بغض النظر عن التخمينات حول اغتيال النائب العام المصري هشام بركات، من حيث الفاعل والكيفية والظروف المحيطة، تشير هذه الحادثة إلى الصراع بين حقوق الإنسان وحُكم القانون والعدالة والحريات داخل المجتمع المصري. هل يترتَّب على تطبيق إحدى القيم الإخلال بقيمة أخرى؟

كان النائب العام المُغتال هشام بركات واحدًا من القِلَّة البارزة التي دبَّرت اتخاذ الإجراءات القمعية ضد المُتمرِّدين في حقبة ما بعد حُكم الرئيس محمد مرسي. احتُجِزَ آلاف من نُقَّاد الحكومة والمتظاهرين السلميين ونشطاء حقوق الإنسان وآخرين أثناء تولِّيه المنصب وحُوِّلوا إلى المحاكم بتُهَمٍ مُتعدِّدة – ووهمية كما هو واضح – تتنوَّع ما بين التخريب وتصل إلى تهديد الأمن القومي. لم يساعد دور بركات الوحشي في تلفيق التُهَم الرئيس عبد الفتاح السيسي في التخلُّص من رموز المعارضة فقط، بل الأهم من ذلك أنَّه رسَّخ لتسييس القضاء في مصر على نحو غير مسبوق. ويظل مسؤولًا عن ملابسات مثل هذه النتائج الخطيرة، سواء كان يقصد ذلك عمدًا أم لا.

السؤال الآن هو: هل يُبرِّر الدور الذي لعبه قَتْله؟ لا تختلف الإجابة على حسب مَن يُسأل فقط، ففي الحقيقة إذا سألنا أنفسنا هذا السؤال، قد يقع بعضنا في معضلة أخلاقية؛ قد نتَّفق أنَّ بركات كان مسؤولًا فاسدًا، ولكن هل نتَّفق أنَّ قَتْله يُحقِّق العدالة التي نرغب فيها؟

استخدَم بعض النشطاء الإسلاميين مصطلح «القصاص الإلهي» على منصات التواصل الاجتماعي الخاصة بهم لوصف الحادثة التي اعتبروها «نصرًا» على الدولة السُلطوية التي تسجن الناس وتُعذِّبهم بناءً على اتِّهامات كاذبة. تظل المواجهة العنيفة الشكل الوحيد المُتاح للمقاومة، وخاصةً مع غياب أي صورة للقضاء المُستقِل والحُكم الجيد. ولكن تختلف مجموعة أخرى مناهضة مع هذا الوصف، فيرون أنَّه برغم غضبهم من بركات وإحباطهم، إلَّا أنَّ قوانين الغابة لا يمكن أن تحكم حيواتنا، ومَن يأخذون بالثأر يفتحون بابًا قد يكون من المستحيل غلقه في المستقبل.

على الرغم من أنَّ كلًا من الرأيين يعكسان تحيُّزًا ودافعًا، إمَّا من خلال اندفاع عاطفي أو من خلال وجهة نظر سياسية مُعيَّنة، فكلاهما يتغاضيان عن مفهوم العدالة التي عليها منح أولوية أكبر للوسائل التأهيلية من الإجراءات العقابية. بمعنى آخر، لا تعتبر العدالة كل المُذنبين مُجرمين لا يمكن إصلاحهم، لأنَّ العدالة لا تتعلَّق فقط بالعقاب والجزاء، إنَّما قيمتها الجوهرية في الحقيقة هي إعادة تأهيل الأشخاص السيئين ومَنع الأشخاص الجيدين أن يُصبِحوا سيئين.

الحادثة المذكورة سابقًا هي مُجرَّد واحدة من بين الكثير، سيقع المزيد من هذه الأحداث في المستقبل القريب، في ضوء الموقف المُتدهور في مصر. ولذلك، علينا تجاوُز خصوصية هذه الحادثة ومخاطبة المشكلة دون الدخول في مناظرات اجتماعية ضيقة مستقطبة. تكمُن المعضلة الفعلية في مصر في صعوبة تشريع حلول حكيمة تُحقِّق العدالة دون الإخلال بالقيم الإنسانية الجوهرية أو تقويض عملية إرساء الديمقراطية المستقبلية. لا يمكن لهذا أن يحدث عندما يُنفِّذ الأفراد القانون بأيديهم، يجب القيام بذلك بصورةٍ مشاعية وعبر عملية مؤسَّسَة.

يبدو الإصلاح المؤسَّسي في ظل وضع مصر القائم بالطبع مُستحيلًا بسبب الفساد المستشري، بالإضافة إلى القبضة الحديدية للمجلس العسكري الذي لا يرى حاجةً إلى تغيير النظام الذي جعله قويًا من الأساس. ولكن إذا كُنَّا نعتقد أنَّ هيئات الدولة فاسدة – وهي كذلك في مصر -، إذًا علينا صياغة آلية للعدالة الانتقالية دون اللجوء إلى وسائل عقابية وإقصائية تُخِل بجوهر الديمقراطية والعدالة.

على الجانب الآخر، تفتقد جماعات المعارضة المصرية أي رؤية لمشروعٍ قابل للتطبيق يتضمَّن إجراءات للعدالة الانتقالية – أو أي إجراءات على الإطلاق – قد تسد الفجوة في حالة تغيُّر مُفاجئ للنظام. إن خطاب المعارضة الحالي (الإسلامي والليبرالي) سطحي وانتقامي للغاية، ويُثير العدائية والاختصام بدلًا من المنطق والضمير.

يُمثِّل غياب المنطق والعقل عقبةً أخرى في طريق مصر نحو الديمقراطية، لا تستخدم أي من هيئات الدولة وجماعات المعارضة العقل ولا الأدلة لدعم حُججها، بل تُوظّف الحُجج المدفوعة بالدين والقومية بكثرة في خدمة مصالحهم. غالبًا ما يشغل السياسيون والنشطاء المصريون أنفسهم بالتحليل والتنظير عن كيفية إسقاط نظام سياسي دون تقديم سيناريوهات لتغييرٍ بعد إسقاط النظام يعد بالعدالة دون انتهاك أساس الديمقراطية.

سيترتَّب على الفشل في تحقيق آلية لما بعد النظام عواقب وخيمة في المستقبل، كان غياب إجراءات العدالة الانتقالية الواضحة في أعقاب ثورة 25 يناير في الحقيقة أكثر شَرَك إستراتيجي يدفع المصريون ثمنه اليوم. يتساءل الكثيرون الآن عمَّا إذا كانت الديمقراطية قابلة للتطبيق في مصر، وإذا كانت كذلك فمن أين نبدأ؟ العدالة هي الميدان المُلِحّ والضروري الذي علينا البدء به.

اللجوء إلى العدالة وسط كل هذا الفساد المستشري والممارسات السُلطوية هو الأمل الوحيد الباقي في إحياء مسار مصر الديمقراطي، لأنَّه لا يمكن سوى لسُلطة قضائية مُستقِلة نزيهة أن تضمن حماية بقية القيم الديمقراطية. إذا آمن الناس بنظامهم القضائي ووثقوا فيه، ستتآكل دائرة العنف تدريجيًّا وستتراجع الحاجة إلى المواجهة العنيفة تراجعًا كبيرًا، فاللجوء إلى المحكمة أسهل من قتل الأعداء (بما في ذلك مسؤولي الدولة) وأسرع وأكثر فعالية.

ومن ثم فالمناداة بإصلاح قضائي والعمل على إجراءات للعدالة الانتقالية بغض النظر عن متى يتغيَّر النظام الحاكم هي أولوية قد تُصلِح التلف وتساعد على تعزيز نضال مصر من أجل الديمقراطية.

الخُلاصة أنَّ غياب النزاهة والإنصاف في مؤسَّسات الدولة لا يُعطي للأفراد الحق في تنفيذ العدالة بشروطهم الخاصة، لأنَّنا ببساطة – بوصفنا أفرادًا – نفتقد للنزاهة والإنصاف نفسيهما. فستحجب عوامل مثل العواطف وتضارب المصالح والنزعات الشخصية رؤيتنا وتُضلِّل حُكمنا، ومن ثم تصل بالمجتمع إلى موقف أكثر التباسًا، فجريمة القتل التي تُرتكَب في حق أحد الأطراف ستُنتج رغبةً قوية في الانتقام عند الطرف الآخر ومن ثم تجر المجتمع إلى دائرة لا نهائية من حمامات الدم.

إذا استطاعت جماعات المعارضة المصرية بذل جهود حقيقية غير مُدمِّرة لإصلاح النظام القضائي وتنظيمها، مع العمل على مشروعٍ شامل للعدالة الانتقالية، سيمكنها حينها إنعاش مسار مصر الديمقراطي واستعادته. أمَّا إذا كان القصاص الأعمى يفوق الرغبة في تحقيق العدالة الحقيقية، فعلينا أن نتوقَّع انتصار العنف والخروج عن القانون.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد