شهد هذا الأسبوع بدء العمليات العسكرية الهادفة إلى استعادة الرقّة، عاصمة الدولة الإسلامية في سوريا، والفلّوجة، أول المدن العراقية الكبرى التي سقطت في يد داعش قبل عامين. والمحطّة القادمة ستكون الموصل: ثاني أكبر المدن العراقية، والتي انتزعها الدولة الإسلامية من الحكومة في 2014، وأعلن منها «أبو بكر البغدادي» خلافته.

لكن إذ تُكثف الحكومة العراقية والقوات المقاتلة إلى جانبها من جهودها العسكرية، فإنها لا تُولي أهمية كبيرة لخلق الظروف السياسية المواتية لتوحّد القوى العسكرية المختلفة، وتسهيل عملية استعادة المدن، وعلى رأسها الموصل. في مقاله بجريدة «ذي أتلانتك»، ينتقد «عزيز أحمد»، أحد العاملين بمجلس أمن الإقليم الكردي، أداء الحكومة العراقية، ويؤكّد أنّ قوات البشمركة الكرديّة لن تُلقي بنفسها في التهلُكة، من أجل توحيد الصف العراقي.

البشمركة

الطريق إلى الموصل، كما يرى «عزيز»، يبدأ من بغداد. من جانبها، لم تدّخر قوات «البشمركة» الكردية جهدًا في صناعة الظروف المواتية لتوحّد القوى، فقد سمحت للجيش العراقي باستخدام الأراضي الكردية، على الرغم مما جلبه ذلك من تصاعد هجمات الدولة الإسلامية على المناطق الواقعة تحت سيطرة الأكراد.

«البشمركة» هي أكثر قوّة فاعلة ضد داعش في أرض المعركة، على حد قول «عزيز»، حيثُ هزمت الدولة الإسلامية في كلّ مواجهة  كبرى، واستطاعت احتواء الجهاديين ودفعهم حتى حدود الموصل. يحمي 40 ألف مقاتل بشمركي خطًّا حدوديًّا بطول 600 ميل، شماليّ العراق، بأسلحة سوفيتية متهالكة. وليس في نيّة الأكراد التخلّي عن المناطق التي دافعوا عنها باستماتة، خاصةً بعد أن تركها الجيش العراقي، مثل مدينة «كركوك».

«نحنُ جزءٌ من التحالف الدولي ضدّ داعش. والأراضي المُحتلّة من قِبل الدولة الإسلامية تُمثل خطرًا بالنسبة لنا، لذا فنحن مهتمون بالمُشاركة في عملية الموصل. لكننا نتوقع من الحكومة العراقية أن تعوّضنا، عسكريًّا وسياسيًّا».

إقصاءٌ للأكراد

يؤمن «عزيز»، ومعه رفاقه الوطنيون الأكراد، أن الحكومة العراقية تسعى لتعطيل عملية استقلال الأكراد، خاصّةً بعد إعلان رئيس كردستان العراقية، «مسعود برزاني»، التخطيط لاستفتاء على استقلال الأكراد عن العراق. علّقت الحكومة العراقية حصّة الأكراد من أرباح النفط على مدار العامين الماضيين، ولم تدفع مرتّبات البشمركة لخمسة أشهر، وسعت لإحباط صفقات شراء الأسلحة من جانب الأكراد، بل ووفّرت التسليح للجماعات الكردية غير الواقعة تحت سلطة الحكومة الإقليمية الكردية.

ليست هذه بالطبع الطريقة الأمثل لتشجيع «البشمركة» على المُشاركة في الهجوم على الموصل. فهي تُعطي إحساسًا للأكراد بأن هذه ليست معركتهم. إن كان الرئيس «حيدر العبادي» يُريد مُشاركة فاعلة من البشمركة، فعليه ألّا يسلب الأكراد حقوقهم التي يكفلها لهم الدستور العراقي. فالأكراد لن يكونوا جزءًا من عراق موحّدة، حتى بعد تحرير الموصل.

وبينما يُنسّق «عزيز» وزملاؤه حاليًا مع التحالف الدولي لوضع خطة لاستعادة الموصل، يؤكّد «عزيز» أن رجال بشمركة الشُجعان -على حد قوله- لا يمكن أن يدخلوا الموصل العربيّة وحدهم، بدون أن يتحسّس منهم سكان المدينة ويرونهم كقوّة محتلّة أخرى، خاصّة وأنّ الأكراد يسعون للحكم الذاتي على مناطقهم.

سياسات الحكومة العراقية تُغضب السنّيين

والموصل مُختلفة عن الرمادي. ففي حين أمكن الاعتماد على جبهة سنّية مترابطة لتحرير الرمادي في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وإبعاد الميشليات الشيعية ذات التاريخ الدموي عن المدينة، فإن الموصل مدينة كبيرة، تزخر بمزيج من الجماعات الدينية والعرقية، وهي المركز السياسي والقِبلي لمُعارضة الحكومة العراقية، التي لم تغيّر الكثير من سياساتها المتسببة في خلق الأزمة الحالية، ولم تخلق بديلًا مُعتبرًا لسكان الموصل عن سيطرة الدولة الإسلامية، أو بطش الميليشيات الشيعية.

يجعل هذا السنّيين العرب، وفقًا لمحادثات الأكراد مع النازحين منهم إلى الإقليم الكردي، غير مهتمّين بالقتال من أجل الموصل، ما لم تتوافر ضمانات أمنية وسياسية كافية من حكومة بغداد. هذه الانتفاضة السنية ضد الدولة الإسلامية، في المناطق التي تُسيطر عليها، ضرورية، كما كانت ضرورية من قبل لهزيمة تنظيم القاعدة في العراق. والولايات المتّحدة تبذل جهودًا مضنية لإبعاد الميليشيات الشيعية عن الموصل، حتى لا يؤدي تدخلهم إلى إحباط الانقلاب السنّي على داعش.

ليس ذلك فقط، بل إنّ صمود الموصل بعد استعادتها متوقّف، كما يقول «عزيز»، على انتهاج الحكومة الشيعية نهجًا أكثر احتواءً للمجتمع السنّي، الذي يؤمن العديد من قادته بإرساء حكم ذاتي للسنّيين في المناطق التي تسيطر عليها الدولة الإسلامية الآن، في شمال وغرب العراق. في عهد رئيس الوزراء السابق، «نوري المالكي»، كانت الحكومة العراقية تستجيب لمثل هذه الدعوات بإنزال قوات الجيش العراقي وإعلان الأحكام العرفية.

تذهب تقديرات الحكومة الكردية، والتحالف الدولي، إلى أنّ 9 آلاف مقاتل داعشي يتواجدون بالموصل، وأنّ طردهم سيتطلّب قوة عسكرية قوامها 30 ألف رجل، لمدة قد تصل إلى 6 أشهر. لكن تعداد القوات العراقية المتواجدة في «مخمور» القريبة من الموصل، لا يتجاوز 5400 مقاتل. يرى «عزيز» أن الحكومة العراقية ستحتاج إلى قوات البشمركة، وإلى مجتمعها السنّي، لتحقيق الانتصار السريع على الدولة الإسلامية. لكن من الصعب حدوث هذا ما لم تعترف الحكومة العراقية بأهداف الأكراد الوطنية، وتحتوي السنّيين.

«يؤمن الأكراد أن الاستقرار طويل المدى لن يتحقق إلا بالاعتراف بالعراق الجديدة، المُقسّمة فعليًّا. فالقوّة العسكرية، مهما بلغت، لن تُحقّق السلام».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات