نشر موقع صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية مقالًا للصحافي تسفي بارئيل، محلل شؤون الشرق الأوسط في الصحيفة، يكشف فيه عن الضغوطات الداخلية والإقليمية التي تحيط بالملك عبد الله الثاني، وتداعياتها على علاقة الأردن بإسرائيل، وبعض الدول العربية مثل المغرب والسعودية.

النفوذ الأردني في الملف الليبي يتعاظم.. ما السر وراء ذلك؟

في بداية مقاله استشهد تسفي بارئيل بجزءٍ من رسالة أرسلتها 84 شخصية عامة أردنية، بمن فيهم وزير سابق، إلى الملك عبد الله الشهر الماضي.

جاء فيها على لسانهم: «على مر السنين، وصلتكم رسائل ونداءات من كل شريحة من شرائح المجتمع الأردني تطالبكم بإجراء إصلاحات وتحسين الوضع، لكن كل هذه الدعوات ذهبت أدراج الرياح. علاوةً على ذلك، تجاهلتها عن عمد مع الاستمرار في اتباع نظام سياسي واقتصادي قائم على الفساد والطغيان، والذي يقوض مصالح الشعب، ويهدد أمن الدولة واستقرارها، ويوصلها إلى حافة الهاوية».

ويقول بارئيل إنَّ الأمور بلغت ذروتها بشكلٍ استثنائي عندما اشتدت المعركة مع الشعب تدريجيًّا منذ يناير (كانون الثاني) 2018، عندما وافقت الحكومة الأردنية على الميزانية التي خفضت الدعم، ورفعت الضرائب، وتسببت في ارتفاع أسعار الوقود.

بحسب الكاتب، حققت التظاهرات العاصفة في عمَّان بعض أهداف المتظاهرين، لكنَّها لم تخفف حالة الغضب. وفي يونيو (حزيران) الماضي، وفي خطوةٍ روتينية تهدف إلى تهدئة الوضع، أقال الملك عبد الله رئيس الوزراء، هاني الملقي، ليحل محله الاقتصادي البارز عمر الرزاز، الذي شكل حكومةً جديدة.

بيد أنَّ تغيير الحكومة لم يُجدِ كثيرًا. ففي خلال الأشهر الثلاثة الماضية، نظَّم مئاتٌ من الشباب من جميع أنحاء الأردن اعتصاماتٍ بالقرب من القصر الملكي في عمان، مع نهاية كل أسبوع. أقاموا الخيام، وأشعلوا النيران في الهواء الطلق لتدفئة الليالي الباردة، وأقسموا على عدم العودة إلى بيوتهم حتى يحصلوا على وظائف لهم.

وفي المقابلات الإعلامية التي أجروها، قالوا إنَّهم لم يتمكنوا من العثور على عملٍ منذ شهور، وبعضهم منذ سنوات. وأولئك الذين لديهم عمل ينفد راتبهم قبل نهاية الشهر.

القلة المحظوظة هي التي تتلقى تصاريح للعمل في إسرائيل، كما يقول بارئيل، وكان من الأحرى أن يعملوا في الأردن، لكنَّهم يتنقلون يوميًّا إلى إيلات. ويقول إنَّ إسرائيل تمنح تصاريح عمل لألفي أردني فقط، بينما يوجد في المملكة أكثر من 300 ألف شخص عاطل عن العمل. لا تستطيع الشركات الأردنية القضاء على معدل البطالة البالغ 18%، والذي يصل إلى 30% بين الشباب وسكان المدن الصغيرة.

ويعيش حوالي 450 ألف أردني في المملكة العربية السعودية، التي وعدت بتوظيف المزيد من الأشخاص من المملكة الأردنية. وقطعت قطر وعدًا مماثلًا.

لكنَّ الضائقة الاقتصادية، والاختلافات الطبقية الهائلة، والملايين من اللاجئين السوريين الذين حلوا محل العديد من العمال الأردنيين والمصريين في مجالات الزراعة والخدمات والصناعة، وحقيقة أنَّ الحدود السورية كانت مغلقة حتى وقتٍ قريب، جميعها عوامل فاقمت من الشعور باليأس والعجز، بحسب كاتب المقال.

«شعب المهندسين».. لماذا يعجز الأردن عن القضاء على أرقام البطالة المخيفة؟

وأضاف أنَّه في وقتٍ سابق من هذا الشهر، نشر أعضاء من عشيرة بني حسن، أكبر عشيرة في الأردن، عريضةً عبر الإنترنت تدعو إلى تغيير الدستور. ودعوا أيضًا إلى اعتصام مفتوح ومسيرة مليونية في جميع أنحاء المملكة.

وجاء في بيان القبيلة: «يعاني الأردن من أزمة حقيقية تتطلب التخلص من وهم مطالب الإصلاح؛ ويتطلب ذلك تغيير نظام الحكم بأكمله». واقترحت العريضة تشكيل حكومة وحدة وطنية مدتها سنة واحدة، تتألف من 31 عضوًا يتم اختيارهم بعناية، ويمثلون جميع شرائح المجتمع.

الفساد العميق في الأردن

بحسب بارئيل، يمثل هذا الالتماس تطورًا جديدًا. ومما يثير القلق أنَّه يأتي من قلب قاعدة الدعم القبلي للملك. بيد أنَّ قادة القبيلة نددوا بذلك سريعًا، قائلين إنَّ حفنة من الأشخاص الذين لا يمثلون القبيلة هم الذين كتبوا العريضة، وأنَّ بني حسن ستظل دائمًا مخلصة للملك والمملكة. ومع ذلك، يرى بارئيل أنَّه لا يمكن تجاهل وقع تأثير هذه العريضة.

فبعد فترةٍ وجيزة، نُشرت خطابات مسربة من الوكالات الحكومية على وسائل التواصل الاجتماعي، تشير إلى تعيين ثلاثة من كبار المسؤولين الجدد في وزارة العدل برواتب هائلة تتراوح ما بين 2800 دولار، و4500 دولار شهريًّا، كل ذلك دون وجود عملية تعيين تنافسية معلنة.

هذا بالإضافة إلى الكشف عن قيام أعضاء في البرلمان بتعيين أقاربهم في وظائف مربحة، لذلك غرَّد الملك على تويتر، معربًا عن استيائه من غياب الشفافية في التعيينات، وتسريب الوثائق الرسمية. وجمَّد تعيينات وزارة العدل، لكن لم يفعل أي شيءٍ بشأن وظائف أقارب البرلمانيين.

ويرى بارئيل أنَّ الفساد العميق في الأردن لا يتمثل فقط في الرشاوى التي يتقاضاها البيروقراطيون للحصول على تصاريح عمل أو مصالح أخرى، بل يظهر أيضًا في الدائرة المغلقة لكبار المسؤولين والوزراء ومستشاري الملك، الذين يتمتعون بتداول المراكز تداولًا دوريًّا، وكلهم ​​في النهاية يأتون من الدائرة الداخلية نفسها.

وأضاف أنَّ الإعلام الرسمي، المملوك للدولة كليًّا أو جزئيًّا، لا يُغطي الاحتجاجات بالكامل. وتقوم بذلك وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت نوعًا من «برلمان الشوارع»، الذي يمعن النظر في تجاوزات الحكومة. وهناك يمكن للمرء أن يجد قصصًا مثيرة حول سلوك كبار المسؤولين، مثل قصة العام الماضي التي عادت إلى الظهور مؤخرًا.

وفقًا لهذه القصة، أوقف أحد مستشاري الملك، وهو عصام الروابدة، نجل رئيس الوزراء السابق عبد الرؤوف الروابدة، سائق حافلة اعتقد أنَّه كان يقود بتهور. استدعى المستشار ضابط شرطة، والذي قام بدوره بتغريم السائق أكثر من راتب شهرين. تواصل بعد ذلك قادة القبيلة التي ينتمي إليها بالديوان الملكي، وأسفر ذلك عن إقالة المستشار.

ويقول بارئيل إنَّه في الوقت الذي تغذي فيه مثل هذه القصص الحوار العام، بجانب الجهود المبذولة لتنظيم احتجاجٍ كبير في الثاني من مايو (أيار)، يحاول الملك عبد الله استجداء مساعداتٍ أجنبية إضافية لتمويل ديون البلاد، والتي تتجاوز 40 مليار دولار. ونتج من مؤتمر للدول المانحة في لندن الشهر الماضي تعهدات بقيمة ملياري دولار. لكن حتى إذا وصلت هذه الأموال، فستُوزع على مدى ثلاث إلى خمس سنوات.

وفي يونيو (حزيران) الماضي، وعدت المملكة العربية السعودية والكويت والإمارات العربية المتحدة بمبلغ 2.5 مليار دولار للأردن، لكن الرياض حوَّلت مبلغ 340 مليون دولار هذا الشهر فقط، وليس من الواضح متى سيصل باقي المبلغ.

علاوةً على ذلك، عادةً ما تأتي المساعدات السعودية بشروطٍ دبلوماسية، بحسب الكاتب. فقد طلبت قبل ذلك السماح للطائرات السعودية بالعمل في سوريا انطلاقًا من المطارات الأردنية؛ وعندما رفض الملك عبد الله، جُمِّدت المساعدات. وستسعى الرياض هذه المرة على ما يبدو لأن تصبح شريكًا في إدارة الأماكن المقدسة في القدس.

أشارت صحيفة «هآرتس» إلى هذا الطلب منذ عدة أشهر، لكن يبدو أنَّه أصبح الآن أكثر واقعية. ووفقًا لتسريباتٍ غير مؤكدة، فإنَّ «صفقة القرن» التي طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ستشمل مشاركة المغرب والسعودية في إدارة مواقع مثل جبل الهيكل، أو الحرم القدسي الشريف، والسيادة الإسرائيلية عليها، والمشاركة الفلسطينية في الحفاظ عليها.

استرضاء المتشددين

يرى بارئيل أنَّ إدارة الحرم القدسي خط أحمر للأردن، والذي سبق أن تلقى التزامًا إسرائيليًّا بالسماح له بإدارة الحرم عبر إدارة الأوقاف. ويشير إلى أنَّ الملك عبد الله زار واشنطن الأسبوع الماضي، وناقش قضية القدس مع وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، والمبعوث الخاص، جيسون جرينبلات، وصهر ترامب، جاريد كوشنر. وبحسب مصادر أردنية، قال إنَّه لن يوافق على مشاركة إدارة الأماكن المقدسة مع السعودية والمغرب.

مكانة الحرم القدسي الشريف ومسؤولية الأردن عنه ليست مجرد قضايا دبلوماسية، بل تقع في قلب الصراع السياسي في داخل الأردن، حسبما يرى بارئيل. وأي تنازل لإسرائيل بخصوص إدارة الحرم يمكن أن يشعل الرأي العام، ويضع الملك في صراعٍ مع البعض من شعبه.

ويوضح بارئيل أنَّ قوة هذا الضغط الداخلي كانت واضحة في شهر أكتوبر (تشرين الأول)، عندما أعلن الملك عبد الله، دون حتى عرض الأمر للتفاوض، أنَّه سيتوقف عن تأجير الأراضي في منطقتي الباقورة والغمر إلى إسرائيل في وقتٍ لاحق من هذا العام، عندما ينتهي شرط معاهدة السلام ذات الصلة.

وكانت تصريحات الملك القاسية حول الصراع الأخير على الحرم، والتي تُعارض فيها إسرائيل قرار إدارة الوقف بإعادة فتح باب الرحمة، أو الباب الذهبي، هي أيضًا جزء من جهوده لاسترضاء خصومه في الداخل، والذين يطالبون بإنهاء التطبيع مع إسرائيل، وحتى طرد السفير الإسرائيلي.

وأشار الكاتب إلى مؤتمرٍ للبرلمانيين العرب انعقد في عمان هذا الشهر، أعلن فيه رئيس مجلس النواب الأردني عاطف الطراونة، أنَّ «الشعوب العربية ترفض رفضًا تامًا التقارب والتطبيع مع إسرائيل». حتى أنَّه دعم بندًا في البيان الختامي يطالب بإنهاء التطبيع، على عكس مصر والسعودية والإمارات العربية المتحدة، والتي عارضت جميعًا هذا البند.

ويقول بارئيل إنَّ الملك عبد الله غير سعيد بالصراع على إدارة الحرم القدسي الشريف، ويحاول التوصل إلى اتفاقاتٍ مع إسرائيل بشأنه، لكنَّه يرفض بالكامل اقتراح إسرائيل إغلاق باب الرحمة فترة طويلة بسبب التجديدات، ويطالب إسرائيل بالسماح للأوقاف بإدارة الموقع دون عوائق.

ووفقًا لمصادر أردنية، فقد التقى الملك عبد الله مؤخرًا مع مدير الموساد، يوسي كوهين، لمناقشة صيغة تمنح الأردن السيطرة على الباب، إلى جانب سيطرته الحالية على المسجد الأقصى، وبحسب الكاتب، أخبر عبد الله كوهين أنَّ قضية الحرم القدسي الشريف تهدد الأمن الداخلي للأردن، وأنَّ على إسرائيل أن تفهم مدى خطورة ذلك.

ويرى بارئيل أنَّه من الصعب تخمين متى قد تندلع عاصفة جديدة من الاحتجاجات في الأردن، أو ما قد يشعلها. هل هم الشباب الذين ينامون تحت الجسور في عمان، أم العاملون بأجر الذين لا يستطيعون إعالة أسرهم، أم ربما الحرم القدسي الشريف؟

ومثل نظرائهم في القدس ورام الله، ينتظر المسؤولون الأردنيون بشدة نتيجة الانتخابات البرلمانية المبكرة في إسرائيل الشهر المقبل، ومن المتوقع بعدها أن ينشر ترامب خطته للسلام.

ويشير بارئيل إلى وجود تقارير في الأردن بالفعل تفيد بأنَّها ستشمل استثماراتٍ ضخمة من قبل الولايات المتحدة ودول أخرى يمكن أن يستفيد منها الأردن، بما في ذلك خطط لبناء خط سكة حديد يربط حيفا وبغداد عبر مدينة إربد الأردنية. وأضاف أنَّه يبدو أن الحلم الإسرائيلي بتناول الفلافل في دمشق سيُستبدل بتناولها في بغداد.

واختتم الكاتب مقاله مازحًا بأنَّ الأردنيين لديهم بالفعل فلافل ممتازة، لكنَّهم سيكونون سعداء بوجود طعام حقيقي على طاولاتهم بعد تحسن الاقتصاد إثر اتفاقيةٍ كتلك.

«ميدل إيست آي»: بهذه الطريقة يسعى الأردن لفرض مزيدٍ من الرقابة على شعبه

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد