نشرت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية تحليلًا للكاتبين دانيال تافانا، وعبد الله الخنيني تناولا فيه انتخابات مجلس الأمة الكويتي التي بدأت يوم السبت الماضي وتوقعات المراقبين بشأن نتائجها، وهل من المرجح أن تسفر عن تغير في ميزان القوى بين الحكومة والبرلمان أم لا؟ خاصة وأن أداء شاغلي المناصب فيما مضى كان ضعيفًا.

انتخابات لن تغير المشهد السياسي في الكويت

استهل الكاتبان تحليلهما قائلين: أجرت الكويت يوم السبت أول انتخابات لمجلس الأمة منذ تولي الشيخ نواف الأحمد الصباح منصبه أميرًا للبلاد في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي في أعقاب وفاة أمير البلاد السابق الأمير صباح الأحمد الجابر الصباح. ومن الناحية التاريخية، أجرت الكويت أكثر الانتخابات حرية وتنافسية بين دول الخليج العربي. وعلى الرغم من وجود مخاوف من أن جائحة فيروس كورونا المُستجد ربما تردع الناخبين عن المشاركة في الانتخابات، شارك ما يقرب من 70% من المواطنين في عملية التصويت.

سياسة

منذ 3 شهور
عميد الدبلوماسية الخليجية.. الأمير صباح الأحمد الذي جنَّبَ الكويت صراعات المنطقة

وتفاجأ المحللون بأن 24 من أصل 43 نائبًا في المجلس فقدوا مقاعدهم، على الرغم من أن هذا الرقم يتوافق مع نتائج الانتخابات السابقة وإعادة الانتخاب الحالية والتقلب الانتخابي في الأنظمة غير الديمقراطية الأخرى. وإجمالًا، تنافس 326 مرشحًا على 50 مقعدًا في خمس دوائر انتخابية. وجرى حظر التجمعات العامة بسبب الجائحة، على الرغم من تجاهل عديد من المرشحين لهذه القيود.

ودعا عديد من المرشحين إلى إجراء مجموعة من التغييرات في السياسة، مثل إصلاح القطاع العام، وتعديل قانون الانتخابات، ووضع حد للفساد. ومنذ عام 2019، أدَّى عديد من فضائح الكسب غير المشروع التي تورط فيها مجموعة متنوعة من المسؤولين الحكوميين إلى زيادة ملحوظة في الإحباط العام من كل من الحكومة والبرلمان. وتثير الوجوه الجديدة احتمالية أن يتخذ البرلمان المقبل إجراءات في هذا الصدد. لكن هذه الانتخابات لن تغير على نحو جذري المشهد السياسي في الكويت. وفيما يلي، نستعرض ما يحتاج المرء لمعرفته حول الانتخابات – ولماذا من غير المرجح أن يتغير ميزان القوى بين الحكومة والبرلمان.

نسبة مشاركة عالية على الرغم من الجائحة

يرى كاتبا التحليل أن القيود الدستورية ورحيل أمير الكويت قُرْب نهاية ولاية البرلمان السابق منعا الحكومة من التفكير في تأجيل الانتخابات بسبب الجائحة. ففي شهر أكتوبر (تشرين الأول)، قيَّدت الحكومة فعاليات الحملة الانتخابية الشخصية لضمان قدرة المواطنين على التصويت بأمان. وفي يوم الانتخابات الموافق الخامس من شهر ديسمبر، طلبت الحكومة من المواطنين الانتظار خارج مراكز الاقتراع، وارتداء الكمامات، والالتزام بالتباعد الجسدي – وهي إجراءات لم تُراعَ في جميع مراكز الاقتراع.

Embed from Getty Images

ومنعت الجائحة عديدًا من المواطنين من حضور فعاليات الحملة بصورة شخصية، لكن حركة وسائل التواصل الاجتماعي كشفت عن مستويات عالية من الاهتمام بالانتخابات. ووفرت المنصات الجديدة مثل «رقيب 50»، و«نقاشنا»، و«حوار» إمكانية الوصول إلى المرشحين الذين ربما لم يكن الناخبون سمعوا عنهم من قبل.

ويضيف كاتبا التحليل أنه بالنسبة للجزء الأكبر من العملية الانتخابية، لم تنفصل هذه الانتخابات عن ما كان يجرى في الماضي. فالقبائل، على سبيل المثال، عَقَدت مرةً أخرى انتخابات تمهيدية غير رسمية لاختيار المرشحين قبل الانتخابات. وعلى الرغم من مشاركة 29 امرأة بصفتهن مرشحات – أي ما يقرب من ضعف عدد النساء اللائي ترشحن في انتخابات 2016 – لم تفز أي منهن. ومع ذلك، اكتسبت قضايا مثل حق المرأة الكويتية في تمرير الجنسية لأطفالها اهتمامًا على منصات جديدة مثل «قائمة مضوي» و«المنطقة الرمادية».

وعلى نحو عام، ترشح الليبراليون والإسلاميون والمستقلون بأعداد مماثلة لانتخابات عام 2016. لكن غياب التنسيق بين هذه المجموعات استمر في تقييد جاذبية هذه الحركات السياسية لدى الناخبين. وشاعتْ مرةً أخرى هذا العام التقارير عن شراء الأصوات، وهي سمة دائمة للسياسة الكويتية.

المشهد السياسي الكويتي لن يتغير رغم تغير الوجوه

ويرى الكاتبان أنه نتيجةً للإحباط الذي أصاب الشعب من تقاعس البرلمان السابق، صوَّت المواطنون ضد شاغلي المناصب بأعداد كبيرة، ولكن ذلك لم يكن ملحوظًا من الناحية التاريخية. فمن بين 43 شاغلًا ترشحوا، فاز 19 نائبًا فقط. وانتخب المواطنون هذا الأسبوع 10 نواب آخرين ممن سبق لهم الخدمة في البرلمان.

والحقيقة أن النظام الانتخابي في الكويت صُمِّم على نحو يضمن التوازن بين الفئات الاجتماعية مع الحد من جاذبية الحركات الأيديولوجية مثل الإسلاميين والليبراليين. وكما هو متوقع، هذا هو بالضبط ما حدث يوم السبت – مما يجعل من غير المرجح أن يغير القادمون الجدد النظام السياسي الكويتي الذي يعاني من جمود متزايد.

لا أحزاب سياسية في الكويت والمرشحون يعملون أفرادًا

يرى المحللان أن بعض المرشحين ينتسب بصورة غير رسمية إلى حركات إسلامية وليبرالية مختلفة. لكن نظام التصويت الفردي غير القابل للتحويل في الكويت يعزز الروابط الشخصية وعنصر علاقة الزبون القائمة بين المرشحين والناخبين. ويمنع هذا النظام أيضًا المرشحين من تنسيق المنصات وتنظيم الحملات معًا.

Embed from Getty Images

ولم تكن انتخابات مجلس الأمة التي جرت يوم السبت الماضي استثناءً من هذا الأمر. وعلى الرغم من صعوبة تحديد الانتماءات الأيديولوجية للمرشحين بدقة، فاز الإسلاميون بنحو 20% من المقاعد وفاز الليبراليون بنحو 10%، دون تغيير عن نتائج انتخابات عام 2016.

ويشجِّع القانون الانتخابي المرشحين على الاعتماد على الدعاوى القبلية، والطائفية، وغيرها. وتُعد الهويات القائمة على المجموعة ذات أهمية اجتماعية وسياسية في الكويت. ويعتمد المرشحون على هذه الهويات لجذب أعضاء شبكاتهم المباشرة للفوز. وفي ضوء ذلك، جاءت نتائج الانتخابات غير مُفاجِئة. إذ فاز ستة مرشحين شيعة في كل من انتخابات عامي 2016 و2020. وزاد عدد نواب القبائل على نحو طفيف إلى 29 بدلًا من 26 نائبًا في انتخابات 2016. وخاض أكثر من نصفهم الانتخابات التمهيدية القبلية المصممة للحد من التنافس داخل القبيلة يوم الانتخابات.

وعلى الرغم من الاستمرارية في ميزان المجموعات وقلة عدد النواب الممثلين للحركات الأيديولوجية، كانت هناك بعض المفاجآت. فلم يشارك اثنان من الإسلاميين في الدائرة الخامسة (ذات الغالبية القبلية) في الانتخابات التمهيدية القبلية – لكنهما فازا بمقاعد. ففي الدائرة الأولى، فاز حسن جوهر، السياسي الليبرالي البارز الذي قاطع الانتخابات منذ عام 2012، بسهولة.

ويمكن لهؤلاء النواب تشكيل المعارضة بين حفنة من النواب المتشابهين في التفكير، على الرغم من أن نشاط المعارضة في البرلمان لا يزال محدودًا. ومُنِع أنور الفكر، وهو ليبرالي خالِص وله صلات بالمعارضة، من الترشح في الدائرة الرابعة. ومُنِع نواب معارضة سابقون آخرون من الترشح والتصويت بسبب مشاركتهم في الاحتجاجات التي جرت عامي 2011-2012.

آمال معقودة ومستقبل يحكمه ميزان القوى

يلفت الكاتبان إلى أنه يجب على أمير البلاد الشيخ نواف الأحمد الصباح أن يقرر الآن كيف سيعمل هو وحكومته مع البرلمان. وفي أعقاب إعلان النتائج يوم الأحد الماضي، دعا مرسوم أميري إلى عقد الجلسة الافتتاحية للبرلمان في يوم 15 ديسمبر (كانون الأول). وقبل هذه الجلسة، يجب أن يختار رئيس الوزراء، الذي أعيد تعيينه من جديد في الثامن من شهر ديسمبر، الشيخ صباح الخالد الصباح، ما يصل إلى 15 وزيرًا.

Embed from Getty Images

ولم يتضح بعد كيف سيتعامل الشيخ نواف مع البرلمان، لذا فإن الخطوات التالية ستوفر أول إشارة واضحة عن الكيفية التي يخطط للحكم من خلالها. ويعمل الوزراء أعضاءً مصوتين في البرلمان، ويشكلون مهام اللجان، ويمكن أن يؤثروا في الانتخابات المثيرة للجدل لرئيس البرلمان.

وفي هذا السياق، يجدر بنا أن نذكر أنه قبل أن ينتهي البرلمان الأخير من ولايته، حاولت الحكومة دون جدوى الموافقة على قانون يسمح لها بتمويل عجز أكبر في الميزانية. وستحاول الحكومة مرةً أخرى، لكن هناك مخاوف أخرى تلوح في الأفق على جدول الأعمال. وخلال الحملة الانتخابية، استخدم المرشحون انتشار فضائح الفساد والكسب غير المشروع للدعوة إلى إحداث تغييرات في إدارة الأموال العامة.

أما القضايا الأخرى، مثل تعديل قانون الانتخابات، والعفو عن السياسيين المعارضين، وتوظيف المغتربين، وقانون البدون (عديمي الجنسية) المثير للجدل فمن المحتمل أن تكون لها الأولوية. واختتم الكاتبان تحليلهما قائليْن إنه على الرغم من أنه من غير الواضح كيف سيعمل أمير الكويت الجديد ومجلس الأمة معًا، فمن المحتمل أن يظل ميزان القوى بينهما دون تغيير.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد