امتدت المملكة التاريخية آنذاك بين الشلال الأول لنهر النيل في الشمال والشلال الرابع في الجنوب، وتنافست مع مصر القديمة وتغلَّبت عليها أحيانًا.

حضارة كوش السودانية المنسيَّة، منها بدأت الحضارات الأفريقية، لكن العالم أغفلها وحاول إظهارها على أنها حضارة تابعة لغيرها لسنين طويلة. يكتب الصحافي الأمريكي السوداني، إسماعيل كشكش، تقريرًا مفصلًا عن حكاية هذه الحضارة في مجلة سميثسونيان الأمريكية، وكيف تمظهرت آثار هذه الحضارة في تاريخ البلاد.

كوش.. ملكية عريقة

إلى شمال الخرطوم وباتجاه مدينة مروي القديمة، يبرز منظر خلَّاب من وراء السراب: عشرات الأهرامات المصطفَّة باختيال، إلى شرق المدينة تجد المقبرة الملكية المزدانة بما يقارب 50 هرمًا مصنوعًا من الحجر الرمليِّ والآجر الأحمر المميز. أما إذا توجهت إلى غرب المدينة، فستجد الجزء الملكيَّ به أطلال قصرٍ ومعبد وحمام ملكي. تتجلَّى ارتباطات مروي الأثرية العالمية عبر الهندسة المعمارية المتميزة لكل مبنى، والمستوحاة من الألوان الزخرفيَّة المحلية، والمصرية، واليونانية، الرومانية.

عُرفت الأرض الواقعة جنوب مصر للعالم القديم بأسماء عديدة، ومن ذلك تا-سيتي (أو أرض القوس، وقد سُمِّيت بذلك لخبرة سكانها في الرمي)، تا-نيهسي وتعني أرض النحاس، إثيوبيا أو أرض الوجوه المحروقة، وهي كلمة مشتقة من الإغريقية وفقًا للكاتب، نوبيا وقد تكون كلمة مصرية قديمة مشتقة من معنى الذهب، والذي كان وفيرًا آنذاك، وأخيرًا كوش وهي المملكة المهيمنة على المنطقة ما بين 2500 ق.م إلى 300 بعد الميلاد تقريبًا.

علوم

منذ 8 شهور
هل شهد كوكب الأرض حضارة صناعية قبل البشر؟

انحياز ضد الحضارة السودانية

يشرح الكاتب كيف طُبعت كتابات المؤرخين الأوروبيين والأمريكيين عن كوش القديمة لسنوات بانحيازاتهم والانحيازات السائدة في ذلك الزمن. يضرب مثالًا على ذلك، عالم المصريات بجامعة هارفارد، جورج ريزنر، الذي رأى عند مشاهدته أنقاض مستوطنة مملكة كرمة أوائل القرن العشرين أن الموقع مصريٌّ. وقد كتب في نشرة أكتوبر (تشرين الأول) 1918 لمتحف الفنون الجميلة في بوسطن: «لم يطور العرق الزنجاني الأصلي أبدًا لا تجارته ولا أيَّ صناعة جديرة بالذكر؛ إذ كان مدينًا بمكانته الثقافية للمهاجرين المصريين والحضارة المصرية المستوردة».
ظلَّت هذه الأفكار تسود المجالات العلميَّة المعنيَّة إلى منتصف القرن الماضي، حين كشفت أعمال التنقيب والآثار عن الحقيقة: كرمة التي يعود تاريخها إلى 3000 قبل الميلاد، كانت أول عاصمة لمملكة أصلية قوية، وقد توسعت إلى أن استوعبت الأرض الواقعة بين الشلال الأول لنهر النيل في الشمال والشلال الرابع في الجنوب تحت سيطرتها.

Embed from Getty Images

تنافست مملكة كرمة مع مصر القديمة بل تغلبت عليها أحيانًا، انخرطت المملكة الكوشية الأولى بتجارة العاج والذهب والبرونز وخشب الأبنوس والعبيد مع الدول المجاورة، مثل مصر وبونت القديمة، على طول البحر الأحمر إلى الشرق، واشتهرت بالفخار الأزرق المصقول والخزف التوليبيِّ البنيِّ الأحمر.

عالم الآثار السويسري، تشارلز بونيه، من أوائل من طعن بفكرة ريزنر، ولكن الأمر استغرق 20 عامًا ليقبل علماء المصريات حجته، وقد لخَّص بونيه الأمر للكاتب بقوله «كان علماء الآثار الغربيون – بمن فيهم ريزنر – يحاولون العثور على مصر في السودان، وليس السودان في السودان».

فراعنة السودان

يعود الكاتب لقرابة 1500 ق.م، حين سار الفراعنة المصريون جنوبًا على طول نهر النيل، حيث أنشأوا الحصون والمعابد بعد غزو كرمة، وجاءوا بالثقافة المصرية والدين إلى النوبة. بنى المصريون معبدًا مقدسًا في جبل البركل، هناك حيث «تولد» الشمس من الضفة «الغربية» – ترتبط عادةً بالغروب والموت – وقد اعتقد المصريون القدماء أنها مصدر الخلق.
ساد الحكم المصري في كوش حتى القرن الحادي عشر قبل الميلاد. ومع تراجع مصر وضعف إمبراطوريتها، نشأت سلالة جديدة من الملوك الكوشيين في مدينة نبتة جنوب شرق كرمة، مثبتةً أنها الوريث الشرعي والحامي للديانة المصرية القديمة. أسس ثالث ملوك نبتة الأسرة الخامسة والعشرين في مصر، والتي يعرف ملوكها بالفراعنة السود، وقد توسع بمملكته توسعًا عسكريًّا إلى شمال النيل هازمًا تحالفًا من الأمراء المصريين، وأعاد إحياء التقليد المصري في دفن الملوك في الأهرامات.

استمرَّ حكم الفراعنة السود لمصر لما يقرب من قرنٍ من الزمان، لكن تهارقا فقد السيطرة على مصر بعد غزو الآشوريين. ومع تعرض مدينة نبتة لتهديدٍ متكرر من المصريين والفرس والرومان، نقل ملوك كوش عاصمتهم بالتدريج نحو مدينة مروي. أصبحت مروي، المدينة الواقعة عند تقاطع عدة طرق تجارية مهمة في منطقة غنية بالحديد والمعادن النفيسة الأخرى، جسرًا بين أفريقيا والبحر الأبيض المتوسط، ونمت وازدهرت. ينقل الكاتب عن أرنولف شلوتر من متحف الدولة للفن المصري في ميونيخ: «شكَّلوا أفكارهم الخاصة، وفنونهم وهندستهم المعمارية الخاصة».

أهرامات السودان الخلابة

أعلنت اليونسكو أهرامات مروي موقع تراثٍ عالمي عام 2011، وهي أكثر ما يلفت النظر في المنطقة دون شكٍّ. قد لا تكون أهرامات مروي قديمة أو كبيرة بقدر أهرامات مصر، لكنها فريدة من نوعها؛ فهي وفقًا لوصف الكاتب أكثر حديَّةً ولم تخصص جميعها للعائلة المالكة فقط، بل دُفن بها النبلاء أيضًا – أو من يتحملون نفقاتها على الأقل – يوجد أكثر من مائتي هرمٍ في البلاد، وهو عدد يتجاوز أهرام مصر القديمة أيضًا.

Embed from Getty Images

على الجانب الآخر من الأهرامات تظهر المدينة الملكية، وحولها الأراضي المحيطة المغطاة بـ«خبث المعادن»، دلالة واضحة على المستوى الكبير لصناعة صهر الحديد في المدينة مصدر قوتها الاقتصادية.

الكنداكات حاكمات التاريخ

شغلت الملكات الحاكمات في تاريخ مروي – يطلق عليهن لقب «كنداكة» – دورًا رئيسيًّا في الحياة السياسية المروية. أمانيريناس كانت أشهر الكنداكات، وهي ملكة محاربة حكمت كوش من حوالي 40 ق.م إلى 10 ق.م، وينقل الكاتب وصف الكاتب الإغريقي، سترابو، لها بأنها كانت «من النوع الذكوريِّ من النساء، ولديها عمى في إحدى عينيها»، قادت جيشًا لمحاربة الرومان في الشمال وعادت مع تمثالٍ من البرونز لرأس الإمبراطور أغسطس، وقد دفنته آنذاك في مروي تحت درجاتٍ معبدٍ مخصص للنصر.
يتحدث الكاتب عن كنداكةٍ أخرى في بلدة ناغا، وهي الكنداكة أماني تيري التي حكمت من حوالي 1 قبل الميلاد لـ25 بعد الميلاد، وقد صُوِّرت وهي تقاتل أعداءها بجانب ولي عهدها على جدار بوابة مدخل معبد مكرَّس لأبيداماك (إله بوجه أسد وكان رمزًا لإله الحرب لدى النوبيين القدماء في فترة الحضارة المروية). يعتقد العديد من الباحثين أن أمانيتيتير وريثة أماني تيري، هي الملكة الكوشية المشار إليها باسم كانديس ملكة الإثيوبيين في العهد الجديد، التي تحول مسؤول خزاتها إلى المسيحية وسافر إلى القدس للعبادة.

حضارةُ نسيها العالم

بدأت قوة كوش في التضاؤل مع حلول القرن الرابع الميلادي. يقدم المؤرخون تفسيرات مختلفة لذلك، يذكر منها الكاتب الجفاف والمجاعة الناتجين عن تغير المناخ، وصعود حضارة أكسيوم المنافسة في الشرق (حيث إثيوبيا الآن).
يشرح الكاتب كيف جرى تجاهل تاريخ كوش وإسهاماتها في الحضارة العالمية لسنوات، لم يستطع علماء الآثار الأوروبيون الأوائل رؤيتها أكثر من انعكاسٍ لمصر، وقد حال عدم الاستقرار السياسي والإهمال والتخلف في السودان دون إجراء بحثٍ كافٍ في تاريخ البلاد القديم. بيد أن إرث كوش مهم بصورةٍ خاصة لإنجازاتها الثقافية المميزة وحضارتها.

كان لكوش لغتها وكتاباتها الخاصة، واقتصادها القائم على التجارة والعمل البارع، والخبرة المعروفة تاريخيًّا في الرماية، ونموذج زراعي متضمن لتربية الماشية، ومطبخ مميز به أطعمة مستمدة من البيئة المحلية مثل الحليب والدخن والتمر. كان مجتمع كوش منظمًا بصورة مختلفة عن جيرانه في مصر وبلاد الشام وبلاد ما بين النهرين، مع تخطيط فريد للمدينة وعائلة ملكية قوية. وينقل الكاتب قول الصحافية البريطانية السودانية البارزة، زينب بدوي، بهذا الشأن: «كانت مملكة كوش في أوجها قوة إقليمية مهيمنة، تكشف عن شعب عريقٍ ورائع نسيه العالم».

حضارة كوش - السودان

في مقابل مصر التي شُرحت كثيرًا بصلاتها بالشرق الأدنى والبحر المتوسط، تبيِّن كوش دور الأفارقة السود في ذلك العالم القديم المترابط. يقول جيف إمبرلينج للكاتب إن كوش كانت «أصل الحضارات الأفريقية السوداء».

ينقل الكاتب أيضًا عن مدير المركز الوطني للفنانين الأفرو-أمريكيين بمتحف بوسطن، إدموند باري جيثر أن «النوبة أعطت السود مكانهم الخاص على الطاولة، وإن لم تُبعد المنتقدين العنصريين». يضاف لذلك تصريح عالم الآثار الفرنسي، كلود ريلي، للكاتب: «كما ينظر الأوروبيون إلى اليونان القديمة بوصفها أباهم أو أمهم الرمزية، يمكن للأفارقة النظر إلى كوش بوصفها سلفهم الأكبر».
يعتقد الكاتب أن الفخر بهذا الإرث يعود الآن مع الهتافات التي أطلقت في المظاهرات السودانية «حبوبتي كنداكة» (أي: جدتي)، وتقول عالمة الآثار والعضو في الحكومة الانتقالية السودانية، إنتصار صغيرون، إن إعادة اكتشاف الجذور القديمة للبلاد ساعد في إذكاء الدعوات للتغيير، مضيفةً للكاتب: «كان الناس محبطين من الحاضر، لذا بدأوا في النظر إلى ماضيهم. كانت تلك لحظة الثورة».

الربيع العربي

منذ سنة واحدة
«وجوه عادية أسقطت ديكتاتورًا».. تعرّف إلى أبرز «أيقونات» ثورة السودان

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد