نشر موقع «ذي إنترسبت» تقريرًا لـلصحفي عكاش حسن، المقيم في كشمير الخاضعة للإدارة الهندية ويغطي الصراع في منطقة الهيمالايا المقسَّمة بين ثلاث قوى نووية، الهند وباكستان والصين، سلَّط فيه الضوء على الحملة القمعية على مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي في كشمير؛ والتي تُعد جزءًا من تصعيدٍ حادٍ لجهود الرقابة الحكومية الهندية.

واستهل الكاتب تقريره بالحديث عن قصة الطالب الجامعي أحمد الذي كان يشعر بالتوتر الشديد عندما اقترب من قسم الشرطة المحصَّن، حيث تعلو الجدران أسلاك شائكة ويحيط به رجال شرطة مدججون بالسلاح لحراسة المداخل، وكان الطالب الجامعي، الذي استخدم اسمًا مستعارًا خوفًا من الانتقام، قد تلقى مكالمة هاتفية في اليوم السابق من الشرطة المختصة في الجرائم الحاسوبية في جامو وكشمير، لمطالبته بالحضور إلى القسم دون إبداء أي أسباب، ولم يسبق للشرطة أن استَدْعت أحمد من قبل.

وعند وصوله إلى قسم الشرطة، اقتاده رجال الشرطة على الفور إلى مركز آخر قريب، وصادروا هاتفه المحمول عند البوابة، وأَدخلوه إلى غرفة احتجاز، حيث لاحظ وجود أربعة شبان آخرين، وبعد تبادل بعض النظرات القلقة والهمسات الصامتة، أدرك الشباب الخمسة أنهم يعرفون بعضهم بعضًا، ليس بصفة شخصية، بل من خلال وسائل التواصل الاجتماعي.

تاريخ وفلسفة

منذ سنتين
قبل أزمة كشمير بقرون.. تعرف إلى تاريخ إمبراطورية الهند الإسلامية

لقاء أول في مركز تعذيب

وأشار الكاتب إلى أن أول لقاء للشباب الخمسة كان في مركز كارجو، وهو مجمع شرطة لمكافحة التمرد سيئ السمعة؛ بوصفه مكانًا للتعذيب، ومنذ أغسطس (آب)، أفادت تقارير أن المنشأة الكائنة في سريناجار، عاصمة كشمير الخاضعة للإدارة الهندية، تُستخدَم في استجواب شباب كشميريين، من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، وتعذيبهم بعد أن انتقدوا السياسات القمعية التي تنتهجها الحكومة الهندية في المنطقة منذ العام الماضي.

وفي شهر أغسطس، أفاد تقرير لتحالف جامو وكشمير للمجتمع المدني- وهو مجموعة من منظمات لحقوق الإنسان- أن الشرطة قدَّمت شكاوى ضد أكثر من 200 مستخدم لمنصات وسائل الإعلام الاجتماعية والشبكات الخاصة الافتراضية (VPN) ونشرتْ تكنولوجيا مراقبة لتعقُّب هؤلاء الأشخاص واستدعائهم إلى مراكز الشرطة بموجب قوانين مكافحة الإرهاب والاحتجاز.

ولفت الكاتب إلى أن أحمد والشباب الذين قابلهم في مجمع كارجو، هم من بين أكثر من عشرين رجلًا وامرأة، معظمهم من الطلاب، تحدثوا إلى «ذي إنترسبت» عن تجاربهم في مقار الاحتجاز لدى الشرطة بسبب منشوراتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، وقد اتصلت ببعضهم وحدة الشرطة الإلكترونية، وطلبت منهم توقيع اتفاق غير ملزم في مركز للشرطة المحلية للامتناع عن انتقاد السلطات المدنية أو القوات المسلحة على وسائل التواصل الاجتماعي، وروى آخرون أنهم أُرسِلوا إلى منطقة كارجو، حيث تعرَّضوا للضرب والإساءة اللفظية والتهديد بالسجن أو الموت.

Embed from Getty Images

تصعيد حاد لجهود الرقابة على تويتر في كشمير

وأوضح الموقع الأمريكي أن الإجراءات الصارمة التي اتخذتها الشرطة مؤخرًا ضد وسائل التواصل الاجتماعي تشكل جزءًا من تصعيدٍ حادٍ للجهود الرقابية تحت قيادة رئيس وزراء الهند القومي الهندوسي نارندرا مودي منذ أغسطس 2019، بعدما قررت الحكومة من جانب واحد إلغاء وضع جامو وكشمير شبه المستقل الذي كان مكفولًا من قبل بموجب الدستور الهندي وتقسيم الدولة إلى أقاليم اتحادية تحت سيطرتها المباشرة.

وكانت المنشورات الخاضعة لرقابة الشرطة، والتي تُنشَر في أغلبها على تويتر وفيسبوك، سياسية بوضوح، فقد شككتْ تلك المنشورات في الإجراءات التي تتخذها الهند ضد الكشميريين قبل إلغاء الوضع الخاص بالمنطقة وبعده، فضلًا عن التعريف بانتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها قوات الأمن الهندية وصَمْت أجهزة الإعلام بشأن مثل هذه الانتهاكات، ولم ترد إدارة موقع تويتر على طلب التعليق على ذلك.

وقال الضحايا إن الشرطة صادرت هواتفهم وأعادَتها إليهم بعد أيام، بعد أن استخدم الضباط معلومات تسجيل الدخول التي انتُزِعت منهم أثناء الاستجواب للوصول إلى حساباتهم على وسائل التواصل الاجتماعي. ومنذ الإفراج عنهم، قال عديد من الضحايا إنهم توقفوا عن نشر أي محتوى سياسي على شبكة الإنترنت أو أنهم عطَّلوا حساباتهم لتجنب استدعائهم مرة أخرى.

ونوَّه الكاتب إلى قلة التقارير القادمة من وسائل الإعلام الكشميرية والهندية حول حملة القمع الأخيرة، لافتًا إلى أن الصحفي الكشميري عقيب جافيد استدعته شرطة الإنترنت في أواخر سبتمبر (أيلول) إلى مقر الشرطة السيبرانية بعد أن نشر تقريرًا عن القضية على موقع «أرتيكل 14» الهندي، وزعم فيما بعد أنه تعرَّض للاعتداء واحتُجز في مجمع كارجو لمدة خمس ساعات، وهي معاملة مماثلة لما وصفه مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي.

وقال جوهر جيلاني، الصحفي والمؤلف الذي احتجزته الشرطة الإلكترونية بموجب قانون منع الأنشطة غير المشروعة، وهو قانون هندي مثير للجدل لمكافحة الإرهاب، إن تخويف مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي والصحفيين يهدف إلى إسكات الانتقادات، مضيفًا أن ذلك «يُشكل جزءًا من حملة أوسع نطاقًا تستهدف قمع الناس وتجريم التعبير عن الآراء».

داخل غرفة الاستجواب..بسبب تغريدات

وأردف الكاتب أن الحكومة الهندية وضعت كشمير، التي تُعد المنطقة الأكثر عسكرة على مستوى العالم، تحت إغلاق عسكري غير مسبوق في أغسطس الماضي، وحظرت الخدمات الخلوية وخطوط الاتصال الرقمية دون أي إشعار مسبق، مما أدَّى إلى أطول إغلاق لخدمة الإنترنت سُجِّل على الإطلاق في أي نظام ديمقراطي، وقد أعادت الحكومة الهندية خدمة الإنترنت، بما في ذلك مواقع التواصل الاجتماعي، التي كانت محظورة سابقًا، في مارس (آذار)، ولكن بسرعة الجيل الثاني البطيئة فقط.

Embed from Getty Images

ونقل التقرير عن ديفاداتا موخوبادهياي، المستشارة المشاركة في مؤسسة حرية الإنترنت، وهي مجموعة مناصرة للإنترنت مقرها الهند، قولها إن القيود المفروضة على خدمة الإنترنت جاءت جنبًا إلى جنب مع تشديد الرقابة في المنطقة، وقالت: «بعض الأمثلة التي شاهدناها في العام الماضي تمثَّلت في قيام مسؤولي مجموعة على تطبيق واتس آب بالتسجيل لدى سلطات المنطقة، ومنعهم من الاستفادة من خدمات الشبكة الخاصة الافتراضية، ومتطلبات التحقق الإضافية لمستخدمي الإنترنت عبر الهاتف المحمول المدفوعة مسبقًا».

وقد لجأ بعض الكشميريين، الذين تتملكهم روح التمرد المستمر منذ عقود ضد الحكم الهندي، إلى وسائل التواصل الاجتماعي للتعبير عن إحباطهم من الحكومة، ولكن لم يحدث هذا دون تَبِعات.

وبعد الانتظار لأكثر من ثلاث ساعات في غرفة الاحتجاز والحصول على بصماته الشخصية وتصويره وأخْذ بياناته المصرفية وغيرها من التفاصيل الشخصية، نُقِل أحمد إلى غرفة استجواب كان ينتظره فيها عدة ضباط، وقال أحمد: «صاح هؤلاء الضباط قائلين: مَنْ الذي يعطيك المال لنشر كل هذا؟ ثم صفعني أحدهم وركلني»، وقد دفع أحد الضباط ملفًا نحوه يحتوي على لقطات شاشة لمنشوراتِه على تويتر.

وتابع أحمد: «طُلب مني فتح هاتفي وبدأ أحد الضباط في فحصه، وطلب ضابط آخر كلمات مرور بريدي الإلكتروني وحساباتي على وسائل التواصل الاجتماعي»، وشرع الضباط في تصفح حساب أحمد على تويتر من جهاز الكمبيوتر وبدأوا في استجوابه بشأن تغريداته الأخيرة، وكانت بعض منشوراته تطالب بمساءلة الشرطة والجيش الهندي عن انتهاكات حقوق الإنسان، مثل القتل خارج نطاق القضاء للمدنيين في  معارك مسلحة، في حين بدت بعض المنشورات الأخرى أكثر لطفًا.

وقال أحمد: «سألني أحد الضباط لماذا هنَّأت المصورين الكشميريين الذين فازوا بجائزة بوليتزر هذا العام، وكذلك سألوني لماذا أقتبس في تغريداتي من كلام الشعر والشعراء على نحو انتقائي».

وقال طالب جامعي آخر تحدث إلى الموقع أيضًا إن ضابط شرطة صادر هاتفه أثناء احتجازه في كارجو ونظر في صور والدته وإخوته.

وقال بلال، الذي استخدم أيضًا اسمًا مستعارًا خوفًا من الانتقام: «لقد أساء الضابط إلى المحتجزين وهدَّد بأن يعاملهم مثلما يعاملني».

وأخبر بلال وضحيتان أخريان الموقع أن الضباط اقترحوا عليهم أن يصبحوا مُخبرين وأن يَشُوا بمستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي الآخرين الذين تراقبهم الشرطة مقابل إطلاق سراحهم، وقيل لهم إنهم سوف يُسجنون أو يقُتلون في معارك مدبرة إن لم يفعلوا ذلك.

وقال: «كانوا يتركونني بمفردي لساعات لأُقرر». ومع ذلك، أطلقت السلطات سراحه في النهاية مع تحذير بأنهم سوف يحتجزونه في المرة القادمة بموجب قانون منع الأنشطة غير المشروعة.

Embed from Getty Images

التعقُب والتتبع

وتابع التقرير: وسَّعت الحكومة الهندية قوة الشرطة السيبرانية في كشمير بعد مدة وجيزة من إغلاق أغسطس من العام الماضي، بهدف الحد من الجرائم السيبرانية. ومنذ ذلك الحين، تطورت الوحدة لتصبح عملية مراقبة متطورة، مجهزة بتكنولوجيا متقدمة لتعقب الكشميريين، بما في ذلك المراقبة الأحدَث المرتبطة بتعقب إصابات كوفيد-19، أثناء انتشار الجائحة، وقد حصل طاهر أشرف بهاتي، رئيس مجمع كارجو، والمسؤول أيضًا عن شرطة الجرائم السيبرانية؛ على ميدالية من الحكومة الهندية في يوم الاستقلال عن عمل وزارته.

وقال بهاتي في تصريح للموقع إن الوحدة الإلكترونية تفتح قضايا في الأغلب تتعلق بالشكاوى المتعلقة بالاحتيال المالي و«التنمُّر الإلكتروني»، وقد استُخدِمت التهمة الأخيرة باعتبارها مبررًا لاستدعاء مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي؛ الذين ينشرون منشورات مناهضة للحكومة، ونفى بهاتي استدعاء أشخاص أو تعذيبهم بسبب تعبيرهم عن آرائهم السياسية على شبكة الإنترنت.

وألمح الكاتب إلى أن بهاتي نفسه اتُّهم بالاعتداء على أحد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي أثناء الاحتجاز، فقد أخبر الضحية الموقع أنه استُدعِيَ إلى مركز شرطة الإنترنت في أغسطس بعد أن سَخَر من بهاتي على تويتر، ثم نُقِل إلى كارجو؛ حيث استخدَمَ بهاتي حزامًا جلديًّا لضربه مرارًا لمدة ثلاثة أيام على نفس الجزء من جسده، وقال: «سوف يتعرفون إلى هويتي إن أخبرتكم بمكان الضرب على جسدي»، بينما نفى بهاتي وقوع الحادث.

كما رفض بهاتي الخوض في تفاصيل حول نوع تقنية المراقبة التي تستخدمها الشرطة الإلكترونية لجمع المعلومات عن الكشميريين الذين يعيشون في المنطقة وخارجها، وقد أخبر عديد من الأشخاص الموقع؛ أنه على الرغم من استخدام الشبكات الافتراضية الخاصة للتخفي على وسائل التواصل الاجتماعي، ما تزال الشرطة قادرة على تحديد هويتهم.

قال بهاتي: «يستغرق الأمر نصف ساعة لتحديد موقع أي مستخدم والتفاصيل الخاصة به»، وعرض على «ذي إنترسبت» محادثة عبر تطبيق واتس آب، سأله فيها ضابط كبير عن موقع بعض الأفراد وعناوينهم ، وما إذا كان لهم سجل سابق، وقال بهاتي: «لقد فعلها فريقي في غضون دقائق قليلة».

وأضاف بهاتي أن هذا الفريق يتألف من 40 شرطيًّا بارعًا في مجال التكنولوجيا، في حين أن القضايا الأكثر صعوبة تُسند إلى شركات خاصة، ولكنه لم يحددها.

Embed from Getty Images

التزام الصمت

ويوضح التقرير أنه في حين أن قسمًا كبيرًا من العمليات الداخلية للوحدة السيبرانية ما تزال محاطة بالسرية، إلا أن لأفعالها وقْع مخيف ملحوظ على نشاط وسائل التواصل الاجتماعي في كشمير، فقد اختفى عديد من الحسابات، بينما التزم آخرون الصمت أو توقفوا عن نشر أي محتوى سياسي.

تقول شيفالي رفيق، طالبة صحافة تبلغ من العمر 22 عامًا وتنشط في مجال التواصل الاجتماعي، إنها أصبحت أكثر حذرًا بشأن ما تنشره، وأضافت: «كانت هناك بعض الحسابات لأشخاص كنت أتابعهم بشغف، ولكنهم قاموا بإلغاء تنشيط حساباتهم أو لم يعودوا يكتبون منشورات مهمة».

وقال ثلاثة من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي إنهم لاحظوا نشاطًا مشبوهًا في حساباتهم منذ إطلاق سراحهم من الحجز لدى الشرطة، مثل تسجيلات الإعجاب أو إعادة التغريد التي لم يقوموا بها، أو متابعة حسابات أخرى أو إلغاء متابعتها .

وقال هؤلاء الذين استدعتهم الشرطة إنهم عاشوا في خوف منذ مقابلتهم مع الشرطة الإلكترونية، وقال أحمد بعد استدعائه للاستجواب أربعة أيام متتالية إنهم أطلقوا سراحه أخيرًا شريطة أن يتوقف عن انتقاد الحكومة الهندية وقوات الأمن على الإنترنت، وأن يقدم تقريرًا إلى القسم عند استدعائه. ومنذ إطلاق سراحه، قال أحمد أنه عانى من نوبات هلع وفقدان للشهية، ولم يتمكن من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي كما كان معتادًا من قبل.

ويختتم المراسل تقريره بتعليق أحمد على التزامه الصمت: «في بعض الأحيان أكتب تدوينة طويلة وفي النهاية أحذفها وأجهش بالبكاء؛ فهاتفي يعد على أنفاسي».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد