حرص  أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح على جعل بلاده مركزًا ثقافيًا إقليميًا، إذ تحظى فنون مثل المسرح والرقص والموسيقى برعاية ملكية وتعفى من الرقابة، لكن الكتب ليست كذلك.

قال رود نوردلاند في مقال له في صحيفة «نيويورك تايمز» إن ثمة حملة شعواء على الكتب في الكويت. وقد شملت الأهداف الأخيرة لأجهزة الرقابة الأدبية الحكومية موسوعة تضم صورة لتمثال ديفيد لمايكل أنجلو، ونسخة من فيلم الرسوم المتحركة «حورية البحر الصغيرة» الذي أنتجته ديزني. وكانت الذريعة أن الأول تمثال لرجل عارٍ والثانية ترتدي البيكيني.

«لا توجد حوريات يرتدين الحجاب»، تقول الناشطة الكويتية شمائل الشريخ ساخرة. وتضيف «إن الزعم بأن لباسها منحل أمر مثير للشفقة».

وأوضح نوردلاند أن الكويتيين يودون أن يشاع عن بلادهم أنها واحة للحرية الفكرية في الخليج المحافظ، وهي الملاذ الذي كان يرحب في يوم من الأيام بالكتاب العرب المنفيين. لكن أصبح صعبًا الحفاظ على هذه الصورة.

تأتي حملة الحكومة على الكتب بسبب تنامي نفوذ المحافظين في البلاد. وقد أقرت الحكومة بأنها منعت 4490 كتابًا منذ عام 2014، بما في ذلك العديد من الأعمال الأدبية التي كانت تعتبر مصونة، مما أدى إلى مظاهرات في الشوارع واحتجاجات عبر الإنترنت.

Embed from Getty Images

وأحيانًا تفصح لجنة الرقابة التابعة لوزارة الإعلام المكونة من 12 عضوًا التي تقيم الكتب عن سبب الحظر: تم حظر سلسلة لماذا نكتب لأن محررتها، ميريديث ماران، اتهمت أبيها كذبًا بالتحرش الجنسي.

ولكن في حالات أخرى يكون التبرير غامضًا – يستدرك نوردلاند – كما هو الحال مع كتاب «فن القراءة»، بقلم دامون يونج. ويتم تكريم مايا أنجيلو بوضع صورتها على ختم بريد في أمريكا، لكن مذكراتها، «أنا أعرف لماذا يغني طائر محبوس» محظورة في الكويت.

حتى الفائزون بالجوائز ليسوا محصنين، بل في الواقع يبدو أنهم ضحايا دائمين. إذ تم حظر «مائة عام من العزلة» للمخرج جابرييل جارسيا ماركيز، الحائز على جائزة نوبل، بسبب مشهد ترى فيه الزوجة زوجها عاريًا، كما هو الحال مع «أبناء الجبلاوي»، للمؤلف المصري نجيب محفوظ، أول عربي يفوز بجائزة نوبل في الأدب.

إذا كان كل هذا يبدو مثل نهج «الأخ الأكبر» الذ حدثنا عنه جورج أورويل، فإن رواية «1984» التي تنبأت به محظورة أيضًا، على الأقل بالترجمة العربية، رغم أنه مسموح بها بلغات أخرى.

الإنترنت هو ساحة المعركة مع الحظر

يقول النقاد إن الحظر امتد لأول مرة ليشمل العديد من الكتب والمراجع الدولية الموجودة بالفعل على الرفوف الكويتية، على الأقل جزئيًا بسبب الضغط البرلماني

لكن القراء الكويتيين لم يقفوا متفرجين – يؤكد نوردلاند – فقد ردوا بنشر بعض الصور على تويتر وفيس بوك تظهر أكوام الكتب المحظورة لديهم في مكتباتهم المنزلية.

وقال المؤلفون إن خدمات التوصيل عبر الإنترنت ستتجنب الحظر الذي ينطبق في الغالب على المكتبات والناشرين المحليين. «الآن أصبحت الكتب مثل المخدرات»، قالت هند فرانسيس، وهي ناشطة في مجموعة مكافحة الرقابة الكويتية تدعى ميم 3. وتضيف ساخرة «يجب أن يكون لديك تاجر سري للكتب المحظورة».

تجمع النشطاء والكتاب للاحتجاج على التضييق على الكتب ثلاث مرات في سبتمبر (أيلول)، وكان آخرها يوم السبت الماضي، وهو اليوم الأخير من أسبوع «الكتب المحظورة» الدولي. تعتبر الكويت إحدى دول الخليج القليلة التي تسمح بالاحتجاجات السلمية، على الرغم من أنها تخضع لرقابة صارمة. وقد حظيت الاحتجاجات بحضور ضئيل بسبب درجات الحرارة الحارقة.

Embed from Getty Images

ينقل نوردلاند عن فاطمة مطر، أستاذة القانون وإحدى الدعاة إلى الاحتجاج، قولها «إنه تحدٍ، لكننا نخبرهم أننا سنتظاهر لمدة ساعة واحدة فقط».

ومع قرب انعقاد معرض الكتاب في البلاد – وهو ثالث أكبر معرض في العالم العربي، بعد القاهرة وبيروت – في نوفمبر (تشرين الثاني)، عمد المسؤولون إلى التراجع. جاء في بيان حديث لوزارة الإعلام «لا يوجد حظر للكتب في الكويت. هناك لجنة للرقابة على الكتب تستعرض جميع الكتب».

بينما قال مساعد وزير الإعلام محمد عبد المحسن العواش «في الكويت، على مدى السنوات الخمس الماضية تم حظر 4300 كتاب من أصل 208 ألف كتاب، أي أن نسبة 2% فقط مُنعت». ونوه إلى أنه «يتم حظر بعض الكتب في الولايات المتحدة وأوروبا ولبنان وبلدان أخرى أيضًا». وأكد أن الكويت معروفة برعايتها للأدب والثقافة.

إنها قضية حساسة لأن أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح حرص على جعل بلاده مركزًا ثقافيًا إقليميًا – يضيف نوردلاند. ولكن بينما تحظى فنون مثل المسرح والرقص والموسيقى برعاية ملكية وتعفى من الرقابة، فإن الكتب ليست كذلك.

وقالت بثينة العيسى – كاتبة كويتية تم حظر روايتها «خرائط التيه» – «لا يمكن أن ينعقد محفل ثقافي ولديك كل هذه الكتب محظورة». وحظرت الرقابة الكويتية الكتاب بسبب مشهد إساءة معاملة أطفال في مكة في السعودية، لكن السعوديين لم يحظروا الكتاب في بلدهم، حيث حقق أعلى مبيعات.

ويقول النقاد إن الحظر امتد لأول مرة ليشمل العديد من الكتب والمراجع الدولية الموجودة بالفعل على الرفوف الكويتية، على الأقل جزئيًا بسبب الضغط البرلماني.

وقالت السيدة شاريخ «تصرفاتهم هذا العام تثير السخرية. فقد جرى حظر قصص الأطفال والكتب من قبل مؤلفين كويتيين حتى الأعمال التي أنتجتها دار النشر الحكومية في المجلس العام للثقافة والفنون والأدب»، مثل دراسة علمية عن غشاء البكارة، وفقًا للسيدة فرانسيس.

الدستور الكويتي يحمي حرية الفكر

ما تزال العديد من الكتب المحظورة معروضة للبيع في المكتبات في الكويت. ففي مكتبة جرير في الشامية مثلاً، أكبر مكتبة في البلاد، عُرضت كتب ماركيز وأورويل للبيع، إلى جانب كرتون حورية البحر التي ترتدي البيكيني.

يقول الناشطون إن الكويت تمتعت دومًا بالحرية الأدبية – يواصل نوردلاند كلامه – وأن حظر الكتب محزن للغاية للمفكرين. «لقد خطت الكويت خطوات كبرى في مجال الحريات المدنية»، قالت السيدة شاريخ. وتضيف «نحن منبع الثقافة في منطقة الخليج منذ عقود».

يتمتع البرلمان الكويتي باستقلالية كبيرة، لكن هذا أصبح مشكلة في نظر المؤلفين. تقول السيدة مطر «أصبحت الديمقراطية عدو الديمقراطية. إنهم يعتقدون أننا يجب أن نفكر جميعًا بنفس المنطق». ولأن للبرلمان الكويتي الحق في سحب الثقة من الوزراء – ينوه نوردلاند – وإجبارهم على الاستقالة، فإن الوزراء يسيرون بحذر، خاصة فيما يتعلق بالقضايا الاجتماعية الحساسة.

ولكن يقول المؤلفون إن وزارة الإعلام استجابت للضغط البرلماني بإعطاء الرقابة صلاحيات واسعة لحظر الكتب، رغم أن الدستور الكويتي يضمن الحرية الفكرية.

قالت أروى الوقيان، وهي مؤلفة كويتية، إن كتابها «فلتكوني بخير» تم حظره بسبب مقطع ذكر أن تنظيم الدولة الإسلامية يجند المراهقين «في المساجد». طالبها الرقباء بتغيير ذلك إلى «في بعض المساجد»، لكنها رفضت.

لكن آثار الحظر لم تكن سيئة دومًا – يشير نوردلاند – فقد أدى حظر بعض الكتب إلى زيادة الطلب عليها. بعد حظر كتاب محمد غازي «بلو» على مقطع في الصفحة 56، استخدم غازي، وهو عراقي يكتب باللغة الإنجليزية ويعيش في الكويت، تويتر لدعوة القراء لشرائه لمعرفة السبب. وقال إن مبيعاته زادت بأكثر من الضعف.

ما تزال العديد من الكتب المحظورة معروضة للبيع في المكتبات في الكويت. ففي مكتبة جرير في الشامية مثلاً، أكبر مكتبة في البلاد، عُرضت كتب ماركيز وأورويل للبيع، إلى جانب كرتون حورية البحر التي ترتدي البيكيني.

لكن مكتبات أخرى تمتثل للحظر خوفًا من الملاحقات القانونية. تقول السيدة مطر: «هذا يحدث تدريجيًا، ولكن الكتب تختفي بالفعل». إن الكتب الجديدة للمؤلفين الكويتيين مهددة، لأنه إذا تم حظرها لا يمكن طباعتها وتوزيعها. وقد تم منع كتاب شعر للسيدة مطر عندما رفضت حذف بيت مخالف.

Embed from Getty Images

وقالت: «لا نريد الوصول إلى تلك المرحلة حيث نذهب إلى المكتبات ونجد فقط كتب الطبخ والشريعة الإسلامية».

ويؤكد نوردلاند أن تجار الكتب المحظورة ينشطون بشكل ملحوظ. يستخدم الكثيرون صورة مزيفة في إنستجرام لعرض بضاعتهم، وتلقي طلبات الشراء، وفقًا لأحد المؤلفين الشباب الذين أكدوا أنه يكمل دخله بهذه الطريقة.

في محل لبيع الكتب في مدينة الكويت، أظهر المالك خزانة سرية مليئة بالكتب المهربة ومخزن آخر في الطابق السفلي. وقال: «من سخرية القدر أن يساعد حظر الكتب على زيادة مبيعاتها. وبصفتي بائع كتب، يمكنني أن أخبرك أنني سأفضل عرض الكتب علنًا».

كان لدى بائع الكتب نسخة محظورة من «زوربا اليوناني»، حيث يمكن أن يؤدي ذلك إلى فرض غرامة بحد أدنى يبلغ نحو 1650 دولارًا إذا اكتشفها مفتشو وزارة الإعلام. لكنه ليس قلقًا. «يمكنك دائما اكتشافهم عندما يأتون. فالجهل بادٍ على وجوههم».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد