مرَّ أكثر من 80 يومًا على إضراب الصحافي المغربي المعارض سليمان الريسوني عن الطعام، احتجاجًا على احتجازه لأكثر من عام من دون محاكمة.

نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية تقريرًا أعدَّه نيكولاس كايسي، مدير مكتب الصحيفة الأمريكية في العاصمة الإسبانية مدريد، وعايدة علمي، مراسلة الصحيفة في العاصمة المغربية الرباط، تناولا فيه المضايقات والاعتقالات التي يتعرض لها الصحافيون في المغرب بسبب انتقاداتهم لسياسات الحكومة والملك.

أعِدني إلى السجن لأموت

في مطلع التقرير، يُلقي المراسلان الضوء على قضية سليمان الريسوني، وهو صحافي مغربي ورئيس تحرير صحيفة «أخبار اليوم» المغربية، الذي لم يتردد لسنوات عديدة في تناول بعض القضايا الأكثر حساسية في المملكة المغربية الواقعة في شمال أفريقيا، بما في ذلك تغطية الاحتجاجات المناهضة للحكومة التي اندلعت في المدة بين عامي 2011 و2016. لكن يبدو أن انتقاده للطريقة التي تعاملت بها السلطات المغربية مع جائحة كوفيد-19 تجاوزت الحد المسموح به.

دولي

منذ 4 شهور
مترجم: المغرب ليس الوحيد.. كيف تستخدم الدول الهجرة الجماعية سلاحًا لمصلحتها؟

يشير التقرير إلى إن الريسوني أُلقي القبض عليه في منزله بمدينة الدار البيضاء قبل نحو أكثر من عام على خلفية اتهامات في قضية اعتداء جنسي، وهي الادعاءات التي يصفها الريسوني بأنها كاذبة وملفقة لترويعِه. ومنذ ذلك الحين، زُجَّ به في السجن لكنه بدأ إضرابًا عن الطعام منذ قرابة ثلاثة أشهر احتجاجًا على سجنه.

وفي 10 يونيو (حزيران) الماضي، ظهر الريسوني هزيلًا جدًّا عند مثوله أمام المحكمة، ولم يكن قادرًا على المشي من دون مساعدة، وخاطب القاضي قائلًا: «أرجوك أعِدني إلى السجن لأموت».

اتهامات ملفَّقة ذات دوافع سياسية

ويُوضِّح التقرير أن الريسوني واحد من 10 صحافيين مغاربة على الأقل تعرَّضوا للاعتقال خلال السنوات الأخيرة، ووُجِّهت إلى معظمهم اتهامات تتعلق بجرائم جنسية وارتكاب أعمال أخرى غير مشروعة في المغرب، والتي تشمل بعض أشكال الإجهاض. بينما ترى بعض المنظمات الحقوقية أن الهدف الحقيقي للسلطات المغربية من وراء هذه القضايا يتمثل في إسكات مجموعة الأصوات القليلة المعارضة من الصحافيين المستقلين في البلاد عبر اتهامهم باتهامات ملفَّقة ذات دوافع سياسية.

ولفت التقرير إلى أن جميع الصحافيين المحتجزين كانوا قد نشروا مقالات كشفت عن الفساد الحكومي أو تناولوا قضايا إساءة استخدام السلطة داخل المملكة المغربية، وكان من ضمن ما نشروه في تغطيتهم الصحفية أنشطة بعض الشركات أو المسؤولين الأمنيين المرتبطين بالملك محمد السادس.

Embed from Getty Images

وأشار التقرير إلى أن المغرب نظام ملكي دستوري لا يتمتع فيه البرلمان المنتخب سوى بنفوذ ضئيل على القصر الملكي، وتربط المغرب علاقات وثيقة بالولايات المتحدة، بالإضافة إلى أنه حليف موثوق في التعاون من أجل مكافحة الإرهاب. لكن المنظمات الحقوقية انتقدت كثيرًا المملكة المغربية بسبب ما تفرضه من قيود على حرية التعبير والانتهاكات المتواصلة في ملف حقوق الإنسان.

التضييق على الإعلام المستقل

وفي هذا الصدد، قال عبد السلام مغراوي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة ديوك الأمريكية، إن: «النظام الملكي في المغرب خنق وسائل الإعلام المستقلة بعدما أصبحت شديدة الانتقاد لسياساته».

ومن جانبها، صرَّحت الحكومة المغربية بأن الريسوني مُنح «جميع ضمانات المحاكمة العادلة» وأن محاكمته أو محاكمة غيره من الصحافيين ليس لها صلة بعملهم بصفتهم صحافيين. وأضافت الحكومة المغربية أن الريسوني كان قد تناول بعض الطعام خلال الأسابيع الأخيرة، وأن «حالته الصحية ما زالت طبيعية على الرغم من فقدانه للوزن».

وتابعت الحكومة المغربية قائلة: إن الاتهامات بسوء معاملة الريسوني في السجن ادعاءات كاذبة، مشيرة إلى أن ممثلين عن بعض المنظمات الحقوقية زاروه في محبسه.

وألمح التقرير إلى أن الريسوني، البالغ من العمر 49 عامًا، كان في ريعان شبابه خلال السنوات التي تلت صعود الملك محمد السادس إلى العرش، ووعد خلالها بمزيد من الانفتاح. كما أنه كان رئيس تحرير صحيفة «أخبار اليوم» المغربية التي أُوقفت عن العمل في مارس (آذار) الماضي بسبب اعتقال طاقمها الصحفي والمشكلات المالية التي تعاني منها منذ أمد طويل.

لماذا تغيَّر أسلوب القصر الملكي مع الصحافيين؟

ونوَّه التقرير إلى أن الريسوني استطاع ومعه صحافيون مغاربة مشهورون أن يصنعوا لأنفسهم مجدًا بوصفهم صحافيين مرموقين من خلال التحقيقات الصحفية التي قاموا بها لتغطية تجاوزات ملك المغرب السابق. لكن عندما صرفوا انتباههم تجاه الملك الجديد، تغيَّر أسلوب القصر الملكي في التعامل معهم.

وأفاد التقرير بأن الصحافيين المغاربة أصبحوا هدفًا للسلطات الأمنية على نحو متزايد حينما وصلت الاحتجاجات المؤيدة للديمقراطية إلى المغرب إبَّان الربيع العربي في عام 2011. لكن في عام 2016، أدَّى مقتل بائع سمك في مدينة الحسيمة الواقعة في شمال المغرب (مستدعية إلى الأذهان حادثة انتحار بائع خضار (بوعزيزي) في تونس المجاورة والتي أشعلت انتفاضات الربيع العربي في أواخر عام 2010) إلى اندلاع أكبر احتجاجات تشهدها المغرب منذ سنوات. واعتقلت السلطات على إثرها مئات المتظاهرين، وحكمت على قادة الحركة بالسجن لسنوات.

Embed from Getty Images

وكان الريسوني قد غطَّى كلا الحدثين على الرغم من المضايقات الشديدة التي يتعرض لها الصحافيون الذين يُغطون الاحتجاجات. ومع بداية تفشي جائحة كوفيد-19، كان الريسوني يستهدف تغطية ما يَعُده استجابة رديئة من جانب الحكومة لانتشار فيروس كورونا المستجد.

إضراب مفتوح عن الطعام

وقبل يومين من اعتقاله في مايو (أيار) 2020، كتب الريسوني مقالًا ينتقد فيه رئيس جهاز الأمن المغربي القوي قائلًا إن: «الاعتقالات في البلاد طالت عددًا من المغاربة أكبر من هؤلاء الذين يجري فحصهم للتأكد من إصابتهم بفيروس كورونا».

وألقت الشرطة المغربية القبض على الريسوني بعد أن ادَّعى شاب في منشور على «فيسبوك» أنه، أي الشاب، ضحية لمحاولة اعتداء جنسي. وأفادت مستندات القضية بأن منشور الشاب لم يذكر اسم الريسوني، لكن هذا الشاب أكدَّ اتهامه للصحافي عندما استدعته الشرطة للتحقيق في الأمر.

ونفى الريسوني الاتهامات الموجهة إليه، وقال إن السلطات استغلت المدعي لتلفيق الاتهامات ضده. وفي أبريل (نيسان)، أعلن الريسوني إضرابًا مفتوحًا عن الطعام احتجاجًا على استمرار سجنه بتهمة ملفقة وظروف السجن القاسية، التي شملت الحبس الانفرادي، بحسب محاميه.

واستشهد التقرير بالرسالة العامة التي كتبها الريسوني الشهر الماضي وقال فيها إن: «المسؤولين في السجن اعتدوا عليه بالضرب. إن الإضراب عن الطعام هو أشد أنواع التعبير عن الاحتجاج، بعدما لا يجد الشخص الضحية التي تعرض لظلم كبير سبيلًا سوى القيام بهذه الخطوة».

قضايا سابقة مماثلة

ويُؤكد التقرير أن الريسوني ليس الصحافي الوحيد في المغرب الذي يُواجه اتهامات بجرائم جنسية بعد نشره تحقيقًا صحفيًّا. وفي يوليو (تموز) الماضي، اعتُقل الصحافي المستقل، عمر الراضي، الذي كتب عن الفساد الحكومي، بتهمة التجسس والاغتصاب، وهو الآن قيد المحاكمة.

وفي عام 2019، حُكِم بالسجن لمدة عام على الزميلة الصحافية هاجر الريسوني ابنة شقيق سليمان الريسوني، بعد إدانتها بتهمة ممارسة الجنس خارج إطار الزواج والإجهاض، وكلاهما يُعد جريمة في المغرب. تقول هاجر، التي غادرت إلى السودان بعد حصولها على عفو ملكي «ظللتُ أفكِّر مع نفسي ماذا فعلت لأستحق ما حدث لي؟ وأين ذهبت أحلامي»؟

ويُضيف التقرير أن توفيق بوعشرين، مؤسس صحيفة «أخبار اليوم»، حُكِم عليه في عام 2018 بالسجن لمدة 12 عامًا بتهمة الاعتداء الجنسي. وخلُص الفريق العامل المعني بمسألة الاحتجاز التعسفي التابع للأمم المتحدة إلى أن قضية بوعشرين كانت ذات دوافع سياسية، لكن المحكمة رَفَعَت الحكم عليه في الاستئناف إلى 15 عامًا.

Embed from Getty Images

وفي مقال نشرته صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية العام الماضي، قالت عفاف برناني، صحافية سابقة في صحيفة أخبار اليوم، إن: «الشرطة حاولت إجبارها على الشهادة زورًا بأن بوعشرين اعتدى عليها جنسيًّا. وعندما رفضت عفاف الامتثال للشرطة حُوكمت بتهمة شهادة الزور وهربت إلى تونس».

الصحافة مهنة المخاطرة في العالم العربي

وفي السياق ذاته، يرى الخبراء أن هذه القضايا تعكس ديناميكية خطيرة يواجهها الصحافيون على نطاق أوسع في منطقة شمال أفريقيا والعالم العربي بأسره. وتصاعدت حدة تلك المخاطر خلال إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب للولايات المتحدة، عندما أعرب عن إعجابه بقادة دول مثل مصر والسعودية الذين يستخدمون أساليب قمعية.

وأبرز التقرير أنه بعدما توصل مسؤولو المخابرات الأمريكية إلى أن ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، أمر باغتيال الصحافي المعارض، جمال خاشقجي، في إسطنبول عام 2018، أعرب الرئيس دونالد ترامب مرارًا عن شكوكه فيما توصلت إليه المخابرات الأمريكية، وسعى إلى توثيق العلاقات مع المملكة العربية السعودية. ويؤكد المدافعون عن حقوق الإنسان أن رؤساء الدول والملوك في دول أخرى مثل المغرب أُحِيطوا علمًا بذلك.

ولكن الأمر اختلف في ظل إدارة بايدن؛ إذ بدا أن وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكين، أشار إلى المشكلات التي يواجهها الصحافيون في المغرب، خلال الاجتماع الذي جمعه بوزير الخارجية المغربي في روما الشهر الماضي. وغرَّد بلينكن عن الاجتماع قائلًا: إنه «لقاء جيد مع وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة لاستعراض مصلحتنا المشتركة في السلام والاستقرار الإقليمي وحقوق الإنسان، بما فيها حرية الصحافة».

وفي ختام التقرير، استشهد المراسلان بما أكدَّته خلود مختاري، زوجة الريسوني، أنه لا يوجد شيء سيقنعه بوقف إضرابه عن الطعام، قائلة إنه: «مقتنع تمامًا بأن هذه هي الطريقة الوحيدة للحصول على محاكمة عادلة وإخلاء سبيله بصفة مؤقتة. وبصفتي زوجته، أدعو إلى إطلاق سراح زوجي بعدما استطعتم الانتقام منه ودمَّرتم حياتنا».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد