في 2 أكتوبر (تشرين الأول)، دخل الكاتب السعودي البارز جمال خاشقجي إلى قنصلية بلاده في إسطنبول ولم يخرج مرة أخرى. هكذا بدأ الكاتب إيفان هيل مقاله في مجلة «سلايت» الأمريكية، وقال: ذهب المستشار الناقد للحكومة، الذي خرج من السعودية العام الماضي، إلى السفارة السعودية لإنهاء الأعمال الورقية لزواجه القادم من خطيبته التركية. وبمجرد دخوله، قتله فريق سعودي كان ينتظره وأخذ جثته بعيدًا طبقًا للسلطات التركية.

وأشار الكاتب إلى أن اختفاء خاشقجي واحتمالية مقتله، نقطة فاصلة في علاقة الغرب مع الشرق الأوسط الجديد التي تتشكل وسط أنقاض الربيع العربي. حتى لو ظهر خاشقجي على قيد الحياة –وهو ما يبدو أقل احتمالًا يومًا بعد يوم– فإن اختفاءه القسري سيشير إلى توسع خطير في جهود ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان المكثفة لإسكات المنتقدين في الداخل والخارج. وإذا اتضح قيام الفريق السعودي بقتل خاشقجي، فإن التداعيات ستكون أسوأ بكثير.

«نيويورك تايمز»: من أفغانستان للديوان الملكيّ.. رحلة خاشقجي من تأييد النظام إلى المعارضة

ما الذي نتج عن انهيار الربيع العربي؟

بعد مرور سبع سنوات على الثورات التي اجتاحت العالم العربي، بات من الممكن الآن رؤية شكل ما ينبعث من الحطام: جيل جديد شبيه بصدام حسين ومعمر القذافي على استعداد لفرض رؤيتهم السلطوية باسم «الإصلاح» وبمباركة من الغرب.

ربما كانت السياسات الخارجية الأوروبية والأمريكية منافقة منذ فترة طويلة، ولكن المعايير والرأي العام تجبرهم عادة على التعامل مع الأنظمة المجرمة باعتبارهم منبوذين، على الصعيد الرسمي على الأقل.

إن مرور مقتل خاشقجي دون عقاب قد يفضي إلى عصر مرعب وأكثر وحشية.

وعلق الكاتب على ما قاله تقرير صحيفة واشنطن بوست يوم الثلاثاء إن الاستخبارات الأمريكية اعترضت اتصالات مسؤولين سعوديين يناقشون خطة القبض على خاشقجي قبل اختفائه؛ قائلا إنه يثير احتمالًا بأن حكومتنا كانت تعرف المؤامرة ولم تحذر خاشقجي.

وأثارت الفضيحة انتقادات غاضبة ترى أن إدارة ترامب شجعت ولي العهد لفعل أسوأ ما يفكر به، مما أدى إلى وفاة خاشقجي. قد يكون هذا صحيحًا، ولكن لفهم صعود الاستبداديين الجدد،

 نحتاج لإعادة النظر بالخطيئة التي حدثت في الربيع العربي.

ويرى الكاتب أن ثورات عام 2011 كانت بمثابة صدمة حقيقية للديكتاتوريات الطويلة وعلاقاتهم الموالية للغرب الذي ساعد على استمرار هذه الديكتاتوريات بالحكم.

لم يُحدد مسار الثورات، لمدة سنتين على الأقل، كانت النتيجة متأرجحة. ولكن كل ذلك انهار في عام 2013.

كيف تعاملت الولايات المتحدة مع ثورتي مصر وسوريا؟

في مصر، انهارت الحكومة التي يقودها الإخوان المسلمون، بسبب أجهزة الدولة التي عملت كل ما في وسعها لضمان فشل الحكومة، وانتهت الثورة في انقلاب يوليو (تموز) الذي قاده وزير الدفاع آنذاك عبد الفتاح السيسي. وفي الشهر التالي بسوريا، أطلقت القوات الموالية للرئيس بشار الأسد صواريخ محملة بغاز السارين إلى إحدى ضواحي دمشق التي يسيطر عليها المتمردون، مما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 1400 رجل وامرأة وطفل. يعلق الكاتب، وفي الحالتين، فضلت إدارة أوباما عدم الاستجابة للربيع العربي.

من خلال رفضه تسمية استيلاء السيسي على الحكم في مصر «انقلاب» لتجنب قطع علاقة مفيدة منذ عقود، قَبل كبار مستشاري أوباما ظهور الحكم العسكري الجديد في الشرق الأوسط كأمر واقع. في كتاب جديد عن الانتفاضة المصرية وتداعياتها، يصور ديفيد كيركباتريك، مراسل صحيفة نيويورك تايمز في القاهرة آنذاك، الإدارة الأمريكية كمحرض للثورة المضادة، وسعيدة برؤية عودة الاستقرار بأي ثمن. بعد أسابيع من الانقلاب، كان وزير الخارجية جون كيري يؤكد أن الجيش «سيُعيد الديمقراطية».

وتابع الكاتب، أُمر وزير الدفاع تشاك هيجل، بالتحدث إلى السيسي لوقف ذبحه للمعارضة، بدلًا من ذلك قال للسيسي: أنت تعرف ما هو الأفضل لبلدك، في وقت لاحق يشرح لكيركباتريك (مراسل صحيفة نيويورك تايمز) أن مسؤولين من السعودية والإمارات العربية المتحدة غمروه بشكاوي، وقالوا لهيجل لقد حان الوقت لمحو الإخوان.

وهذا ما فعله بالضبط، فقد دبر مذابح 14 أغسطس (آب) 2013 في القاهرة التي خلفت أكثر من 900 متظاهر قتيل، وهو أسوأ حادث من نوعه في التاريخ الحديث.

في ذلك الشهر نفسه، انتهت نية أوباما للتدخل العسكري ردًا على استخدام بشار الأسد للأسلحة الكيميائية في سوريا باتفاق في اللحظات الأخيرة بمساعدة الحكومة الروسية.

وأعقب ذلك استخدام الأسلحة الكيميائية بشكل أكبر لسنوات، خاصة غاز الكلور. وفي نفس الوقت، قدمت الإدارة عن عمد لمتمردين سوريين دعمًا سريًا كافيًا لضمان وجود أزمة دموية. وأعلن أوباما ​​أن الأسد رئيس غير شرعي يجب أن يرحل، في حين ضمنت السياسة الأمريكية عدم حدوث ذلك أبدًا.

كيف ساعدت الولايات المتحدة على قتل الربيع العربي؟

نشأ إذعان الولايات المتحدة لموت الربيع العربي من الواقعية الخبيثة لمسؤولي أوباما الرئيسيين والضغوط الكبيرة من السعوديين والإماراتيين، الذين نظروا إلى الثورات الإقليمية على أنها تهديدات وجودية لحكمهم الملكي. بذل الملوك الرجعيون والأمراء في الخليج كل ما في وسعهم لإخماد الحركة الديمقراطية في مصر، ودفع مليارات الدولارات إلى السيسي وأنصاره. وبسبب كراهيتهم للثورات العربية والإسلام السياسي رأوا انفتاح إدارة أوباما الفاتر على جماعة الإخوان المسلمين مؤامرة قذرة.

لقد كانوا على خطأ، بالطبع. إذا كان عام 2011 يمثل فرصة تاريخية للولايات المتحدة لإعادة العلاقات مع العالم العربي التي كانت قائمة لعقود على دعم للدكتاتوريات، وإذا كان عام 2013 يمثل الفرصة الأخيرة لتجنب إعادة تبني نفس الأمور التي أدت إلى الثورات في المقام الأول، فشلت إدارة أوباما في كلا الاختبارين. ويبدو أن الفراغ الذي طرأ على جوهر رؤية أوباما للعالم كان مصدرًا رئيسيًا لهذا الفشل. فالرجل الذي جاء إلى القاهرة في عام 2009 وهو يعتنق رغبته في البحث عن «بداية جديدة» ودعم حقوق الإنسان «في كل مكان»، رَكن للخيارات الواقعية الباردة، عندما حان الوقت لوضع علامة فارقة بالتاريخ. وعندما أطلق ابن سلمان الحملة العسكرية الكارثية للسعودية في اليمن عام 2015، وهي أول مؤشر على جرأة ولي العهد الخطرة، ومع ذلك دعمتها إدارة أوباما.

ديفيد هيرست: حُكم الصبية.. هكذا انتهى عهد ابن سلمان قبل أن يبدأ

ما هي علاقة إدارة ترامب بواقعة خاشقجي؟

ولفت الكاتب إلى أن إدارة ترامب وسعت من دعمها للسعودية ولا سيما من خلال جاريد كوشنر، صهر الرئيس، الذي يقال إنه شكّل علاقة وثيقة مع ابن سلمان، بمشاركته «أسماء السعوديين الذين لا يدينون له بالولاء» في اجتماع بوقت متأخر من الليل في أكتوبر (تشرين الأول) 2017. ومنذ ذلك الحين، لم يثر احتجاز ولي العهد لرئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري في نوفمبر (تشرين الثاني) ولا حملته المنسقة ضد النشطاء السعوديين لحقوق المرأة قبل رفع الحظر الذي فرضته المملكة على قيادة النساء؛ الكثير من الفزع الأمريكي الرسمي.

حتى العمليات التي اتبعها السعوديون بخطف المنشقين في الخارج وإعادتهم قسرًا إلى البلاد -كما حدث للناشطة لجين الهذلول بالإمارات العربية المتحدة في مارس (آذار)- جرى تجاهلها. وقد تكهن مراقبون مطلعون في الأيام الأخيرة بأن خاشقجي ربما يكون قد قُتل دون قصد خلال محاولة اختطاف مماثلة. لكن مثل هذا الحادث مجرد نتيجة متوقعة للتجاوزات التي سُمح بها لفترة طويلة.

ما حدث لخاشقجي، وهو لديه إقامة بالولايات المتحدة وكاتب بالواشنطن بوست ولديه أكثر من مليون متابع على تويتر ودائرة مؤثرة من الأصدقاء، يبدد أي شعور بالأمان لدى المعارضين العرب في جميع أنحاء العالم.

لقد صدمت الواقعة وأرعبت مجتمع الصحفيين والمحللين ونشطاء حقوق الإنسان في الشرق الأوسط حول العالم، مما أدى إلى تهديد غير مسبوق من الحزبين لأعضاء مجلس الشيوخ الذين يأذنون بتمويل ودعم الولايات المتحدة للمملكة.

واستطرد الكاتب، يوم الإثنين، بعد ما يقرب من أسبوع من اختفاء خاشقجي، ظهر كل من الرئيس ترامب، ونائب الرئيس بنس، ووزير الخارجية بومبيو في النهاية، للإعرب عن القلق. ويوم الثلاثاء، في خطاب رئيسي حول السياسة الخارجية التقدمية، طالب السيناتور بيرني ساندرز بالمساءلة عن اختفاء خاشقجي وخص بالذكر المملكة العربية السعودية كعضو بارز في «التحرك العالمي نحو الاستبداد، وحكم الأقية، والكلبتوقراطية (حكم اللصوص)» التي تتطلب المعارضة.

رد السعوديون بأسلوب التعتيم الذي أصبح نموذجًا للسلطات الاستبدادية الجديدة في المنطقة، حيث عرضوا نظريات المؤامرة وإنكارًا حادًا ووعود كاذبة بإجراء تحقيقات لمعرفة مكان «خاشقجي». وفشلوا في تقديم أي دليل على خروج خاشقجي من القنصلية، في حين أعلن الصحفيون عن أجزاء رئيسية من الأدلة الظرفية، مثل عدم حضور الموظفين الأتراك في يوم اختفاء خاشقجي، وإزالة لقطات المراقبة من القنصلية، ووصول ومغادرة الطائرات الخاصة للفريق السعودي التي ذكرتها السلطات التركية.

واختتم الكاتب مقاله قائلًا، إذا سُمح للسعوديين بلعب هذه اللعبة، ومرور واقعة خاشقجي دون أي عواقب، فسوف ندخل عالمًا جديدًا خطيرًا يَعد فيه النظام بأن «يديه يمكن أن تصل إليك أينما كنت»، كما يقول أحد المعارضين السعوديين في لندن، وسيصبح الوعد حقيقة طالما أنه مفيد من الناحية الاستراتيجية للغرب. مرة أخرى، يُعرض علينا الاختيار.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات