نشر موقع «رسبونسيبل ستيتكرافت» تحليلًا لهاري كانزانيس، مدير بارز للدراسات الكورية في مركز «ناشيونال إنتريست»، حول الوضع الحالي لكوريا الشمالية وسعيها للتفاوض مع الولايات المتحدة بالشروط التي يريدها الزعيم الكوري كيم جونغ أون، في الوقت الذي لا يعد التفاوض مع بيونج يانج أولوية لفريق بايدن، الذي يتعين عليه أن يعالج موضوع الجائحة والانتعاش الاقتصادي والصين وأمورًا أخرى تُعد أكثر إلحاحًا.

ويستهل الباحث تحليله بالقول: غالبًا ما تُصنَّف كوريا الشمالية على أنها نظام مجنون وغير متوازن، وأنها عازمة على تأجيج نوع من الأزمة يمكن أن يعيد إشعال نار الحرب الكورية، وهو الصراع الذي أودى بحياة الملايين من الناس. ومع ذلك، وعلى مدى السنوات القليلة الماضية على الأقل، بذلت كوريا الشمالية كل ما في وسعها للإشارة إلى عكس ذلك، وأنها في الواقع تريد بناء علاقة جديدة مع المجتمع الدولي، والأهم من ذلك كله الولايات المتحدة.

العالم والاقتصاد

منذ شهر
مترجم: لماذا ارتفعت أسعار اليورانيوم؟ وكيف تتأثر الصناعة النووية؟

وهناك مشكلة واحدة فقط في كل ذلك والتي تتلخص في أن: كوريا الشمالية تريد أن تكون تلك العلاقة الجديدة سببًا في أن يمنح النظام العالمي بيونج يانج وضعَ دولةٍ تمتلك أسلحة نووية بحكم الأمر الواقع. ولا يهتم الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون هل تعترف الولايات المتحدة بذلك أم لا، لكن هدفه واضح تمامًا مرةً أخرى.

وقد يكون على استعداد أن يضع حدًّا أقصى لبرامِجه النووية والصاروخية من حيث الإنجاز النوعي والكمي، غير أن كيم لديه كتاب تاريخ خاص به ومتاح للاستخدام في أي وقت. ويعلم أنه لا توجد فرصة لعملية تغيير النظام في بلاده بقيادة الولايات المتحدة ما دامت يده على الزر النووي. ويعرف أيضًا أنه لا يوجد امتياز، ولا تخفيف للعقوبات، ولا أي مبلغ بالدولار يمكن أن يجعله يتخلى عن بوليصة التأمين النهائية (صاروخ هواسونغ-16). لا شيء مطلقًا يمكن أن يوقف كيم.

محاولة لجذب الانتباه الدولي

ومثال على ذلك: حضور كيم وتعليقاته خلال العروض المُبالغ فيها للصواريخ والأسلحة التي أقامتها بيونج يانج هذا الأسبوع على التلفزيون الحكومي، وهو أول حدث من نوعه يُعرض على الإطلاق للجمهور الدولي. وقررت بيونج يانج، في محاولة بارعة لجذب الانتباه الدولي حول التقدم الذي يحققه برنامجها النووي والصاروخي، عرض تلك المنصات خارج بعض تجارب الصواريخ المثيرة للجدل، والتي من شأنها إثارة دعوات لفرض مزيد من العقوبات.

Embed from Getty Images

وبدلًا من ذلك، قررت أن تعرض صواريخ باليستية عابرة للقارات جديدة، وصواريخ باليستية تطلق من الغواصات، ودبابات، بل أسلحة تفوق سرعتها سرعة الصوت، والتي سيتحمَّس لها المحللون العسكريون على مدى الأشهر المقبلة. كما نشر نظام كيم الفيديو على موقع «يوتيوب» ليراه الجميع. ولم يُعرض الفيلم على أنه دعاية كورية شمالية نموذجية، ولكن عُرِض بطريقة تفوق ما تريد بيونج يانج أن يتخيله المشاهد: زعيم على الطراز الغربي يرتدي حُلَّة على الطراز الغربي ويشاهد ما يُفترض أنها أسلحته المشروعة للدفاع عن النفس.

وبدا الفيديو والمعرض أشبه بشيء صنعه مقاول دفاعي أمريكي وليست حكومة كوريا الشمالية. وكان الهدف من ذلك محاولة إضفاء إحساس بالشرعية والاحترام على النظام وقيادته من خلال وسيلة جديدة، وليس تجارب أسلحة تلهم الإرهاب، كما كان عليه الحال في السنوات الماضية.

ويرى الباحث أن تلك كانت خطوة بارعة في الواقع. ولكن قد تكون تعليقات كيم خلال المعرض هي التي ظهرت بوصفها الجزء الأكثر أهمية في هذا الحدث، وأعتقد أن هذا هو ما يريدنا حقًّا أن ننتبه إليه. ومن المؤكد أن كيم تفاخر بقوة قواته المسلَّحة، حيث اختبر مؤخرًا أو عرض جزءًا كبيرًا من الأسلحة التي وعد بتطويرها خلال خطاب ألقاه أمام المؤتمر الثامن لحزب العمال في يناير (كانون الثاني).

لكنه سرعان ما ألقى تلميحات إلى أن لديه رؤية عملية أكثر تحفظًا لأسلِحته – والهدف الذي صُنعت من أجله في المقام الأول. «نحن لا نتحدث عن حرب مع شخص ما. نحن نبني رادعًا حقيقيًّا للحرب بمعنى الكلمة من أجل منع الحرب نفسها ولحماية سيادة دولتنا»، معلنًا أن «عدونا اللدود هو الحرب نفسها، وليس كوريا الجنوبية، أو الولايات المتحدة، أو أي دولة أو قوات محددة أخرى».

تعليقات تصالحية

ويمضي الكاتب إلى أنه بوضع هذه التصريحات إلى جانب الدعاية الكورية الشمالية التقليدية، تعد هذه التعليقات تصالحية للغاية، وما يمكن أن أسمِّيه تصريحات إيجابية، من زعيم يريد التسوية والحوار مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، وبالطبع بشروطه الخاصة. وتعليقات كيم حول الولايات المتحدة جديرة بالملاحظة على نحو خاص. «في الآونة الأخيرة، أرسلت الولايات المتحدة مرارًا وتكرارًا إشارات بأنها ليست معادية لدولتنا، لكن (سلوكياتها) لا توفر لنا أي سبب يجعلنا نصدقهم».

Embed from Getty Images

الترجمة: كيم غاضب لأنه بينما تواصل إدارة بايدن القول إنها تريد التحدث إلى كوريا الشمالية في أي مكان وفي أي زمان وبشأن أي قضية، فإن فريق بايدن ليس لديه سياسة واضحة بشأن كوريا الشمالية على الإطلاق. إن القول إنك تريد التحدث ليس إستراتيجية أو سياسة. ومن الواضح أن كيم جونغ أون قلق من أنه إذا التزم مرةً أخرى بالتفاوض مع واشنطن – دون أي فكرة عن نوع التنازلات التي قد يحصل عليها – فمن الممكن أن يجد نفسه مرةً أخرى في موقف لا يستطيع فيه تحقيق أنواع الإعفاء من العقوبات الذي سعى إليه.

صفقة مع الشيطان الأكبر

ويوضح الكاتب أن لدى كيم سببًا وجيهًا للقلق؛ ففي المرة الأخيرة التي أنفق فيها كثيرًا من رأس المال السياسي للتحدث إلى الولايات المتحدة، دفع الثمن. وبينما أخطأ كيم في التقدير بالتأكيد، معتقدًا أن الرئيس دونالد ترامب سيقدم مزيدًا من تخفيف العقوبات مقابل خطوة صغيرة فحسب باتجاه الأسلحة النووية، لم يكن كيم يراقب ما كان يحدث في واشنطن حيث كان من المقرر أن تبدأ محادثات هانوي.

وواجه ترامب أيامًا قليلة قاسية من جلسات الاستماع في الكونجرس عندما سيطر مايكل كوهين الموالي لترامب السابق على عناوين الأخبار، وتفكير ترامب. وسهر الرئيس طوال الليل بدلًا من التحضير للمحادثات مع كوريا الشمالية. وبفضل خطة جون بولتون لإقناع ترامب بأنه يمكن أن يبدو صارمًا من خلال الانسحاب، رفض الرئيس الاستجابة لمطالبة كيم بتخفيف العقوبات على نطاق واسع مقابل إغلاق منشأة يونجبيون النووية. وكانت ضربة قاصمة لكيم، الذي أشار مرات لا تحصى في وسائل الإعلام الحكومية إلى أن صفقة مع الشيطان الأكبر في هانوي كانت وشيكة. ومنذ ذلك الحين، يتجنب المخاطر بشدة.

وفي الوقت نفسه، تتجنب واشنطن المخاطرة في التعامل مع جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية. وكوريا الشمالية، بصراحة، لا ترتقي إلى قمة قائمة المشكلات الوطنية التي يواجهها فريق بايدن هذه الأيام. إن الجائحة، التي تمر بخطة إعادة هيكلة اقتصادية ضخمة تبلغ قيمتها الإجمالية أكثر من 3 تريليونات دولار، والانتعاش الاقتصادي، وأزمة سقف الديون التي تلوح في الأفق، والتوترات مع الصين، كلها تحتل مركز الصدارة هذه الأيام.

Embed from Getty Images

وبدمج كل هذا مع الطبيعة الفوضوية للانسحاب من أفغانستان، لا يعد الرئيس بايدن حريصًا تمامًا على الدخول في رقصة دبلوماسية مع بيونج يانج، لا سيما أنه يعرف أن أي مفاوضات ستستغرق وقتًا ولن يكون لها مردود سياسي واضح أو فوري.

العودة لوضع 2017

ويخلص الباحث في نهاية تحليله إلى أن كل هذا يترك كيم مع بعض الخيارات الصعبة للغاية. وفي المؤتمر الثامن لحزب العمال في يناير، أشار كيم إلى أن كوريا الشمالية كانت تعمل أيضًا على تصنيع غواصات نووية، وصواريخ باليستية عابرة للقارات تعمل بالوقود الصلب، وحتى أسلحة نووية تكتيكية.

وبالنظر إلى أنه قد عرض بالفعل صواريخ كروز وصواريخ تفوق سرعة الصوت هذا العام في اختبارات مختلفة، كما ألمح إليها أيضًا في خطابه في مؤتمر حزب العمال، فهل سيستمر في إلغاء العناصر الموجودة في تلك القائمة؟ وأخشى أن يشعر كيم بأنه لم يتلقَ أي مكافأة على ضبط النفس الذي التزم به، ويقرر أن تجارب الصواريخ والتفجيرات النووية هي وحدها التي ستجذب إليه أي اهتمام. وقد يعني هذا أن إدارة بايدن، التي تخشى أن تصنَّف على أنها ضعيفة في أي رد على استفزاز كوريا الشمالية، يجب أن تبدو قاسية، ويمكن أن تبالغ في رد فعلها. وإذا حدث ذلك، فقد يبدو عام 2022 إلى حد كبير مثل عام 2017 في شبه الجزيرة الكورية – بمعنى أن المواجهة النووية ستبدو فيه على وشك الحدوث دائمًا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد