تناول تقرير من وكالة «رويترز» الإخبارية رحلة صعود رجل الأعمال العراقي السُنّي خميس الخنجر، من مُفاوضٍ في الغُرف المغلقة إلى بطلٍ مُحتملٍ للسُنَّة في العراق، الذي يمر بصراع سياسي مضطرب.

وبحسب التقرير، استمرَّ «الخنجر» في تمويل المقاتلين والساسة السُنَّة منذ 10 أعوامٍ على الأقل؛ وهو الآن يريد استخدام ثروته البالغة عدة ملايين من الدولارات في إقامة منطقةٍ ذاتية الحكم للسُنَّة في العراق.

كانت جهود رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي للتوفيق بين السنَّة والشيعة في العراق قد باءت بالفشل، بحسب التقرير الذي أعدَّه المراسل «نِد باركر»، رغم تزايد انخراط الولايات المتحدة الأمريكية في العراق. تركز الميليشيات والأحزاب الشيعية على الصراعات الداخلية فيما بينها بدرجةٍ أكبر من اهتمامها بالتوصُّل إلى تسوية سياسية مع السُنَّة. والقبائل السنية لا تنفك تخبر المسؤولين الأمنيين والقادة السياسيين بأنَّهم يقعون بين مطرقة جماعة «الدولة الإسلامية» (داعش) وبين سندان الميليشيات الشيعية.

لكن «الخنجر»، المقيم في دبي، يقول إن لديه البديل: اتحاد فيدرالي يُدير فيه السُنَّة، والشيعة، والأكراد مناطقهم الخاصة بدلًا من تفكيكها رسميًا. ويسعى «الخنجر» وشركاؤه، بحسب «رويترز» إلى الحصول على استثمارات بمليارات الدولارات من دول الخليج العربية وتركيا لمصلحة المنطقة السُنية الاتحادية.

وينقل التقرير ما أعلنه «الخنجر»، ابن مدينة الفلوجة المُحاصرة، مؤخرًا في حديثٍ تليفزيونيٍ أنَّه يُشكِّل وفدًا للتحقيق بشأن «القتل خارج نطاق القانون»، و«تدمير الممتلكات وتخريبها»، وقائمة انتهاكات أخرى لحقوق الإنسان تُتهم بها الميليشيات الشيعية في العراق.

ويقول «الخنجر»: «تمنح الحكومة العراقية غطاءً سياسيًا للميليشيات؛ وتُنكِر باستمرارٍ انتهاكات حقوق الإنسان المُمنهجة». وهو ما تفعله الحكومة، بحسب التقرير، بإنكار أعمال القتل والاختطاف، والتأكيد على جهدها الدؤوب في ملاحقة العصابات الإجرامية التي ترتكب هذه الأعمال.

كان «الخنجر»، يتابع التقريرُ، قد قام بسلسلة من الرحلات إلى شمال العراق في العام الماضي، يصحبه فيها جماعة من المساعدين والحرس الخاص القادم من بريطانيا؛ وتنحصر تنقلاته في كردستان لأنَّه، بحسب قوله، حياته مهددة من «داعش» والميليشيات المدعومة إيرانيًا في أنحاء أخرى في البلاد.

ويضيف التقرير أنَّ «الخنجر» يدفع 65 ألف دولار أمريكي شهريًا لشركةٍ أمريكيةٍ من شركات الضغط السياسي (اللوبي)، ومقرها واشنطن العاصمة، للترويج لخطته في دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة.

على الجانب الآخر، تتناول «رويترز» رأي قادة الشيعة في العراق بشأن «الخنجر»، الذي يصفونه بـ«الانتهازي الذي يزعزع الاستقرار»؛ كما يصفه منافسوه السُنَّة بـ«المروّج لنفسه» متهمينه بالرغبة في السلطة ولو على حساب استقرار العراق.

وبحسب دبلوماسيين أمريكيين سابقين تحدَّثوا لـ«رويترز»، مكَّنت ثروة «الخنجر» وعلاقاته بدول الخليج وتركيا من أن يحافظ على سريته وقدرته على ممارسة النفوذ في السياسة العراقية؛ فهو يموّل التحالفات السياسية وانتفاضاتها العشائرية، ويدفع تظاهرات على مستوى الدولة بأكملها؛ مما جعل السياسيين السنَّة والشيعة، على حدٍ سواءٍ، يغازلونه في وقتٍ أو آخر، حتى بعضًا من هؤلاء الذين يمقتونه.

ثروة «الخنجر»، بحسب «رويترز»، تبلغ مئات الملايين من الدولارات، وتشمل أصولًا في قطاعات الإنشاءات، والمصارف، والخدمات المالية، والعقارات السكنية والتجارية في الشرق الأوسط، وأوروبا، وشمال أفريقيا.

وتساءل مسؤول أمريكي سابق: «هل يريد الخنجر توجيه بلاده إلى الأفضل؟ أم هل يحاول توسيع دوائر أعماله؟ أم كل هذا هو محض لعبة يتسلَّى بها ملياردير؟».

ويشير التقرير أيضًا إلى الاغتيالات التي ارتكبها تنظيم «داعش» والميليشيات الشيعية؛ ما كان من شأنه تفريغ الساحة السياسية السنية من قادتها عبر الأعوام العشرة الأخيرة.

وتنقل «رويترز» تصريحًا لـ«علي الخضيري»، الدبلوماسي الأمريكي الذي عمل في بغداد بين عامي 2003 و2010، يقول فيه: «الخنجر هو أحد الرموز السنَّة المعدودين الباقين الذين يملكون الرؤية، والذكاء، والمال، مع أنَّه ليس مثاليًا في بلدٍ ضربها العنف والطائفية والفساد».

وتضيف الوكالة: «إنَّ تاريخ الخنجر محل جدل؛ فيقول المقاتلون السابقون السُنَّة إنَّه موَّل التمرد ضد القوات الأمريكية عقب الغزو في عام 2003؛ لكنَّه دعم بعد ذلك الانتفاضة السنية العشائرية المؤيدة لأمريكا، والتي ساعدت في تدمير التجسيد الأصلي لـ«داعش»: تنظيم القاعدة في العراق».

ويُعدد التقرير تأثيرات «الخنجر» في الحياة السياسية العراقية، من تأسيس قائمة من أكبر اثنتين في الانتخابات العراقية، وتمويل التظاهرات السنية المناهضة للحكومة، والتفاوض مع الأحزاب الشيعية.

وردًا على سؤال «رويترز» عن حجم ثروته، قال «الخنجر»: لقد كان الله كريمًا معي». لكنَّ منتقديه يقولون إن عائلته قد بنت ثروتها عن طريق تأسيس شركات تخفي استثمارات أعضاء نظام صدام حسين في تسعينيات القرن الماضي، ويتهمون «الخنجر» بالاستحواذ على أصول شركائه بعد الغزو في عام 2003، وهو الأمر الذي ينكره.

ويروي التقرير بعد ذلك وقائع الزيارة التي قام بها «الخنجر» إلى كردستان العراق لتفقُّد 14 مدرسة وثلاث عيادات طبية موَّلها لخدمة مليون سني استقروا هناك بعد أن هُجِّروا من بيوتهم. استقبل «الخنجر» الأطفال بزيهم المدرسي؛ وألقوا أبياتًا من الشعر لتحيته باعتباره منقذهم من الصراع الطائفي في العراق.

وتنقل «رويترز» عنه قوله: «إنَّنا نتجه إلى «سُنستان» دموية وبلا حدودٍ إذا لم تتخذ الحكومة العراقية إجراءات فورية للتعامل مع حقوق السُنَّة».

وهذا رهان الخنجر: تأسيس منطقة فيدرالية تتخذ من كردستان – المستقلة تقريبًا – نموذجًا يمنح السُنَّة حقوقهم ويساعدهم في مواجهة «داعش»؛ والدستور العراقي يسمح بهذه الخطة التي حاولت الأقاليم السنية تنفيذها مرتين سابقًا.

جمع «الخنجر» أقوى التحالفات السنية في العراق لدفع قضيته قُدُمًا، مثل أثيل النجيفي؛ محافظ الموصل السابق، ورافع العيساوي؛ وزير المالية السابق. لكن «الخنجر» وحلفاءه يشكون طريقة تعامل إدارة أوباما مع قضيتهم بطرحها جانبًا؛ فالمسؤولون الأمريكيون لا يصدقون أنَّ الحكومة العراقية تفشل في مساعي التصالح مع السنة أو مواجهة تعديات الميليشيات الشيعية.

وكانت السفارة الأمريكية قد رفضت منح «النجيفي» و«العيساوي» تأشيرة دخولٍ إلى الأراضي الأمريكية في وقتٍ سابقٍ بعد أن هاجما الحكومة العراقية في زيارتهما الأخيرة.

وردًا على هذه الادعاءات، قال السفير الأمريكي في العراق، ستوارت جونز، إنَّ السفارة الأمريكية ليس من شأنها أن تقمع أي صوت عراقي في واشنطن أو في أي مكانٍ آخر؛ وأنكر وجود سياسة متعمَّدة لمنع «الخنجر» وحلفائه من السفر لأمريكا، لكنه رفض التعليق على قضية رفض منحهم تأشيرة الدخول.

لكنّ المسؤولين الأمريكيين يرفضون الحديث علنًا عن «الخنجر».

وفي السياق نفسه، يستعرض تقرير «رويترز» محاولات «الخنجر» ترويج قضيته في واشنطن عبر شركة ضغط سياسي (لوبي) يديرها مجموعة من المسؤولين الديمقراطيين السابقين. أنشأ «الخنجر» مؤخرًا مكتبًا في واشنطن؛ ومسؤولة الإعلام لديه هي المتحدثة السابقة باسم السفير الأمريكي في الأمم المتحدة سامانثا باور.

يقول «الخنجر»: «لدينا علاقات ممتازة مع قطر، والسعودية، والإمارات، وتركيا. نريد أن نعزز هذه العلاقات». أمَّا «النجيفي» فيحاول ضمان تأييد تركيا للمشروع الفيدرالي السني. والرجلان يحشدان مجموعات من المقاتلين لمواجهة «داعش». يقول «النجيفي» إن عدد قواته يبلغ الآن أربعة آلاف مقاتل درَّبتهم تركيا؛ ويقول «الخنجر» إنَّه موَّل 2400 مقاتل يواجهون «داعش» خارج الفلوجة، بالإضافة إلى أربعة آلاف آخرين جاهزين للتدريب.

وتختم «رويترز» تقريرها بنقلها عن «الخنجر» أنَّه يحاول إنقاذ بلاده لأجل مصلحة العراق، لا مصلحته الخاصة؛ إذ يقول: «لو كان العراق مستقرًا وآمنًا، ما كنت لأفكر في الدخول إلى معترك السياسة».

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد