يرتكب بعض زعماء العالم أفعالًا يصفها كثيرون بالـ«مريبة»، في حين أنها قد تحمل في طياتها معاني لم تصل إلى أذهان بسطاء شعبهم، ومنذ أيام أطل علينا «العريس» كيم جونج أون بجلسة تصوير تفتقد فقط إلى عروسة ليتبادلا الرقصات أعلى جبل بايكتو. طرحٌ مثير للسخرية، لكنه نذير شؤم في الوقت ذاته!

نشر موقع «ڤوكس» الأمريكي مقالًا للكاتب أليكس وارد، المهتم بتغطية قضايا الأمن والدفاع الدولية، ينقل فيه رؤيته لصور كيم جونج أون، ويقول: «نعم هي مثيرة للضحك، لكنها ليست مزحة».

استهل الكاتب مقاله بالقول: أصدرت كوريا الشمالية مجموعة من الصور للزعيم كيم جونج أون أثناء ركوبه حصانًا أبيضًا مهيبًا على قمة جبل جليدي، وهي صور مضحكة للغاية كما تظن. وعادة ما ينبغي أن يكون المرء حذرًا عند نشر دعاية عن نظام استبدادي متوحش، لكن صور الخيل التي أصدرتها وكالة الأنباء المركزية الكورية يوم الثلاثاء والأربعاء تطابق ذلك الوصف.

ويؤكد الكاتب أن مشاهدة كيم جونج أون وهو يحاول بدء «شتاء الديكتاتور المريب» تستحق وقتك، فقط انظر إلى هذه الصور، بحسب نصيحته.

«ذا دبلومات»: أيهما أخطر.. نووي إيران أم نووي كوريا الشمالية؟

قراءة في صور كيم جونج أون

لفت الكاتب إلى أنه يمتلك العديد من الأفكار، ولكنه سيذكر القليل منها.

كيم جونج أون -رئيس كوريا الشمالية- على حصان أبيض

صور نشرتها وكالة أنباء كوريا الشمالية الرسمية للرئيس الكوري كيم جونج أون

أولًا: دعونا نقدر مدى حماقة هذه الصور؛ فهي عبارة عن صور مزيفة أثناء ركوبه حصانًا أبيض لا غبار عليه، في أقوى مشهد يمكن تخيله لأرض العجائب في الشتاء. الآن أعرف ماذا ستكون خلفية حاسوبي الجديد.

ثانيًا: يبدو أن خبراء ركوب الخيل منبهرون للغاية بنمط ركوب الدكتاتور «للخيل». فقد غردت كاتي بو ويليامز، المراسلة المهتمة بشؤون الدفاع بموقع «ديفينس وان» والمولعة بركوب الخيل، على «تويتر» يوم الثلاثاء بعد أن رأت هذه الصور: «استنادًا إلى هذه الصور فقط، لا يوجد لدي بالفعل أكثر منها لمؤاخذته عليها (تقصد كيم) من منظور راكب للخيل». وأضافت: «هو لا يسحب فم الحصان، وساقه تحته من الأساس، ويبدو أن الحصان مسترخ بشكل معقول».

ثالثًا: إن ركوب الخيل ومحاولة أن تبدو وسيمًا في نفس الوقت هو نوع من الأساسيات عند الديكتاتور. وكان الرئيس التركمستاني قربانقلي بردي محمدوف قد بنى مؤخرًا تمثالًا ذهبيًا ضخمًا لنفسه وهو يركب حصانًا. ومن يستطيع أن ينسى تلك الصور المثيرة للسخرية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين أثناء ركوبه حصانًا بنِّيًا؟ أعلم أنني لا أستطيع ذلك.

ومع ذلك فإن الفكرة الرابعة ليست مثيرة للضحك. وبالنسبة لجميع الدعاية، لا سيما تلك التي خرجت من كوريا الشمالية، فإن هذه الصور العفوية تحمل معنى أكثر جدية، ويساور العديد من الخبراء قلق بشأن ما قد تحمله من تكهنات.

كيم يجهز شعبه – والعالم – للأوقات الخطرة القادمة

أشار الكاتب إلى أن الجبل الذي تسلقه كيم وحصانه هو جبل بايكتو الذي له معنى رمزي وقدسي في كوريا الشمالية؛ فهو المكان الذي وُلِد فيه مؤسس أول مملكة كورية، وقد لعب دورًا محوريًا في كلٍ من المقاومة المسلحة الكورية للاحتلال الياباني في مطلع التسعينات، ثم في الحرب الكورية عندما استخدم المقاتلون الفدائيون بقيادة كيم إل سونج – جد كيم جونج أون ومؤسس كوريا الشمالية الحديثة – هذا الجبل كقاعدة لهم.

صور نشرتها وكالة أنباء كوريا الشمالية الرسمية للرئيس الكوري كيم جونج أون

من المهم لتاريخ وهوية كوريا الشمالية القومية أن كيم جونج إل (والد كيم جونج أون الذي قاد البلاد حتى وافته المنية في عام 201) أعاد صياغة التاريخ فعليًا حتى يدَّعي أنه وُلِد على هذا الجبل «وهذا غير صحيح، إذ تُظهر السجلات أنه وُلِد بعيدًا بالفعل، في الاتحاد السوفيتي». وكان الرئيس كيم جونج أون ورئيس كوريا الجنوبية مون جاي قد التقطا صورة أمام الجبل عندما قام مون بزيارته التاريخية إلى كوريا الشمالية العام الماضي.

وفضلًا عن ذلك فإن الخيول البيضاء ترمز إلى كيم إل سونج، مؤسس البلاد وجد قائدها الحالي، تلك الشخصية المتألهة في علم أساطير كوريا الشمالية. وتقول صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية: «من المفترض أن كيم إل سونج، جد كم، كان يزور حصانًا أبيضًا أثناء معاركه ضد الاحتلال الياباني وغالبًا ما كان يُؤخذ له صور وهو يركب مثل هذا الجواد».

كوريا الشمالية.. من تطوير الأسلحة إلى تحسين الاقتصاد

بالتالي، على حد تعبير الكاتب، فإن قيام كيم بجلسة تصوير شاملة على صهوة حصان أبيض فوق ذلك الجبل يجب أن يعني أن لديه رسالة يريد أن يوصلها.

وبناءً على بيان وكالة الأنباء المركزية الكورية الذي خرج إلى النور مع هذه الصور، من الواضح أن كيم لديه ما يقوله. وإن آخر فقرتين من البيان هما اللتان في حاجة إلى تركيز، فدعونا نتناول كلًا منهما على حدة.

صور نشرتها وكالة أنباء كوريا الشمالية الرسمية للرئيس الكوري كيم جونج أون

من الجزء الثاني إلى الأخير، يذكر البيان كيف أن كيم ينظر إلى بلده «الذي سوف يحقق ازدهارًا بجهوده الخاصة، ومواجهة الرياح العكسية بعاصفة جبل بايكتو»، فهو تجسيد لتصريحات كيم المتكررة التي تفيد أن كوريا الشمالية ستحول تركيزها من تطوير الأسلحة واختبارها إلى تحسين اقتصاد البلاد.

ومع ذلك فإن ذلك المجهود أحبطته العقوبات التي تقودها الولايات المتحدة التي عرقلت نمو البلاد الاقتصادي، وهو أحد الأسباب الرئيسة لغضب بيونجيانج من عدم إبرامها اتفاقًا نوويًا مع واشنطن التي سترفع العقوبات.

وبالتالي من المرجح أنه في إطار جهوده الرامية إلى أن يبدو جيدًا أمام جمهوره المحلي – حيث يتبنى الطغاة سياسات أيضًا – التقط كيم هذه الصور المثيرة للجدل على جبل بايكتو.

ولفت الكاتب إلى ما قالته له جيني تاون، الخبيرة الكورية الشمالية بمركز ستيمسون في واشنطن: «قد يكون كيم يحاول استعادة تلك الرواية والرمزية التي تفيد أن الازدهار سيكون بناءً على شروط كورية شمالية ولا يعتمد على جهات خارجية فاعلة».

وأضافت: «وربما تكون إستراتيجية احترازية تعترف بأن بتلك الدبلوماسية قد لا تؤدي إلى اتفاق يحقق مكاسب».

عملية كبيرة تهز العالم!

هذا ما يقودنا إلى الفقرة الأخيرة من بيان وكالة الأنباء المركزية الكورية التي نصت على التالي: «شعر جميع المسؤولين الذين رافقوه «كيم» إلى قمة الجبل بمشاعر وابتهاج فياض كما شعروا بالثقة بأنه ستكون هناك عملية كبيرة تهز العالم بالاندهاش مرة أخرى، وتنهض بالثورة الكورية خطوة نحو الأمام».

كيم جونج أون على حصان أبيض

صور نشرتها وكالة أنباء كوريا الشمالية الرسمية للرئيس الكوري كيم جونج أون

يساور بعض الخبراء قلق بشأن هذه العبارة «ستكون هناك عملية كبيرة تهز العالم».

في النهاية أوضح كيم أنه إن لم تعقد كوريا الشمالية والولايات المتحدة اتفاقًا بحلول نهاية العام، فقد تستأنف «كوريا الشمالية» اختبار الصواريخ التي قد تضرب أمريكا بسلاح نووي. ومن المحتمل أن يبدأ ذلك بإثارة مخاوف تشبه مخاوف عام 2017 باندلاع حرب بين البلدين.

واستشهد الكاتب بما قاله له أبراهام دنمارك، أحد كبار مسؤولي ملف شرق آسيا بالبنتاجون سابقًا، بأن «رمزية الصور ذاتها ونمط إحيائها لدعاية عصر جدِّه، تبدو أنها ترسل رسالة قوة وثقة وجاهزية في مواجهة الأوقات العصيبة القادمة».

بينما يقول آخرون إن الرسالة ليست إلا صياغة واضحة لما تشعر به بيونجيانج بشأن عدم إحراز تقدم مع إدارة ترامب. واستشهد الكاتب بما قاله له جوشوا بولاك، الخبير الكوري الشمالي بمعهد ميدلبري للدراسات الدولية، حين قال: «لا أشعر بمزيد من القلق كالذي شعرت به منذ يوم أو يومين، فهم كانوا مستعدين لبدء طريق جديد بمجرد وضوح أنه لم يكن هناك مباحثات مع الولايات المتحدة». وأضاف: «هي ليست جيدة بالتأكيد، لكن الأمور كانت سيئة لوهلة الآن».

اختتم الكاتب مقاله بالقول: «في الواقع، أعلن كيم لتوهِ – بأقوى أسلوب كوري شمالي ممكن – أن أمريكا يجب أن تعقد اتفاقًا معنا وإلا سنعود إلى أسوأ عصورنا. ولكن بالنسبة لمواطنيه، يعدهم الديكتاتور بأنهم سيتدبرون أمرهم اقتصاديًا على الرغم من العقوبات؛ وهذه أخبار سيئة لكل آمل في أن تسلك الولايات المتحدة وكوريا الشمالية طريقًا سلميًا للمضي قُدُمًا؛ فهي تنذر بأن يكون عام 2020 صعبًا للغاية وخطيرًا، ولكن على الأقل ستكون لدينا صور مسلِّية لرفع معنوياتنا».

«العُزلة» أمُّ الاختراع..  ابتكارات تكنولوجية محليّة الصنع في كوريا الشمالية

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد