هل ينبغي أن يكون لليهود باب؟ كانت الإجابة في الألفي عامًا الماضية «لا». لقد أصبحت السُلطة الحاخامية لا مركزية، إذ اختار كل مجتمع قادته الدينيين الذين سيتبعهم. ولكن تسعى الحاخامية الكُبرى في إسرائيل الآن إلى احتكار السيطرة على القانون اليهودي ومركزتها من خلال سُلطة دولة إسرائيل. يحارب القليل من الحاخامات الأرثوذوكس هذا الأمر، مثل أولئك الذين أعلنوا عن محكمة جديدة لتغيير الدين هذا الأسبوع، وسينضم الكثيرون بجدية إلى المعركة لأنَّ إسرائيل لا تعترف بالمحكمة.

هناك 300,000 إسرائيلي من أبناء المهاجرين من الاتحاد السوفيتي السابق، والذين يُعرِّفون أنفسهم بصفتهم يهود ولكنَّ وضعهم الديني في ظل القانون اليهودي الأرثوذوكسي يظل محل تساؤل.

لنبدأ بالأسباب التاريخية لعدم تمتُّع اليهودية بسُلطةٍ مركزية مثل الكنيسة الكاثوليكية الرومانية، أو قائد مركزي مثل البابا. لا توجد الإجابة في الكتاب المُقدَّس العبراني؛ والذي يمتلئ بالملوك والكهنة ويتصوَّر دولةً فعَّالة، وإن كانت مُقسَّمة في جيلين إلى مملكتي إسرائيل ويهوذا المنفصلتين.

تعود اللامركزية في اليهودية إلى الحاخامات الذين أصبح لهم وضع مركزي في الحياة الدينية اليهودية بعد تدمير الهيكل الثاني عام 70م، ونهاية السيادة الإسرائيلية الطويلة على ما كان يدعوه الرومان «فلسطين». لم تكُن للحاخامات منذ البداية دولةً يهوديةً يزعمون أنَّها خاصة بهم، وإذا كانت توجد، فلم يكونوا ليحكموها.

من الصعب للغاية على أي سُلطة دينية أن تؤسِّس لسيطرة صارمة على المؤمنين دون وجود دولةٍ تُعزِّز الوحدة. وقعت إحدى اللحظات الخاطفة التي كانت السُلطة الحاخامية مركزية نوعًا ما في التاريخ اليهودي في ظل الخلافة العبَّاسية في العراق، حيث اعترفَت السُلطات غير اليهودية بحاخامين كبيرين يُمثِّلان السُلطة الدينية اليهودية، وأُطلِق على هذه الفترة «الجيؤونيم». ولكن ليس من قبيل المصادفة أن يكون هناك حاخامان اثنان وليس واحد، يرأس كلٌ منهما أكاديمية تلمودية منفصلة.

وهكذا كانت الثقافة الحاخامية القائمة على الخلاف والجدال هي ما عزَّز تفرُّق السُلطة الدينية وشكَّلها أيضًا. كانت أحيانًا تجتمع مجموعات من الحاخامات على مر القرون لإصدار تشريعٍ جمعي، ولكنها كانت تحالفات مؤقَّتة في معظم الأحوال.

اجتمع القليل من الحاخامات في صفد بإسرائيل في القرن السادس عشر ردًا على طرد اليهود من إسبانيا في عام 1492، وحلموا بتوحيد السُلطة الدينية اليهودية، وأملوا في إعادة تأسيس سلسلةٍ من الرِسامة الحاخامية التي اعتقدوا أنَّها كانت ستُمكِّنهم من ممارسة سُلطةٍ مقبولة عالميًا. ولكن حلمهم لم يتحوَّل قط إلى واقع مقبول، وقوبِلَت جهودهم بمعارضة حاخامية على نفس قدر الاستحسان.

خلقت دولة إسرائيل الحديثة فرصةً جديدةً لمركزة السُلطة الدينية، نظريًا على الأقل. اعترفت الدولة بحاخامين كبيرين، أحدهما أشكنازي (أوروبي) الأصل، والثاني سفردي (شرقي). والأهم من ذلك، أنشأت الدولة بقانونٍ تشريعي «حاخامية كُبرى» ومنحتها السُلطة القانونية للزواج والطلاق لكل اليهود، بغض النظر عمَّا إذا كانوا مؤمنين أم علمانيين، أرثوذوكس أم مُفكِّرين أحرار.

لا يمكن لأي يهودي في إسرائيل أن يتزوَّج دون إذن الحاخامية حتى يومنا هذا. منحت هذه السُلطة الواقعية مركزًا موطدًا حاسمًا للحاخامية الكُبرى. ولأنَّ الحاخامية لا تعترف بالزواج بين اليهود وغير اليهود ولا تُقرّه، فإنَّ السُلطة على الزواج هي في الوقت ذاته سُلطة تحديد مَن يُعتبَر يهوديًا بغرض اتِّخاذ هذا القرار الأكثر أساسيةً في الحياة.

واجهت الحاخامية في العقود الأولى من نشأتها معارضة مُتشدِّدة (حريدية) لفكرة تمتُّعها بهذه السُلطة الشاملة، وكان الحاخامات الحريديم غالبًا مُتشكِّكين في مزاعم الدولة، وكانوا أحيانًا يعارضون حتى المشروع الصهيوني نفسه. وضمن إصرارهم على التحكُّم في زيجاتهم (فضلًا عن الإشراف على طعام الكوشير، وهو تجارة كبيرة أخرى) عدم انفراد الحاخامية الكُبرى بالبلاد.

ولكن أصبح الموقف في تغيُّر تدريجي على مدار العشرين عامًا الماضية، فالمواقف الحريدية من دولة إسرائيل تزداد لينًا مع حصول الأحزاب السياسية الحريدية على سُلطةٍ أكبر ونمو عدد أفراد الطائفة الحريدية. يلعب الحاخامات الحريديم الآن دورًا أكثر أهميةً بكثير داخل الحاخامية وعبر تأثيرهم من الخارج. فالحاخامات الحريديم البارزون يرغبون في التحكُّم في الحاخامية الكُبرى بدلًا من تجاهلها.

لم تعترف الحاخامية الكُبرى قط بصحة التحوُّل إلى اليهودية الذي يُجريه الحاخامات المحافظون أو الإصلاحيون أو البنَّاؤون، وهذا الأمر مصدر للاستياء وسط تلك الطوائف، التي ما تزال صغيرة وثانوية في إسرائيل رغم أنَّها تُشكِّل أغلبية اليهود في الولايات المتحدة. ولكن تسبَّبت معرفة أنَّ الحاخامية لا تتمتَّع بالتحكُّم الكامل حتى داخل حظيرة الأرثوذوكس في بعضٍ من الراحة.

والآن يتغيَّر ذلك أيضًا، مع مطالبة الحاخامية بسيطرةٍ أكبر على التحوُّل إلى اليهودية، بدعمٍ من الحريديم. كانت إسرائيل مؤخرًا على شفا تبنِّي عملية تحوُّل أكثر ليبراليةً، تهدف إلى تسهيل تحوُّل أبناء المهاجرين ذوي الأصول السوفيتية. ولكن الأحزاب الحريدية منعت هذه الخطوة بنجاح، لتضمن تحكُّم الحاخامية الكُبرى بكُل التحوُّل إلى اليهودية الذي يحدث في إسرائيل بصورةٍ مركزية.

استجابت مجموعة من الحاخامات الأرثوذوكس الأكثر اعتدالًا بإنشاء محكمتهم المستقلة الخاصة لتغيير الدين، وهو ممارسة للتنوُّع الحاخامي الذي يسود التاريخ اليهودي. ولكن لن يستطيع المُتحوِّلون إلى اليهودية من خلال تلك المحكمة الزواج في إسرائيل لأنَّ الحاخامية لا تعترف بتحوُّلهم.

لا ينبغي على أي دولة ديمقراطية ليبرالية أن تمنح أي مجموعة من الحاخامات القول الفصل فيمَن يتزوَّج، ولكن الليبرالية ليست السبب الوحيد للتفكير في ضرورة عزل الحاخامية الكُبرى. فالحاخامية تنتهك روح التنوُّع والمساواة الحاخامية حتى من وجهة نظر اليهودية الحاخامية التقليدية.

نجت اليهودية باعتبارها دين شتات وازدهرت بسبب غياب السُلطة المركزية، لا ينبغي استخدام وجود دولة إسرائيل مُبرِّرًا لقمع ذلك التنوُّع والإبداع الديني الذي يُعزِّزه.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد