قبل 12 سنة من هذا الشهر بدأت «ويكيليكس» بنشر أسرار الحكومة التي لا يعرفها العالم، وكشفت عن ازدواجية وانتهاكات حقوق الإنسان، وفساد يتجاوز أي شيء نُشر بوسائل الإعلام العامة في العالم.

بعد أكثر من ستة أشهر من انقطاعه عن العالم الخارجي، أعادت الأكوادور في 14 أكتوبر (تشرين الأول) الاتصالات لجوليان أسانج مؤسس ويكيليكس بسفارتها بلندن؛ حيث يعيش منذ أكثر من ستة أعوام.

وقال الكاتب والمؤرخ مارك كيرتس في تقريره بموقع «ميدل إيست آي»: إن تعامل الحكومتين الأمريكية والبريطانية مع أسانج يتناقض بشكل حاد مع الخدمة التي قدمها موقع ويكيليكس في الكشف عن طبيعة حكم النخبة، كما هو موضح في اللقطات التالية لإفادات ويكيليكس عن السياسة الخارجية البريطانية في الشرق الأوسط.

أسانج يتحدث للصحافة من شرفة سفارة الأكوادور بلندن

كيف تواطأت بريطانيا مع السعوديين؟

وأضاف الكاتب: تَظهر العلاقة الخاصة للوايت هول مع الرياض في برقية استثنائية من عام 2013، وتبرز البرقية كيف أجرت بريطانيا مع السعودية اتفاقات حول التصويت السري لضمان انتخاب كلتا الدولتين في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة؛ إذ بدأت بريطانيا المفاوضات السرية عن طريق طلب دعم المملكة العربية السعودية.

تشير البرقيات إلى أن إد ميلباند وافق على ثغرة أنشأها الدبلوماسيون لإبقاء القنابل العنقودية الأمريكية على الأراضي البريطانية

كما نشرت ويكيليكس تفاصيل حول علاقة الوايت هول مع واشنطن. فعلى سبيل المثال تُظهر برقية عام 2008 وزير الخارجية الأمريكي السابق، السيد وليام هيج، يقول للسفارة الأمريكية: إن البريطانيين «يريدون نظامًا مواليًا لأمريكا. نحن بحاجة إلى ذلك. إن العالم بحاجة إليه».

وتابع الكاتب، وتُظهر البرقية في السنة التالية إلى أي مدى وصل الوايت هول في حماية العلاقة الخاصة من الرقابة العامة. وتمامًا مثل بداية تحقيق شيلكوت في حرب العراق عام 2009، وعد الوايت هول واشنطن بأنه «وضع التدابير اللازمة لحماية مصالحها».

ما هو وضع التأثير الأمريكي على السياسة البريطانية؟

لم يُعرف شكل هذه الحماية، لكن لم يتم استدعاء أي مسئولين أمريكيين لتقديم شهادتهم إلى شيلكوت في العلن. كما رفض التحقيق إذنًا لنشر رسائل مكتوبة بين الرئيس الأمريكي السابق جورج دبليو بوش ورئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير في الفترة التي سبقت الحرب.

وأيضا في عام 2009 أثار رئيس الوزراء جوردن براون احتمال تخفيض عدد غواصات ترايدنت البريطانية المسلحة نوويًا من أربعة إلى ثلاثة، وهي سياسة معارضة لواشنطن. ومع ذلك أكد جوليان ميلر المسؤول بمكتب مجلس الوزراء في المملكة المتحدة، للمسؤولين الأمريكيين أن حكومته «ستتشاور مع الولايات المتحدة بشأن التطورات المستقبلية المتعلقة بغواصات ترايدنت لضمان عدم وجود خلاف بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة». هذه البرقية تقوض فكرة استقلال صنع القرار البريطاني عن الولايات المتحدة فيما يتعلق بغواصات ترايدنت.

وقال الكاتب: «إن برقيات ويكيليكس مليئة بأمثلة على خداع الحكومة البريطانية من النوع الذي صادفته على نطاق واسع في بحثي حول الملفات السرية في المملكة المتحدة. فقبل حملة القصف البريطانية ضمن تدخل (الناتو) في ليبيا في مارس (آذار) 2011، على سبيل المثال، تظاهرت الحكومة البريطانية بأن هدفها هو منع هجمات الزعيم الليبي معمر القذافي على المدنيين وليس الإطاحة به».

ومع ذلك، فإن ملفات ويكيليكس التي صدرت عام 2016 كجزء من أرشيف هيلاري كلينتون تكشف أن ويليام بيرنز، نائب وزيرة الخارجية الأمريكية، تحدث مع وزير الخارجية ويليام هيغ حول ليبيا «ما بعد القذافي»، قبل أكثر من ثلاثة أسابيع من بدء العمليات العسكرية. من الواضح أن القصد كان الإطاحة بالقذافي، وقرار الأمم المتحدة بشأن حماية المدنيين كان مجرد تبرير للتدخل.

كيف منعت بريطانيا مواطنين جزيرة «دييجو جارسيا» من العودة إليها؟

واستطرد الكاتب، هناك قضية أخرى تُظهر الخدع البريطانية، تتعلق بدييجو جارسيا، أكبر جزيرة في أرخبيل شاغوس بالمحيط الهندي، والتي تعتبر الآن قاعدة أمريكية رئيسة للتدخل في الشرق الأوسط. لطالما كافحت المملكة المتحدة لمنع سكان جزر شاغوس من العودة إلى وطنهم بعد ترحيلهم قسرًا في الستينات.

تظهر برقية سرية 2009 أن الوايت هول قام بحيلة معينة لتعزيز هذا الوضع فأنشىء محمية بحرية حول الجزر. وقال مسؤول رفيع المستوى في وزارة الخارجية للولايات المتحدة: إن «سيجد السكان السابقون أنه من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، متابعة مطالبتهم بإعادة توطينهم في الجزر إذا أصبح أرخبيل تشاغوس بأكمله عبارة عن محمية بحرية».

جزيرة بدييجو جارسيا

قبل أسبوع من تقديم اقتراح «الاحتياطي البحري» للولايات المتحدة في مايو 2009، كان وزير الخارجية البريطاني ديفيد ميلباند يتواطأ مع الولايات المتحدة، على ما يبدو لخداع الرأي العام. تكشف البرقية مساعدة ميلباند للولايات المتحدة في تجنب حظر القنابل العنقودية وإبقاء الأسلحة بالقواعد الأمريكية على الأراضي البريطانية، رغم توقيع بريطانيا على المعاهدة الدولية التي تحظر الأسلحة في العام السابق.

وافق ميلباند على ثغرة خلقها الدبلوماسيون للسماح للقنابل العنقودية الأمريكية بالبقاء على أراضي المملكة المتحدة وكان جزءًا من المناقشات حول كيفية تجنب النقاش في البرلمان الذي قد (يعقد أو يفسد) هذه القضية بواسطة هذه الثغرة. وكشفت نفس البرقية أيضًا أن الولايات المتحدة كانت تخزن الذخائر العنقودية على متن السفن التي تتخذ من جزيرة دييغو غارسيا مقرا لها.

كيف تجسست أمريكا على بريطانيا؟

وأشار الكاتب إلى برقيات تظهر تجسس الولايات المتحدة على وزارة الخارجية البريطانية، وجمع المعلومات عن الوزراء البريطانيين. بعد وقت قصير من تعيين إيفان لويس وزيرا للخارجية في عام 2009، كان المسؤولون الأمريكيون يطلعون مكتب وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون على حالة زواجه وما أشيع حول اكتئابه وتنمره.

كما تبين أن واشنطن كانت تتجسس على بعثة المملكة المتحدة لدى الأمم المتحدة، وأعضاء آخرين في مجلس الأمن والأمين العام للأمم المتحدة.

وبالإضافة إلى ذلك، تكشف برقيات ويكيليكس أن الصحفيين والجماهير من الأهداف المشروعة لعمليات المخابرات البريطانية. في أكتوبر (تشرين الأول) 2009، جرى تسريب منشور الخدمات المشتركة 440، وهو مستند مقيد يحتوي على 2400 صفحة كتبته وزارة الدفاع عام 2001. ومن المفارقات إلى حد ما، أنها احتوت على تعليمات لأجهزة الأمن حول كيفية تجنب تسرب المعلومات من قبل المخترقين والصحافيين والجواسيس الأجانب.

تشير الوثيقة إلى الصحافيين الاستقصائيين بوصفهم «تهديدات» إلى جانب منظمات تخريبية وإرهابية، مشيرة إلى أن الدعاية غير مرغوب فيها تعتبر عدو.

كما تم الكشف عن أن «(GCHQ) مكتب الاتصالات الحكومية البريطانية» تجسس على ويكيليكس وقرائها. وتظهر إحدى وثائق (GCHQ) من عام 2012 أن (GCHQ) استخدمت نظام المراقبة الخاص بها لجمع عناوين (IP) الخاصة بزوار موقع ويكيليكس سرًا، بالإضافة إلى مصطلحات البحث التي استخدمها الزوار للوصول إلى الموقع من محركات البحث مثل «جوجل».

تنافس وسائل الإعلام الحرة

ولفت الكاتب إلى أن الحكومة البريطانية تعاقب أسانج على نشر وثائق ويكليكس، وتتجاهل قرار الأمم المتحدة باعتباره محتجزًا «احتجازًا تعسفيًا» في سفارة الإكوادور، وخالفت القانون بعدم تلبية احتياجاته الصحية. كما يرفض الوايت هول تقديم ضمانات دبلوماسية بعدم تسليم أسانج إلى الولايات المتحدة، وهو السبب الوحيد وراء بقائه في السفارة.

حملات تشويه صورت أسانج كمفترس جنسي، أو عميل روسي، نُشرت كثيرًا في وسائل الإعلام نفسها التي استفادت من تغطية وثائق ويكيليكس.

العديد من الصحافيين والناشطين الذين يدركون تمامًا كيفية نشر الأخبار المزيفة في بعض وسائل الإعلام الغربية، وحملة التشهير ضد زعيم حزب العمل جيريمي كوربين يتجاهلون أو حتى يتواطئون في التشهير بأسانج.

واختتم الكاتب مقاله قائلًا: «يحتاج الصحافيين إلى دعم خدمات ويكيليكس أكثر، والدفاع عن حق وسائل الإعلام الحرة في فضح أسرار الدولة».

– مارك كيرتس مؤرخ ومحلل للسياسة الخارجية البريطانية والتنمية الدولية ومؤلف ستة كتب، وآخرها طبعة محدثة من «الشؤون السرية: تواطؤ بريطانيا مع الإسلام المتطرف».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد