تعتمد الكثير من مشروعات تطوير التعليم حول العالم الآن على توفير الوسائل التكنولوجية في المدارس واستخدامها في العملية التعليمية. لكنَّ الفضائح الأخيرة المتعلقة بشركات التكنولوجيا الكبرى مثل «فيسبوك وجوجل» تثير قلق عديدٍ من الناس بشأن خصوصية الأطفال في المدارس، وما إذا كانوا معرضين للأخطار ذاتها التي يواجهها المستخدمون البالغون، لكن هذه المرة تحت ستار العملية التعليمية.

ألقى الباحث ديبايان غوش والمحامي الناشط جيم ستييار في مقال رأيٍ نشراه بصحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية الضوء على تلك الأخطار. أشارت المقال إلى ما كشفته وسائل الإعلام هذا العام من أضرارٍ كثيرة تُصيب خصوصية المستخدمين على يد الشركات الرائدة في قطاع التكنولوجيا. وأشارا إلى أنَّ صُنَّاع السياسات يجب أن يتدخلوا لحماية أكثر أعضاء المجتمع عرضةً للخطر، وهم الأطفال.

إذ تجمع شركات التكنولوجيا بياناتهم السلوكية من خلال الأجهزة اللوحية والهواتف الذكية والحواسيب، وتُصبح تلك البيانات عُرضةً لسوء الاستخدام.

يوضح غوش وستييار أنَّه بالنسبة لعديدٍ من الأطفال الأمريكيين، أصبح الذهاب للمدرسة يعني أنَّهم مُضطرون لتسليم بياناتهم الشخصية. هناك مثلًا أداة «التعلُّم الشخصي» التي طورتها منصة «ساميت ليرنينج»، وهي منصةٌ مُتخصّصةٌ في الدروس والتقييمات على الإنترنت أسستها شبكة مدارس مُستقلة بمساعدة مُهندسي فيسبوك وبدعمٍ من مبادرة «تشان زوكربيرج».

تعرضت هذه الأداة للانتقاد بسبب طلبها موافقة أولياء الأمور على مشاركة البيانات الشخصية لأطفالهم، بما في ذلك الأسماء والنشاط على الإنترنت والدرجات.

ووسَّعت شركة «جوجل» أيضًا من نشاطها ليشمل المدارس الأمريكية، حيث يستخدم أكثر من نصف الطلاب تطبيقات «جي ميل» وتطبيقات «جوجل دوكس»، فضلًا عن أنَّ غالبية الأجهزة النقَّالة التي تُرسل إلى المدارس هي أجهزة «كروم بوك». وفي حال وصلت تلك الكميات الهائلة من البيانات التي يعتمد عليها هذا النوع من الخدمات إلى الأيدي الخاطئة، سيُصبح مستقبل هؤلاء الأطفال في خطر.

Embed from Getty Images

ويُشير الكاتبان إلى أنَّ مجموعات أولياء الأمور وهيئات حماية حقوق المستهلكين والمدافعين عن الخصوصية أعربت عن مخاوفها بشأن مشاركة بيانات التلاميذ والوصول لها بأساليب غير مشروعة، وأطلقت الكثير منها حملاتٍ للتوعية العامة، وخاضت معاركَ قانونية.

ويتفقان مع شعور هذه المجموعات بالقلق إزاء نزاهة عمليات القبول في الجامعة، التي تعتمد على ملفات البيانات الشخصية للطلاب التي تُشاركها شركات التَعلُّم الشخصي. ويشعر أولياء الأمور بالقلق أيضًا إزاء توزيع الجوائز المالية، بما فيها المنح الدراسية التي تتأثر بالبيانات التي يُقدِّمها الأطفال في الاستبيانات.

وفي بعض الحالات، تتجاوز تلك البيانات الدرجات ونتائج الاختبارات، لتشمل أيضًا فئاتٍ أخرى مثل العرق والدين والعنوان، وما إذا كان الطالب يُعاني أي «عِلَل» مثل فيروس العوز المناعي البشري (الإيدز) أو الاكتئاب.

ووفقًا لهما، في عام 2014، أعلنت «إن بلووم»، وهي منظمةٌ غير ربحيةٍ عرضت تخزين وإدارة بيانات الطلاب في أحياء المدارس الحكومية، أنَّها ستُغلق أبوابها إثر اعتراض أولياء الأمور على إدراج 400 فئةٍ من المعلومات في قاعدة البيانات، من بينها أسباب تَغَيُّب الطلاب والعلاقات الأسرية الحساسة.

فضلًا عن جمع بيانات الأطفال، يشير الكاتبان إلى خطر تُصنيف الشركات الضخمة للأطفال واستهدافهم بالإعلانات والمحتوى المشبوه، وأن تُستخدم أقوال وأفعال الأطفال ضدهم في يومٍ من الأيام، أو أن تتنافس شركات التكنولوجيا على لفت أنظار الأطفال لكسب ولائهم حين يكبرون بما فيه الكفاية للانضمام إلى شبكةٍ اجتماعية واختيار مُزوِّد خدمة البريد الإلكتروني وشراء أول هاتفٍ خلوي.

فالأمر لا يتعلَّق بحماية البيانات فحسب، بل السماح للأطفال بالتعلُّم والنمو دون القلق من تأثير تفضيلاتهم ومواهبهم وعاداتهم الأولية على شكل الفرص التي ستُتاح لهم مستقبلًا. لكن بحسب الكاتبين، لا توفر قوانين الولايات المتحدة مثلًا سوى قدرٍ ضئيلٍ من الحماية للطلاب ضد حِيَل الصناعة.

ويرى غوش وستييار أنَّه حين تكون قواعد صناعة التكنولوجيا غامضة، يجب أن تعمل الدولة على توضيحها تمامًا بطريقةٍ تحمي الأطفال ومصلحة الدولة ذاتها. وأنَّ ما كُشِفَ عن شركات التكنولوجيا هذا العام يوضح أنَّه لا يجب على المجتمعات التراخي وانتظارها أن تتحمل المسؤولية، لكن على الحكومات التدخل لحماية الأطفال من الضرر.

ويعتقد كلاهما أنَّه لا يجب أن يُسمح لشركات التكنولوجيا بجمع بيانات الأطفال وتصنيفهم دون موافقة أولياء الأمور أو الأوصياء على جمع البيانات. ووسط بيئةٍ تعليميةٍ يُمنع الأطفال داخلها من ممارسة بعض الأنشطة التعليمية في حال اعترض أولياء أمورهم، فإنَّ الموافقة الجادة تصبح غير مُمكنةٍ في الغالب.

Embed from Getty Images

وأنَّه لا يجب أن يُسمح لتلك الشركات بتسويق المنتجات للأطفال بناءً على سلوك الأطفال أو تفضيلاتهم أو معتقداتهم أو اهتماماتهم، ولا يجب أن يُسمح لها أيضًا ببيع أو مشاركة بيانات الأطفال الشخصية لطرفٍ ثالثٍ تحت أي ظرف. ويجب أن تتوفر وسائل الحماية تلك لكل طفل.
ويُشيران في مقال الرأي الذي نشرته الصحيفة إلى أنَّ هناك جهودًا تمت بالفعل يمكن تطويرها لحماية هؤلاء الأطفال. إذ إنَّه في عام 2014 في الولايات المتحدة، وقَّع جيري براون حاكم كاليفورنيا على قانونٍ تشريعيٍ مُهمٍ لحماية خصوصية الأطفال.

وبعد شهور، دفع الرئيس أوباما البلاد إلى تعميم نهجٍ مُشابه من خلال إعلانه لـ«قانون الخصوصية الرقمية للطلاب». وحظي مشروع القانون الذي توج سنواتٍ من التأييد والمحادثات بدعمٍ من الحزبين الجمهوري والديمقراطي داخل مجلسي النواب والشيوخ، لكنَّه ما زال يُعاني داخل الكونجرس معاناةً كبيرة بسبب محاولات الشركات للتخلُّص منه.

ومن الجهود التي بُذِلت مؤخرًا وتستحق الدعم على نطاقٍ أوسع وذكرها الكاتبان مشروع قانون «لا تتعقبوا الأطفال»، الذي حظي أيضًا بدعمٍ قويٍ من الحزبين، ويحظر استهداف الأطفال تحت سن 13 عامًا بالإعلانات بتقنيات الاقتصاد السلوكي، لكنَّ الحماسة السياسية تجاه القانون تراجعت خلال الأشهر الأخيرة.

وفي النهاية، يُؤكِّد غوش وستييار على ضرورة أن يتصرف صُنَّاع السياسة بطريقةٍ أكثر حزمًا. وأن يتأكدوا من أنَّ جهود الصناعة لتشجيع تمرير قوانين ضعيفة لحماية الخصوصية لن تتداخل مع جهود المُشرِّعين لحماية الطُلَّاب. وعلى نطاقٍ أوسع، يرى كلاهما أنَّه لا يُمكن أن يُسمح للصناعة بالسيطرة على فصول الدراسة. وإلَّا نكون قد خاطرنا بالمصالح التعليمية لأطفالنا على المدى البعيد.

كيف تحمي خصوصيتك على الإنترنت؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد