سلطت صحيفة «الجارديان» البريطانية الضوء على المكاسب السياسية التي يحققها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من إدارته لقضية قتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، مع تضييق الخناق نحو المملكة العربية السعودية في تلك القضية.

وبحسب الصحيفة، فقبل ثلاثة أسابيع من الآن، تبخر خاشقجي فور دخوله إلى القنصلية السعودية في إسطنبول، وحينها تعهد أردوغان بوضع «الحقيقة العارية» أمام الجميع فيما يتعلق بما حدث للكاتب والناقد السعودي، الذي ما زال مصيره يحكم قبضته على كلا البلدين ويساهم في دفع الشرق الأوسط نحو مزيد من الاستقطاب.

وإذا ما ظل أردوغان متمسكًا بوعده، فمن المتوقع -بحسب الصحيفة- أن الأيام القادمة ستكشف الكثير من الأدلة التي جمعتها تركيا، والتي تدين تورط المملكة العربية السعودية في مؤامرة لقتل خاشقجي، يدور الحديث هنا عن صور، ومقطع فيديو، وحتى تسجيل صوتي يشيب لهوله الولدان ويوثق عملية تعذيب وقتل خاشقجي.

وتشير الصحيفة إلى حديث المتحدث باسم الحاكم الذي وصف مقتل خاشقجي بـ«جريمة القتل المعقدة التي تم التخطيط لها بشكل وحشي»، كما تشير إلى أن أردوغان -وليس أحد مرؤوسيه- يتجهز لوضع اسمه على الخطوة التي ستأخذ هذا الحدث إلى مستوى أعلى، إذ توقعت أن يتهم الدائرة الضيقة التي تمسك بمقاليد السلطة في الرياض بالتخطيط لقتل خاشقجي، فيما يتعارض مع الرواية الرسمية السعودية التي تلقي بالمسؤولية على مجموعة من رجال الأمن الذين تجاوزوا السلطات الممنوحة لهم في محاولة فاشلة لإثبات كفاءتهم الاستخباراتية. (تحدث أردوغان بالفعل اليوم الخميس عن ذلك تلميحًا، حيث طالب في خطاب له أمام كتلة حزبه في البرلمان التركي بكشف الجناة «من أسفل السلم إلى أعلاه»، كما ذكر أن «إلقاء اللوم على بعض رجال الأمن والمخابرات لن يكون مطمئنا لنا وللمجتمع الدولي»).

وبرأي الصحيفة، من شأن توجيه أصابع الاتهام (إلى ولي العهد السعودي) أن يلقي بتبعات ثقيلة على الرياض، التي مر تعاملها مع الأزمة بمراحل عدة بدءًا من الإنكار التام، ثم الاعتراف الجزئي، ومحاولة التغطية ثم رفع الغطاء عن الفاعلين، يسود «الفزع» إذًا في أرجاء الديوان الملكي في الرياض.

«تايم»: هكذا سيقلب مقتل خاشقجي الشرق الأوسط!

بحسب الصحيفة، فقد حشر أردوغان السعوديين -وبشكل أخص ولي العهد محمد بن سلمان- في الزاوية التي أرادها، فمن رحم الأزمة لاحت للزعيم التركي المخضرم فرصة ذهبية، وهو الذي لم يستسغ أبدًا الأفعال المتهورة للأمير السعودي ذي الثلاثة والثلاثين عامًا.

لدى الرجلين وجهات نظر متناقضة تمامًا فيما يتعلق بمستقبل المنطقة، فأردوغان هو أحد أبطال الإسلام السياسي ورموزه في الداخل والخارج، خاصة بعد الصعود القصير ومن ثم أفول نجم الرئيس المصري السابق محمد مرسي المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين. كما أن الرئيس التركي يتمتع بشراكة قوية مع قطر، الخصم اللدود للرياض. كما يوفر المأوى لأولئك الهاربين من بلادهم بعد سقوط مرسي، كما أن تركيا ظلت حصنًا منيعًا لحركة الإخوان المسلمين التي ترى الرياض وحليفها الإمارات العربية المتحدة تهديدًا وجوديًا. ومن الجدير بالذكر أن أردوغان قد بقي مؤخرًا على الجانب الخاسر في النضال من أجل النفوذ والهيمنة الإقليمية.

في المقابل، فإن ولي العهد السعودي الشاب كان يحاول جاهدًا إعادة تشكيل المملكة، محاولاً القطيعة مع روابط الوهابية العميقة والمؤسسة السلفية التقليدية، وسعى إلى تحويلها لدولة عربية وطنية بوليسية، على شاكلة مصر والإمارات. وقد كان نفوذ ثلاثي «الرياض-أبوظبي-القاهرة» في صعود منذ عزل مرسي عام 2013.

وبالنسبة لأردوغان، تقول «الجارديان»، فقد كانت جريمة القتل البشعة لحظة تاريخية وفرصة لقلب الطاولة على خصومه، منحها إليه فعل قاسٍ ومتهور أثار موجات من الاشمئزاز حتى بين حلفاء الرياض أنفسهم.

«صار هذا صراعًا استراتيجيًا بين أردوغان، ورؤيته للشرق الأوسط، وبين الرؤية المقابلة التي يشاطرها محمد بن سلمان وحلفاؤه (محمد بن زايد ولي عهد أبوظبي والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي» هكذا يعلق سونر كاجابتاي مدير برنامج تركيا في معهد واشنطن مستطردًا: «يرى أردوغان في مقتل خاشقجي فرصة سانحة، وهو يدرك أن محمد بن سلمان قد صار الحلقة الأضعف في التحالف الإقليمي ضده وضد الإخوان المسلمين، ابن سلمان -بنظر أردوغان- صار يرقص على أرضية هشة، وأردوغان يعمل جاهدًا في سبيل جعلها أكثر هشاشة».

السفارة السعودية في إسطنبول

ويضيف: «جذور هذا تعود إلى عام 2013 (عندما أطيح بالرئيس المصري محمد مرسي من السلطة)، رفض أردوغان وقتها التعامل مع حكومة السيسي ووصفها بغير الشرعية. انظر إلى هذه المقابلة، السيسي هو الجنرال العلماني الذي أطاح بالسياسيين الإسلاميين، وأردوغان هو السياسي الإسلامي الذي أطاح بالجنرالات العلمانيين».

بالنسبة لكبار المسؤولين السعوديين الذين سافروا إلى أنقرة خلال الأسبوعين الماضيين بحثًا عن المواساة من أردوغان، فقد عادوا من العاصمة التركية وهم على يقين بأن لدى الرئيس التركي صيد ثمين للغاية، إعادة تدشين موقع تركيا كقاعدة قوة إسلامية إقليمية، في الوقت الذي يخفت فيه صوت ادعاء الرياض بأنها معبر عن الإسلام السني.

عاد الأمير خالد الفيصل، أمير منطقة مكة المكرمة، من لقاء أردوغان يملأه القلق، وقد كشف أحد الأمراء الكبار عن كواليس ما جرى بينه وبين أردوغان قائلاً :«لم يتزحزح، لم يُرد حتى أن يسمع ما لدينا، لقد عاد الفيصل إلى الملك ليخبره أننا بصدد كارثة».

وتختتم الصحيفة بالقول: يؤمن سونر كاجابتاي بأن أهداف الرئيس التركي من هذه العملية محدودة أكثر، في الوقت الحالي على الأقل، ويضيف: «لا يريد أن يذهب بعيدًا متجاوزًا العائلة الحاكمة، التي يبدي حتى الآن مراعاته لها، بما في ذلك الملك. إنه يحاول أن يهمّش أو يحيّد محمد بن سلمان، على الأقل حينما يتعلق الأمر بتركيا، فهو يريد أن يجعل الثلاثي الإقليمي الذي يعارضه بضراوة ينقص واحدًا».

قتلوه بدمٍ بارد.. ملف «ساسة بوست» عن مقتل جمال خاشقجي الذي هزّ العالم

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!