2,089

قال تقرير نشرته مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية: إن حادث إطلاق النار الذي شهدته السفارة الإسرائيلية في الأردن وأسفر عن مقتل مواطنين أردنيين على يد أحد حراس السفارة مساء الأحد الماضي، قد تسبب فى إحداث أزمة دبلوماسية استمرت 24 ساعة بين الأردن وإسرائيل.

ووفقًا لتقارير إسرائيلية، فقد هاجم الأردني محمد الجواودة الحارس الإسرائيلي بمبرد، وأطلق الحارس النار عليه دفاعًا عن النفس. قتل الجواودة، في حين أسفر إطلاق النيران أيضًا عن مقتل أردني آخر، وهو مالك المبنى، والطبيب بشار حمارنة الذي توفي في وقت لاحق في المستشفى.

أشار تقرير المجلة الأمريكية إلى أن الأزمة خلفت مناخًا متوترًا بالفعل بسبب تصاعد العنف فى القدس المجاورة، غير أن الوساطة التي تلت ذلك قد تمهد الطريق أمام حلها.

وفي 14 يوليو (تموز) الماضي، قتل مسلحون عربان شرطيين إسرائيليين في ساحة الحرم الشريف. يذكر أن المجمع الذي يشمل القدس الشريف، وهو أقدس موقع فى العالم لليهود وثالث قبلة للمسلمين، يدار رسميًا من قبل الأردن عن طريق إدارة الوقف.

 إلا أن إسرائيل ردت على إطلاق النار بإغلاق موقع المسجد وتركيب أجهزة الكشف عن المعادن على بواباته؛ مما أدى إلى اندلاع موجة غضب بين الفلسطينيين والأردنيين الذين اعتبروا هذا العمل علامة على العدوان الإسرائيلي.

اقرأ أيضًا: «واشنطن بوست»: المغرب والأردن.. ممالك الاستبداد «الذكي» في الشرق الأوسط

تصاعد التوتر

وفى وقت مبكر من صباح الثلاثاء، وبعد موجة من المفاوضات والزيارات ذهابًا وإيابًا بين السلطات الإسرائيلية والأردنية، أعلنت إسرائيل أخيرًا أنه سيتم إزالة أجهزة الكشف عن المعادن، والاستعاضة عنها «بتدابير أمنية قائمة على التكنولوجيات المتقدمة».

غير أن هذا القرار المحتمل – بحسب التقرير – يأتي بعد أسبوعين من تصاعد التوترات والعنف. وبعد أسبوع واحد من حادث إطلاق النار الأول، حيث قتل ثلاثة مدنيين فلسطينيين في اشتباكات بين المتظاهرين والقوات الإسرائيلية في القدس.

الرئيس الفلسطيني محمود عباس كان قد أعلن قطع العلاقات مع إسرائيل، بما في ذلك التعاون الأمني بين السلطة الفلسطينية والقوات الإسرائيلية، إلى أن يتم إزالة أجهزة الكشف عن المعادن. وفي تلك الليلة نفسها، دخل شاب فلسطيني مستوطنة إسرائيلية في الضفة الغربية، ثم طعن ثلاثة إسرائيليين حتى الموت. وكتب في منشور على فيسبوك قبل تنفيذ العملية: «أنا شاب، لم أبلغ العشرين من العمر بعد. كان لدي العديد من الأحلام والتطلعات، ولكن أي نوع من الحياة تلك، حيث يقتل نساؤنا وشبابنا دون مبرر؟»

وقد امتدّت تلك التوتّرات إلى الأردن أيضًا، حيث سار آلاف المتظاهرين في وسط مدينة عمّان احتجاجًا على التدابير الأمنية الإسرائيلية في الحرم الشريف، الجمعة 21 يوليو (تموز). ويُعتبَر الرأي العام الأردني معاديًا لإسرائيل على نحو ساحق، على الرغم من معاهدة السلام التي أبرمتها الحكومة مع إسرائيل منذ عام 1994، إلى جانب عدد من اتفاقيات المياه، والغاز الطبيعي، والتنسيق الأمني المستمر.

اقرأ أيضًا: شباب الطبقة الوسطى في الأردن.. من الجامعة إلى «تنظيم الدولة»

علاقات أمنية مشتركة

أصرت الحكومة الأردنية على إجراءِ تحقيق في أعقاب الهجوم، وهو ما رفضته السلطات الإسرائيلية، بزعم الحصانة الدبلوماسية لحرس السفارة.

التقرير نقل عن المحلل السياسي الأردني، أسامة الشريف قوله: «إن أفضل سبيل لوصف العلاقة بين الأردن وإسرائيل هو أنهم أصدقاء مريرون وأعداء جيّدون». وقد وطّدت المصالح الأمنية المشتركة علاقة البلدين على مستوى الحكومة، وأضاف الشريف أنه «مع ذلك؛ على المستوى العام، هناك الكثير من الغضب والاستياء». وتابع الشريف أن عدم الثقة يُترجم إلى اعتقاد بين الأردنيين بأن إسرائيل تحاول تغيير الوضع الراهن في المجمّع للسماح للإسرائيلين بالصلاة داخله، وهو أمر محظور في الوقت الراهن.

التقرير تابع بقوله إن أزمة القدس حسّاسة بشكل خاص للأردنيين، ليس فقط لأهميتها الدينية، بل لأن أكثر من 60% من الأردنيين لديهم جذور فلسطينية. ويعاني العديد من الأردنيين على نحو منتظم من الإذلال والتمييز أثناء محاولات زيارة الأقارب على الجانب الآخر من الحدود، وقد ساهم ذلك كلّه في امتداد تكذيب الإدعاءات بأن محمد الجاوودة هاجم حرس السفارة الإسرائيلية قبل أن يتم قتله.

وفقًا للتقرير، فقد أصرت الحكومة الأردنية على إجراءِ تحقيق في أعقاب الهجوم، وهو ما رفضته السلطات الإسرائيلية، بزعم الحصانة الدبلوماسية لحرس السفارة. ووعد مسؤولون أردنيون أن القاتل لن يغادر الأراضي الأردنية دون أن يتم استجوابه، وأن يتم الاستيضاح منه حول كيفية وسبب قتل مواطنيهما الاثنين.

وانتقد رئيس مجلس النوّاب والرئيس السابق لنقابة المحامين، صالح العرموطي، تأجيل التحقيق، إذ قال: إن هذا يشكل تحديًا للسيادة الأردنية، داعيًا إلى طرد «السفير الصهيوني» من عمان، وسحب الدبلوماسيين الأردنيين من تل أبيب، وإلغاء معاهدة السلام بين إسرائيل والأردن.

وعلى تويتر؛ كتبت النائبة ديما طهبوب، التي تنتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين في الأردن تغريدة قالت فيها: «فك الله عقدة لسان الإعلام الرسمي، وعسى أن يخرج للشعب سريعًا بتصريحه عن الحدث بدلًا عن أن يترك الناس فريسة لأخبار الإعلام الصهيوني!»

وفي متجرٍ مجاور للسفارة الإسرائيلية، نقل التقرير ما ذكره عابد الدباس، البالغ من العمر 19 عامًا، أنه لم يكن ليصدق تقارير من الحكومة الإسرائيلية او الأردنية. وقال إنه نشأ في الحي، ولكنه لم يتعامل مع موظفي السفارة الإسرائيلية أبدًا. وأضاف: «لا أحد يستطيع التحدث إليهم، لديهم دائمًا حرس شخصي. الشرطة الأردنية تحميهم هم، ليس نحن».

لم يبق سوى الحزن

نفت عائلة محمد الجواودة أي احتمال بأن يكون ابنهما قد خطط لهجوم. وقال زكريا الجواودة، والد محمد الجواودة: «إنه مجرد طفل. إنه لا يفكر بهذه الطريقة. كان سيعمل على إصلاح غرفة نوم، وهو الآن شهيد».

كما أفاد التقرير أن القيادات في عمان والقدس حاولت في الوقت نفسه نزع فتيل الأزمة في حينها. ودعا العاهل الاردني الملك عبد الله الثاني رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو إلى أن يتوجه رئيس جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي (شين بيت) إلى عمان للتفاوض. وانتهت الوساطة بحل توفيقي: جاءت الشرطة الأردنية إلى السفارة واستمعت إلى وصف الحارس لما حدث كما وصفه للدبلوماسيين الإسرائيليين، وفقًا لتقارير إسرائيلية، بدلًا عن أن يستجوبه الأردنيون مباشرة.

وبعد ذلك بقليل تم إجلاء موظفي السفارة إلى إسرائيل في الساعة الحادية عشر مساء. وبعد منتصف الليل تقريبًا، أصدرت المخابرات الأردنية تقريرها الذي جاء فيه أن الشاب البالغ من العمر 17 عامًا هاجم الحارس بمبرد، ولكن بسبب نزاع حول تسليم الأثاث، وليس بسبب دوافع سياسية. وفي حوالي الساعة الواحدة صباحًا، أعلنت إسرائيل أنها ستزيل أجهزة الكشف عن المعادن من مدخل الحرم الشريف.

وقال التقرير: «إن الأزمة الدبلوماسية قد انتهت، لذلك يتم الحفاظ على العلاقة بين الأردن وإسرائيل. وما تبقى في عمان هو الحزن، سفارة فارغة، وتساؤلات بشأن ما إذا كانت العدالة ستأتي لأولئك الذين قتلوا. الرجل الآخر الذي قتل، بشار حمارنة، كان قد تم تدريبه كجراح تقويم العظام في ألمانيا ويدير عيادة خاصة ناجحة في عمان».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك