بالنظر إلى أن الفلسطينيين يشكِّلون أكثر من 40% من سكان الأردن، فإن الحفاظ على الوضع الراهن في مدينة القدس المحتلة أمرٌ لا غنى عنه لضمان بقاء النظام الملكي في الأردن؛ وذلك حسب ما يخلص إليه تحليل الكاتب جيمس دورسي في مقالٍ نشره موقع مجلة «ريسبونسبل ستيتكرافت» التابعة لمعهد كوينسي الأمريكي لفن الإدارة الرشيدة.

يقول الكاتب في مطلع مقاله: إن الرئيس الأمريكي جو بايدن قد لا تكون لديه رغبة كبيرة في صنع السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، ولكنه يبدو عازمًا على منع بعض الأطراف الخارجية من استغلال الجمود الإقليمي لصالحها. ويبدو أن هذه رسالة مقصودة في ضمان أن يكون الملك عبد الله ملك الأردن أول زعيم عربي يزور البيت الأبيض منذ تولي بايدن منصبه.

دلالة الرسالة

وأوضح الكاتب أن الرسالة تكتسب أهمية إضافية مع بداية الإجراءات القضائية في وقت سابق من هذا الشهر ضد اثنين من كبار الأردنيين، مُتهمَيْن بالفتنة والتآمر مع ولي العهد السابق، الأمير حمزة بن حسين، الأخ غير الشقيق للملك عبد الله الثاني؛ لزعزعة استقرار النظام الملكي. وتتعزز أهمية الرسالة في وقت تتنافس فيه مختلف الدول ذات الأغلبية المسلمة على القوة الناعمة الدينية في العالم الإسلامي.

وقد أعادت المؤامرة المزعومة – بالتعاون مع الأمير حمزة – والجهود السعودية الرامية إلى حماية أحد المتهمَيْن: بسام عوض الله، تركيز الاهتمام على جهد سعودي خافت وطويل الأمد لإدراج المملكة السعودية ضمن إدارة الحرم الشريف في القدس، والذي يَعدُّه المسلمون ثالث الأماكن الإسلامية المقدسة.

Embed from Getty Images

وقد شغل عوض الله، المقرب من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، رئاسة الديوان الملكي الأردني في السابق، وهو وزير مالية أردني سابق.

وأشار الكاتب إلى أن الحرم الشريف يضم المسجد الأقصى وقبة الصخرة، وفي الوقت نفسه يُعد جبل الهيكل أقدس المواقع اليهودية، وهو المكان الذي يعتقد اليهود أن الحضور الإلهي يتجلى فيه معظم الأحيان، ويتجه إليه اليهود أثناء الصلاة.

دُرَّة التاج

ونوَّه الكاتب إلى أن المملكة العربية السعودية تبني حُجَّتها بزعامة العالم الإسلامي على وصايتها على أقدس مدينتين في العالم الإسلامي: مكة المكرمة والمدينة المنورة، لافتًا إلى أن الزعم السعودي سوف يتعزز على نحو كبير، في وقت تتنافس فيه المملكة على القوة الناعمة الدينية، من خلال حصة في إدارة الحرم الشريف. والواقع أن القدس تُشكِّل دُرَّة التاج فيما يرقى إلى معركة من أجل روح الإسلام، مع تبعية إدارة الأماكن الإسلامية المقدسة فيها منذ القرن الماضي لأوقاف تسيطر عليها الحكومة الأردنية.

ويرى دورسي أن رهانات الصراع من أجل السيطرة على المواقع الإسلامية في القدس عالية؛ ذلك لأن الأمر من وجهة نظر عائلة آل سعود الحاكمة في السعودية يتعلق بتعزيز مطالبتها الدينية بزعامة العالم الإسلامي. وأما من وجهة نظر الأردن وملوكها الهاشميين الذين تعود أصولهم إلى النبي محمد، على عكس آل سعود، فإن الأمر لا يقتصر على السلطة الدينية فحسب، لكن وفي ضوء حقيقة أن الفلسطينيين يشكِّلون أكثر من 40% من سكان الأردن، فإن الحفاظ على الوضع الراهن في «القدس»، والتي ينظر إليها الفلسطينيون بوصفها عاصمة مستقبلية لدولة فلسطينية، يُشكل مفتاحًا لضمان بقاء النظام الأردني.

شكوك ونفي

وأضاف الكاتب أنه على الرغم من أن السلطات الأردنية لم تُوجِّه الاتهام إلى الأمير حمزة، فإنه ظل قيد الإقامة الجبرية منذ أبريل (نيسان) الماضي عندما اعتقلت السلطات عوض الله، والمتهم الثاني شريف حسن بن زيد، وهو رجل أعمال، وابن عم الملك عبد الله.

Embed from Getty Images

وقد غذَّت السعودية الشكوك بشأن وجود علاقة سعودية بالمؤامرة من خلال جهود متضافرة يُزعَم أن السعودية بذلتها لإقناع الملك عبد الله بالسماح لعوض الله، الذي يحمل الجنسيات الأردنية، والأمريكية، والسعودية، بالخروج إلى المنفى في المملكة، عندما كشفت السلطات الأردنية عن المؤامرة لأول مرة. وأرسلت السعودية وزير خارجيتها الأمير فيصل بن فرحان آل سعود، ورئيس المخابرات خالد بن علي الحميدان، وأحد كبار المسؤولين في مكتب الأمير محمد لإعادة عوض الله معهم.

وتعزز رفض الأردن للمطلب السعودي بدعم من بايدن، وكذلك مدير وكالة المخابرات المركزية وليام بيرنز. وبدورها نفَت السعودية رغبتها في نفي عوض الله إلى المملكة. وقال مسؤولون سعوديون: إن زيارات كبار المسؤولين إلى الأردن كانت تهدف إلى التعبير عن دعمهم للعاهل الأردني.

وغرَّد علي الشهابي، المحلل المختص في شؤون الشرق الأوسط، وغالبًا ما يعكس المواقف السعودية، نافيًا أي ارتباط سعودي بالمؤامرة الأردنية، قائلًا: إن «الزاوية السعودية الوحيدة هي عوض الله الذي يحمل أيضًا الجنسية السعودية، ولا يحظى بشعبية كبيرة في الأردن. وقد ذكر في التسريبات أن حمزة طلب منه تأمين المساعدة السعودية. ولم تقدم أي مساعدة بأي شكل من الأشكال، ولا تدعم أي مجموعة من الأدلة مثل هذه الادعاءات».

وأصر وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي خلال زيارة لواشنطن في مايو (أيار) على أن الجهود المبذولة لتوسيع إدارة الحرم الشريف تشكل خطًا أحمر. وجدد جلالة الملك رفض الأردن لأية محاولة لإشراك أطراف ثالثة في الإدارة خلال زيارة لاحقة قام بها وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن إلى عمان.

مد وجزر

وتطرَّق الكاتب إلى أن العلاقات بين الأردن والسعودية قد مرَّت بمراحل مد وجزر مع ضجر السعوديين بسبب رفض الملك عبد الله القاطع لاعتراف الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بكل القدس عاصمة لليهود، بما في ذلك الجزء الشرقي من المدينة المحتلة منذ حرب الشرق الأوسط عام 1967، وخطة الرئيس الأمريكي للسلام الإسرائيلية-الفلسطينية التي دعمت بفاعلية السياسات الإسرائيلية المتشددة.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 4 شهور
الملحمة الفلسطينية.. حوار مع جوزيف مسعد بعد معركة «سيف القدس»

وكان الملك عبد الله يشتبه في أن رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو يؤيد الدور السعودي في إدارة الحرم القدسي الشريف، وهو غير متأكد من خليفة نتنياهو، رئيس الوزراء الحالي نفتالي بينيت، الذي يرفض فكرة دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب إسرائيل، ويدعم النشاط الاستيطاني الإسرائيلي.

ونفى مسؤولون أردنيون تقارير نُشِرت العام الماضي في صحيفة إسرائيل هيوم المؤيدة لنتنياهو، والتي نقلت عن دبلوماسيين سعوديين قولهم: إن الأردن مستعد لمنح السعودية صفة مراقب في الوقف الذي يدير الحرم الشريف.

ولم تعلن السعودية رسميًّا عن سعيها إلى انتزاع السيطرة من الأردن على الحرم الشريف، لكن الاهتمام السعودي لا تخطئه عين في العديد من تحركات المملكة في السنوات الأخيرة.

وفي استعراض للقوة المالية للمملكة، قال العاهل السعودي الملك سلمان في قمة عربية، عُقدت بالظهران في أبريل 2018، إنه تبرع بمبلغ 150 مليون دولار أمريكي لدعم الأماكن الإسلامية المقدسة في القدس. وكان الهدف من هذا التبرع جزئيًّا هو التصدي للأنشطة التركية، المنافس على القوة الناعمة الدينية الإسلامية؛ لإحياء إرثها في القدس فضلًا عن جهودها لتملك العقارات في المدينة.

Embed from Getty Images

ومنذ ذلك الحين اشتبكت السعودية مع الأردن في المنتديات العربية بشأن سيطرة الأردن الحصرية على إدارة مواقع القدس، ويعتقد أنها كانت تتودد إلى شخصيات دينية فلسطينية بارزة.

ومن ناحية أخرى يكمُن الخطر فيما يخص السعودية في أن توسعة إدارة الأماكن الإسلامية بالقدس من شأنها أن تُثير رياحًا جديدة في اقتراحات كامنة بتدويل الوصاية على مكة والمدينة أيضًا. وهو اقتراح كثيرًا ما نادت به إيران، ويثير حنق السعودية.

ويختم الكاتب بما ذكره مالك دحلان، محامٍ دولي سعودي المولد يُعتقد أنه قريب من الأمير حمزة، في صحيفة «هآرتس» عام 2019، والذي أشار إلى أن خطة ترامب للسلام بين إسرائيل والفلسطينيين يمكن أن تنجح إذا تحقق «اتفاق على إدارة القدس» في المرحلة الأولى. وكتب مالك: «نهج القدس أولًا ينطوي على فكرة (التدويل التكاملي)، والذي بالمناسبة أصف به أيضًا مكة والمدينة». ولم يكن هناك ما يشير إلى أن الأمير حمزة يشاطر مالك وجهات نظره بشأن الأماكن السعودية المقدسة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد