالة وسلاسل الإمداد، يتزايد استياء الشركات البريطانية من موقف جونسون المتزمت من الهجرة إلى الاتحاد الأوروبي. وأشاروا إلى أن تدريب سائقين جدد قد يستغرق حوالي ستة أشهر، بينما هم حاليًا في أمسِّ الحاجة إلى العمالة، موضحين أن أزمة النقص تتجاوز سائقي الشاحنات.

وينقل التقرير ما قاله ريتشارد هارو، الرئيس التنفيذى لاتحاد الأغذية المجمدة البريطانى، إن بعض الوظائف الأساسية في صناعة المواد الغذائية، مثل الجزارين والمهندسين والقصَّابين، تواجه أزمة النقص نفسها في عدد العمال. وأفاد هارو أن: «هناك نقصًا في كل مكان. وليس هناك قدر كافٍ من المرونة لسد الفجوات التي نعاني منها»، وعزا الجزء الأكبر من هذه الأزمة إلى البريكست.

المستهلك البريطاني يدفع الثمن

من جانب آخر، ألمح جيسوب إلى أن هناك أسبابًا سياسية واقتصادية قوية تدفع جونسون لرفض الدعوات المطالبة بتوظيف العمال من الاتحاد الأوروبي، على الرغم من الأزمة الملِحَّة. وأفاد بأن منح تأشيرات مؤقتة للعمال من الاتحاد الأوروبي قد يؤدي إلى تقليص دوافع الشركات لزيادة الأجور وتحسين ظروف العمل، مضيفًا أن دول الاتحاد الأوروبي تواجه أيضًا أزمة النقص نفسها في السائقين؛ ما يعني أن هذه الخطوة قد يكون لها تأثير ثانوي فقط في النقص في المملكة المتحدة.

ويختم الكاتب تقريره بالإشارة إلى أن المستهلكين بدأوا بالفعل يشعرون بتأثير تداعيات البريكست. إذ أدَّت أزمة نقص السائقين والإجراءات الروتينية المتعلقة بالبريكست، وارتفاع تكاليف الشحن والسلع إلى ارتفاع الأسعار في المتاجر، بحسب بيانات اتحاد تجارة التجزئة البريطاني الصادرة في أغسطس. وقال مجلس اتحاد تجارة التجزئة البريطاني، الذي دعا الحكومة في الشهر الماضي إلى توفير تأشيرات مؤقتة لسائقي الاتحاد الأوروبي، إن أسعار المواد الغذائية من المحتمل أن ترتفع أكثر في الأشهر المقبلة.

Embed from Getty Images

وصرحت هيلين ديكنسون، الرئيس التنفيذي لاتحاد تجارة التجزئة البريطاني، قائلةً إنه: «إذا لم تتخذ الحكومة البريطانية أي إجراء، فسيدفع المستهلكون البريطانيون الثمن. ويمكن أن يزداد الوضع سوءًا، مع اقتراب موسم أعياد الميلاد (الكريسماس)».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد